الخزانة الثانية..
صفة اليمين:
اليمين: هي تأكيد المحلوف عليه بذكر معظم، وهي القسم بالله أو باسم من أسمائه أو صفةٍ من صفاته.
وحروف القسم خمسة:
الواو.
والباء.
والتاء.
والهاء الممدودة.
والهمزة الممدودة.
والمشهور منها ثلاثة:
الواو.
والباء.
والتاء.
فالأم هي الباء؛ ولهذا تدخل على المقسَم به مقرونةٌ بالفعل مثل: أقسم بالله، وتدخل على جميع الأسماء مثل: أقسم بالرحمن، فهي أوسع أدوات القسم.
والواو أكثر استعمالًا من الباء، ولكنها لا تقترن مع فعل القسم، كأن تقول: والله لاشترين هذه السيارة.
والتاء لا تدخل إلا على لفظ الجلالة فقط مثل: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ [الأنبياء: ٥٧].
والهاء الممدودة يقسم بها أحيانًا مثل: هالله لأدخلن.
والهمزة الممدودة مثل: أالله لأفعلن.
والهاء والهمزة لا تدخلان إلا على لفظ الجلالة فقط.
حكم اليمين:
اليمين تنقسم إلى خمسة أقسام:
فقد تكون واجبة، أو مستحبة، أو محرمة، أو مكروهة، أو مباحة.
والأصل في اليمين أن تركها أولى وأسلم، فعلى المسلم ألا يُكثر منها؛ لقوله سبحانه: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
وقوله ﷿: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١].
فتكون اليمين واجبة إذا كان المقصود بها إثبات حق، أو في دعوى عند القاضي، ليدفع بها الظلم عن غيره ونحو ذلك.
وتكون مستحبة إذا توقف عليها فعلٌ مستحب.
وتكون محرمة إذا كانت على فعل محرم، أو ترك واجب، كأن يقول والله لا أصلي مع الجماعة، أو تالله لأشربن الخمر.
وتكون مكروهة إذا توقف عليها فعلٌ مكروه.
وتكون مباحة إذا توقف عليها فعلٌ مباح.
كفارة اليمين:
الأصل وجوب البر باليمين، ولكن الله ﷿ رحيمٌ بعباده، رخص لهم في الحنث من باب التخفيف، وأوجب الكفارة على من حنث، والكفارة تدل على أن هناك ذنبًا يحتاج إلى تكفير، وهذا الذنب هو انتهاك حرمة المُقسم به بالحنث.
والحنث فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف عليه، كأن يقول: والله لا أشرب الحليب، ثم شربه، فهذا يُسمى حانثًا، أو يقول والله لأزورن زيدًا اليوم، ثم ذهب اليوم ولم يزره، هذا يحنث؛ لأنه ترك ما حلف على فعله.
واليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث هي الحلف بالله، أو باسمٍ من أسمائه أو صفةً من صفاته، كأن يقول:أقسم بالله، أو يقول: ورب الناس لأدخلن، أو يقول: أقسم بمجيء الله للفصل بين عباده، أقسم بوجه الله، أقسم بعظمة الله، أقسم بآيات الله، فهذه أيمانٌ منعقدة إن بر بها فلا شيء عليه، وإن حنث فعليه الكفارة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
حكم الحلف بغير الله:
الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكبيرة، فسيئة الشرك وإن صغرت أعظم من سيئة المعصية وإن كبرت، كأن يحلف بنبي أو ملك أو رسول أو ولي أو بالشمس أو بالقمر أو الجبل أو السماء أو الأرض أو غيرها من المخلوقات، فالحلف بغير الله محرمٌ وشرك، ولا تجب به الكفارة؛ لأنه يمينٌ غير شرعي، وما ليس بشرعي لا يترتب عليه أثره، فهو مردودٌ على صاحبه، وصاحبه آثمٌ بالحلف به.
عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنُ عُمَرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ».
متفقٌ عليه.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
متفقٌ عليه.
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
أما الله ﷿ فيقسم بما شاء من خلقه كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ [الطارق: ١].
