فقه السعادة والشقاوة (٢)
فالاعتصام نوعان:
اعتصام بالله كما قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)} [الحج: ٧٨].
واعتصام بحبل الله كما قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)} [آل عمران: ١٠٣].
والاعتصام هو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف.
فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل.
والاعتصام بالله مما هو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه مما يضره، ويعصمه مما يؤذيه أو يهلكه.
ومدار السعادة وقطب رحاها على التصديق بالوعيد، فإذا تعطل من قلبه التصديق بالوعيد خرب خراباً لا يرجى معه فلاح البتة.
والله تبارك وتعالى أخبر أنه إنما تنفع الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة كما قال سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)} [هود: ١٠٣].
وقال سبحانه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)} [ق: ٤٥].
ومن كملت عظمة الخالق تعالى في قلبه عظمت عنده مخالفته، وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص من الجناية التي توقعه فيه.
ولا مناص للإنسان الذي يبتغي السعادة والراحة.
وطمأنينة القلب.
وصلاح الحال في الدنيا والآخرة.
من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه.
وفي نظام
حياته.
وفي منهج مجتمعه.
وذلك ليتناسق مع النظام الكوني كله، الطائع لربه المنقاد لأمره.
فلا يحل للإنسان أن ينفرد بمنهج من صنع نفسه لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه.
وبتحكيم منهج الله في الأرض يحقق الإنسان وظيفة الخلافة في الأرض، كما وهبها الله له، وشرفه بها، واختاره لها.
وحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن منهج الله لا يصطدم مع الكون فحسب، بل يصطدم أولاً بفطرته التي بين جنبيه فيشقى ويتمزق، ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية الضالة التائهة اليوم.
فهي في عذاب يأكلها ويلعب بأحشائها من الداخل، وينخر في أجسادها من الخارج، خوف دائم، وقلق مستمر، ورعب وإرهاب، وجرائم تفتك بالأفراد والأمم والدول، فهي في عذاب دائم، على الرغم من جميع الانتصارات العلمية الباهرة.
وجميع التسهيلات الحضارية المادية.
والإنتاج الوفير.
والفراغ الكثير.
والرخاء المادي.
إن البشرية اليوم تعاني من الخواء المرير، خواء الروح من الإيمان التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليه.
وخواء حياتها من المنهج الإلهي الذي ينظم حياتها، وينسق بين حركتها، وحركة الكون الذي تعيش فيه.
ولذا تجد في هذه الأمة التائهة الشقاء والقلق، والحيرة والاضطراب، وتحس الخواء والجوع والحرمان، فتهرب من واقعها النكد المشين، إلى المسكرات والمخدرات، والشذوذ في الحركة واللباس والأخلاق، وكلما زاد الرخاء والإنتاج زادت الحيرة والمشاكل والاضطراب: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)} [الانشقاق: ٢٠، ٢١].
وكل إنسان.
وكل بيت.
وكل مجتمع.
وكل دولة.
وكل أمة.
وكل أهل الأرض.
غرقى في المشاكل والظلم والحروب والفقر.
وكل يفتش في حل مشاكله في أنحاء الأرض.
فطلبوا حل المشاكل في المناصب والأموال والأشياء، وفروا لتحصيل ذلك ليحلوا مشاكلهم، وكلما اجتهدوا زادت المشاكل، وتضاعفت المحن والمصائب والأمراض.
فكانت المعاصي والفقر والخوف، والفرقة والتمزق، وتحول المجتمع إلى مجموعة من الوحوش المتناحرة، وتمرغ كثير من الناس في المحرمات والرذائل والفواحش، فزاد البؤس واليأس والفقر.
فقالوا: نجتهد حتى نكسب الأموال.
وإذا جاءت الأموال نشتري الأشياء من مسكن ومركب، ومطعم ومشرب.
وإذا توفرت الأموال والأشياء تحل مشاكلنا.
ثم توفر المال بيد المسلمين وغيرهم، وما زاد الأمر إلا اضطراباً وشدة فما السبب؟.
السبب أن المسلمين يبحثون عن العلاج من غير الكتاب والسنة.
فالله أرسل الرسل، وأنزل الكتب لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة.
وإذا أخذ المسلمون بذلك تغيرت حياتهم.
ورضي الله عنهم.
كما تبدلت حياة أهل الجاهلية لما آمنوا.
فسعدوا بالأمن بعد الخوف.
وبالعلم بعد الجهل، وبالعدل بعد الظلم، وبالإيمان بعد الكفر، وبالعزة بعد الذلة.
وفي الحياة طريقان:
طريق الملك والمال والأشياء.
وطريق الإيمان والأعمال الصالحة.
وطريق الملك والمال والأشياء فيه طريقان:
إما أن يحصل به الفلاح والسعادة كما حصل لسليمان - صلى الله عليه وسلم -.
وإما الخسران كما حصل لفرعون مع وجود الملك والمال، بسبب عدم امثتال أوامر الله.
وكذلك الزراعة كانت عند قوم سبأ فخسروا، لعدم امتثالهم أوامر الله.
وكانت الزراعة عند الأنصار، ولكنهم ربحوا لامتثالهم أوامر الله.
وكذلك التجارة كانت عند قوم شعيب فخسروا لعدم امتثالهم أوامر الله.
وكانت التجارة عند المهاجرين فربحوا في الدنيا والآخرة لامتثالهم أوامر الله عزَّ وجلَّ.
أما طريق الإيمان والأعمال الصالحة ففيه وجه واحد فقط، وهو الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)} [النحل: ٩٧].
وسعادة الإنسان مبنية على صلاح بدنه وروحه، وصلاح البدن والروح متوقف على مدى معرفة الواضع للتشريع بالذي يصلح العباد، وبقدر معرفة الواضع له بأحوال الخلق وظروفهم وما يصلحهم ظاهراً وباطناً، تكون الثمرة، وتحصل السعادة.
ولا أعلم بالخلق من خالقهم، فلا يكون التشريع إلا لله، لأنه أعلم بالخلق وما يصلح أجسامهم وأرواحهم وحياتهم.
والتشريع الذي وضعه الله لإصلاح البدن يدور على الأكل من الطيبات، وعلى تحريم ما حرم الله من المطعومات والمشروبات التي تضر البدن.
وعلى تحريم المفاسد والمضار التي تضر بالإنسان في نفسه أو ماله أو عرضه أو عقله أو دينه، وهي الكليات الخمس التي اتفقت الشرائع على صيانتها والمحافظة عليها وهي:
حفظ الدين.
والنفس.
والعرض.
والعقل.
والمال.
أما التشريع المتعلق بإصلاح الروح فإنه يدور على الوظائف والأعمال التعبدية التي شرعها الله، وأذن بفعلها كالصلاة والزكاة، والصيام والحج ونحوها.
فهذه العبادات تزكي الروح وتطهرها.
ومن علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه، زاد في تواضعه وخشيته.
وكلما زيد في عمله زاد خوفه وحذره.
وكلما زيد في عمره نقص من حرصه.
وكلما زيد في ماله زاد في سخائه وبذله.
وكلما زيد في قدره وجاهه زاد في قربه من الناس، وقضاء حوائجهم، والتواضع لهم.
مختارات