حكم إبرار القسم:
الحنث يقع من المقسم، وكذا إبرار القسم والوفاء به، اما إذا حلف على شخص كأن يقول لأخيه: والله لتدخلن بيتي، فهذا الأفضل أن يبر بيمينه ما لم يكن عليه ضرر؛ لأن إبرار القسم من حق المسلم على المسلم، فإن كان فيه ضررٌ على المقسم عليه فلا يبر بيمينه، كأن يقول له: أقسم عليك بالله أن تخبرني كم مالك؟ وكيف تُعاشر زوجتك؟
والكفارة تجب على الحالف، لا على الحانث؛ لأن الكفارة تتعلق بالحالف المتسبب.
ومن قال لغيره: والله لتدخلن قبلي، وقصده الإكرام له لا الإلزام، فلا تلزمه الكفارة إذا حنث، أما إذا قصد الإلزام وحنث فعليه الكفارة.
ويُخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيامٍ متتابعة وهو الأفضل أو متفرقة.
والإطعام له كيفيتان:
الأولى: أن يصنع طعامًا يكفي عشرة مساكين غداءً أو عشاءً، فيطعمهم إياه.
الثانية: أن يُعطي عشرة مساكين عشر كيلو من أرزٍ ونحوه مع ما يتبعه من لحمٍ ونحوه، أو يعطي كل مسكين كيلو ونصفٍ من الأرز.
والإطعام له أربع حالات:
تارةً يُقدر المدفوع، دون المدفوع إليه مثل: زكاة الفطر صاع.
وتارةً يُقدر المدفوع إليه دون المدفوع مثل: إطعام كفارة اليمين لعشرة مساكين.
وتارةً لا يُقدر المدفوع، ولا المدفوع إليه كالصدقة.
وتارةً يُقدر المدفوع والمدفوع إليه كالزكاة للفقراء والمساكين ونحوهم من أهل الزكاة.
أنواع اليمين:
اليمين التي تصدر من المسلم أنواع:
الأول: اليمين بالله كأن يقول: والله لأفعل كذا.
الثاني: اليمين بالنذر كأن يقول: إن فعلت هذا فلله علي نذر أن أصوم شهراً.
الثالث: اليمين بالطلاق كأن يقول: إن فعلت كذا فزوجتي طالق.
الرابع: اليمين بالتحريم كأن يقول: إن فعلت كذا فزوجتي علي حرام.
واليمين المشروعة للحالف والمُحلِف هي اليمين بالله؛لقول النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
متفقٌ عليه.
ولا يجوز للقاضي أن يُحلِف بالطلاق، أو بالتحريم؛ لأن اليمين المشروعة هي اليمين بالله ﷿ أو باسم من أسمائه، أو صفةٍ من صفاته.
حكم التسمية على الذبيحة:
يجب على المسلم عند الذبح أن يقول: بسم الله، والتسمية شرطٌ لحِل الحيوان، ولا تسقط التسمية لا سهوًا ولا جهلًا ولا عمدًا، فإذا فقدت التسمية لم تحِل الذبيحة؛ لأن التسمية شرطٌ لحِل الحيوان المذبوح.
والشروط الثبوتية الوجودية لا تسقط بالسهو ولا بالجهل، والذي ترك التسمية ناسيًا أو جاهلًا لا إثم عليه، لكن لا يلزم من انتفاء المؤاخذة صحة العمل، فلا نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن الله يقول:﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].
ومن أكل مما لم يذكر اسم الله عليه ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه؛ لقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم.
والأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة، حتى يقوم دليل الفساد، فمن ترك التسمية ناسيًا، فلا إثم عليه، لكن ذبيحته لا تحِل؛ لأنه لم يذكر اسم الله عليها، ومن صلى بغير وضوء ناسيًا فلا إثم عليه، لكن يجب عليه إعادة الصلاة؛ لأنه لم يتوضأ، والصلاة لا تصح بغير وضوء.
فقه أعمال الحج:
أعمال الحج ثلاثة أقسام:
منها ما يختص بالحج وحده كالوقوف بعرفة، ومزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار والهدي.
ومنها ما يشترك في الحج والعمرة كالإحرام، والطواف، والسعي، والحلق، والتقصير، والتلبية.
ومنها ما يُشرع منفردًا عن الحج والعمرة، وهو الطواف تطوعاً بالبيت العتيق الذي يُشرع للمحرم والمحِل على حدٍ سواء
والوقوف بعرفة، والطواف بالبيت هما أعظم أعمال الحج.
الأول: من جنس السكون.
والثاني: من جنس الحركة.
ومن مر بالمواقيت يريد الحج أو العمرة، أو يريد مكة لتجارة وزيارة ونحوهما مما لا يتكرر، فينبغي له أن يدخل مكة محرمًا، والنبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون لم يدخل أحد منهم مكة إلا محرمًا، إلا عام الفتح من أجل القتال، وليس لأحدٍ أن يقف بعرفة في موسم الحج إلا مكشوف الرأس محرمًا إلا من كان معذورًا.
أقسام الحيلة على الربا:
الحيلة على أكل الربا ثلاثة أقسام:
الأول: ما يكون من طرفٍ واحد كما إذا باعه سلعةً نسيئة، ثم اشتراها منه نقدًا بأقل من ثمنها.
الثاني: ما يكون من اثنين كما إذا جمع مع القرض بيعاً أو إجارة أو نحو ذلك.
الثالث: ما يكون من ثلاثة بأن يدخل بينهما محلل للربا، فيشتري السلعة منه آكل الربا، ثم يبيعها لمعطي الربا إلى أجل، ثم يعيدها إلى صاحبها الأول بنقص دراهم يستعيدها المحلل.
حكم اختلاط الرجال بالنساء:
يجب على ولي الأمر أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في المدارس، وأماكن العمل، ومجامع الرجال؛ لعظيم الفتنة التي تحصل بذلك، فاختلاط الرجال بالنساء أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة والخاصة، كما أنه من أسباب فساد أمور الأمة، وانتشار الزنا والفواحش، والموت العام والطواعين المتصلة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
عن أُسامَةَ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا تركْتُ بعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ النِّسَاءِ».
متفقٌ عليه.
فاختلاط الرجال بالنساء من أعظم الفتن التي تجر على الأمة الويلات والفساد، فما أعظم عقوبة من دعا إلى ذلك:﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [النور: ١٩ - ٢٠].
واختلاط الرجال بالنساء في أماكن العمل، وفي المدارس والجامعات وأمثالها، كل هذا يجر به الشيطان الرجال والنساء إلى الفتنة، حتى يقعوا في الفاحشة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
اختياراتٌ فقهية:
حمل التراب من أجل التيمم بدعةٌ لم يفعلها أحدٌ من السلف.
والوضوء من الحدث الدائم كسلس البول ونحوه واجبٌ لكل صلاة.
والقصاص في إتلاف الأموال غير مشروع؛ لأنه إفساد كأن يهدم داره فيهدم داره، وإنما يضمنه بمثله أو قيمته.
والإطعام في كفارة اليمين ونحوها مقدرٌ بالعرف لا بالشرع، فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرًا ونوعًا.
وصدقة الفطر جاريةٌ مجرى صدقة الأبدان كالكفارات، لا صدقة الأموال، فسببها البدن لا المال، فلا تُصرف إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم من الفقراء والمساكين.
وصدقة الفطر تتبع الإنسان حيث كان في بلده أو غير بلده.
والإمام في صلاة التراويح إذا أوتر، مخيرٌ في وصل الوتر وفصله، وفي القنوت وتركه، ويكون الفصل أكثر، فيصلي ركعتين، ثم يوتر بواحدة، ويكون ترك القنوت أكثر.
وقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سُنَّة، وإن لم يقرأ بل دعا جاز.
ومن كان مداومًا على قيام الليل، أغناه عن المداومة علي صلاة الضحى كما كان النبي ﷺ يفعل.
ومن كان ينام عن قيام الليل، فصلاة الضحى بدل قيام الليل أفضل له، والأفضل والأحسن والأكمل أن يداوم على هذا وهذا، طلبًا للأجر والثواب.
والجمع والقصر في السفر مشروع، والجمع بين الصلاتين لا يفتقر إلى نية، ولا تُشترط الموالاة في الجمع بين الصلاتين.
ويُستحب للجُنُب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ، ويكره له النوم إذا لم يتوضأ، كراهية أن تقبض روحه وهو نائم، فلا تشهد الملائكة جنازته، ووضوء الجُنب يرفع الجنابة الغليظة.
وصلاة الاستسقاء صلاة رغبةٍ ورجاء، وصلاة الكسوف صلاة رهبةٍ وخوف، وبقية الصلوات صلاة رجاءٍ وخوف،وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفًا وطمعًا كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ويجوز الوقوف بعرفة راكبًا وماشيًا وقاعداً، والفضل يختلف باختلاف الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجةٍ إليه كعالمٍ يُفتيهم، أو كان يشق عليه ترك الركوب كمريض وقف راكبًا، والنبي ﷺ وقف راكبًا.
وهكذا الحج فمن الناس من يكون حجه راكبًا أفضل، ومنهم من يكون حجه ماشيًا أفضل، والأفضل ما يحضر فيه قلبه.
والحاج يقطع التلبية إذا وصل إلى عرفة، ثم إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبى، وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبى حتى يرمي جمرة العقبة، ولا تُشرع التلبية وقت الوقوف بعرفة ومزدلفة، وإنما تُشرع في السير بينهما.
وليس على المفرد والقارن إلا سعيٌ واحد، أما المتمتع فقد أدى نُسكين بإحرامٍ مستقل، فعليه للعمرة سعي، وعليه للحج سعي.
وإذا كان بين اثنين ما لا يقبل القسمة كحيوان، وطلب الشريك البيع وقسمة الثمن، أُجبر الآخر على ذلك.
وتُشرع الصلاة على الغائب الذي لم يصلى عليه، وبعض الناس يُصلي كل ليلة على جميع من مات من المسلمين،وهذه بدعة لم يفعلها أحدٌ من السلف: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
ومن ميقاته الجحفة كأهل الشام ومصر، إذا مروا على المدينة فالأولى أن يحرموا من ذي الحليفة، ويجوز لهم أن يحرموا من ميقاتهم ويؤخروه فيحرموا من الجحفة التي هي ميقاتهم.
والدم والقيء ونحوهما من النجاسات الخارجة من غير المخرج المعتاد لا تنقض الوضوء ولو كثرت، فإن خرجت من أحد السبيلين نقضت الوضوء.
ويجوز التيمم للخوف من فوات صلاة الجنازة، وفوات صلاة العيد، وفوات الجمعة.
والإمام إذا أخطأ في الصلاة كان خطؤه عليه لا على المأموم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ».
أخرجه البخاري.
فقه الأولويات:
أفضل العبادات في وقت الجهاد، الجهاد في سبيل الله، وإن آل إلى ترك بعض الأوراد والسُنن: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١].
والأفضل وقت الآذان ترك الأوراد، وقراءة القرآن، والاشتغال بإجابة المؤذن؛ لأن إجابة المؤذن عبادةٌ تفوت بفوات الآذان.
والأفضل في أوقات الصلوات الخمس المبادرة إليها،وإيقاعها في أوقاتها على أكمل الوجوه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وقال ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر والدعاء، والاستغفار: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
والأفضل في وقت قراءة القرآن جمع القلب على تدبره وفهمه حتى كأن الله يُخاطبك: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
والأفضل وقت حاجة المحتاج، وضرورة المضطر، الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد والتضرع بالدعاء والذكر والاستغفار.
والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد، لاسيما التكبير والتحميد والتهليل؛ لقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ».
أخرجه البخاري والترمذي.
ومن تنوعت أعماله الصالحة، تنوعت كراماته في الجنة، وارتفعت درجاته.
والأفضل في العشر الأخيرة من رمضان لزوم المسجد فيها، والخلوة، والاعتكاف، والصلاة، والأذكار والإكثار من الدعاء وتلاوة القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ١ - ٥]
وذلك لمداومة النبي ﷺ على ذلك.
والأفضل وقت مرض أخيك المسلم عيادته، وعند موته شهود جنازته، وتعزية أهله.
والأفضل وقت الجهل، وظهور البدع، تعليم الناس أمور دينهم: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
والأفضل وقت حضور الضيف القيام بحقه وإكرامه، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ».
متفقٌ عليه.
والأفضل وقت انتشار الكفر والمعاصي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والدعوة إلى الله لها كل الأوقات ماعدا الفرائض والواجبات: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
والأفضل في كل وقتٍ وحال، إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت، والقيام بواجب ذلك الوقت، وتلك الحال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
اللهم فقهنا في الدين واجعلنا من ورثة سيد المرسلين.
***
مختارات
