الخزانة الرابعة..
مقاصد الحج الكبرى
عاشراً: إتمام الحج والعمرة لله يكون بأمرين:
الأول: معرفة فقه المناسك والأحكام.
الثاني: ومعرفة فقه المقاصد من الأحكام.
فمن اهتم بهذين وجد حلاوة العبادة، وأداها كما وردت شرعًا بالحب والتعظيم والذل لله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الحادي عشر: ومن أعظم مقاصد الحج تحقيق التوحيد والعبادة لله وحده لا شريك له في كل وقت من حياة المسلم،وفي كل عمل: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
فأولًا: الحج مجمعٌ عظيم يجدد فيه الحاج إيمانه وتوحيده، ويؤدي فيه العبادات والأحكام كما جاءت في الشريعة،خاليةً من الأهواء والبدع: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فأول الحج التلبية التي كلها توحيدٌ يُسمعه العبد نفسه، ويُسمعه ربه، ويُسمعه غيره بالجهر به، وليذكر الحاج غيره بالتوحيد، ويَسمعه من غيره، فيقوى توحيد المسلمين، ويزيد إيمانهم، فتتعلق القلوب بالله وحده، ولا تلتفت لأحد سواه في كل أمر، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
والطواف وتكراره حول الكعبة توجيهٌ للمسلم لدوام العبودية، والوقوف بين يدي ربه في كل عبادة بالتعظيم والمحبة والذل لله، وتوحيده بذلك، والطواف حول ما يرضاه ويحبه مولاه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
والوقوف بعرفة تجديد للتوحيد لرب العالمين، وإظهار لكمال التوحيد والعبودية والطاعة لله من جميع الحجاج، وذلك بالإكثار من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وإظهار الافتقار والانكسار بين يدي الله إستدراراً وطلبًا لنزول رحمته ومغفرته على أهل الموقف خاصة، وعلى المسلمين عامة.
الثاني عشر: والإكثار من ذكر الله، وحمده، والثناء عليه، في الحج من أعظم مقاصد الحج التي تُثمر قوة التوحيد، وزيادة الإيمان، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ولهذا أمر الله بتكرره والإكثار من ذكره في كل حال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
ويقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ من أجل ذِكْرِ اللَّهِ».
أخرجه أبو داود.
فكل مناسك الحج وشعائره ومشاعره مكاناً وزماناً للإكثار من ذكر الله، وسقي شجرة الإيمان في القلوب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
الثالث عشر: ومن مقاصد الحج تكبير الله وتعظيمه بالتكبير عند رمي الجمار في منى فالحاج يكرر التلبية والذكر والتكبير لله، وهذا كله إقرار لله بالتوحيد، والتعظيم، والحمد، والشكر، واعتراف من العبد بالذل والفقر والحاجة لله في جميع أوقاته وأموره، فهنيئًا لقلوب التي استشعرت كل هذه المقاصد، وبكت من خشية الله، إجلالًا لله، وحمدًا لله ﷿ على نعمه التي لا تعد ولا تحصى:﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
هنيئًا لهذه القلوب التي أدت هذه العبادة بحضور قلب، ثم عادت إلى بلادها بتوحيدٍ جديد، وإيمانٍ جديد، وتقوى جديدة، وأخلاقٍ جديدة.
الرابع عشر: ومن مقاصد الحج تحقيق كمال الطاعة والإتباع والاقتداء بالرسول ﷺ في نيته وأقواله وأفعاله وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فشهادة أن محمدًا رسول لله طريق العبودية، وهي مقرونةٌ دائمًا بشهادة أن لا إله إلا الله، أصل العبودية: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال النبي ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى،قالوا: ومَنْ يَأْبَى؟ يا رسول الله!، قَال: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى».
متفق عليه.
فالحج إعلانٌ لشهادة التوحيد بركنيها، إفراد الله بالتوحيد، وإفراد الرسول ﷺ بالإتباع، والجمع العظيم الذي جاء مع الرسول ﷺ في حجة الوداع مقصوده توحيد الله، وإعلام الأمة أن جميع أعمال الدين تؤخذ من مصدر واحد عن الله ورسوله كما قال الرسول ﷺ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
أخرجه مسلم.
وقول ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
أخرجه البخاري.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الخامس عشر: ومن مقاصد الحج وهو المقصود الأعظم أن تكون حياتنا بعد الحج كلها حياةٌ نبوية، علميةٌ وعملية،أخلاقيةٌ وسلوكية: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فجميل من الحاج أن يؤدي نُسكه على السنة، وأجمل من ذلك أن يعيش المسلم كل حياته على السنة، وأجمل من هذا وهذا أن يشكر العبد ربه على هذه النعمة العظيمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
فالحج درسٌ كبيرٌ، منصوبٌ للحجاج، ليأخذوا منه منافع لا تعد ولا تحصى.
والحجاج ثلاثة أقسام:
الأول: منهم من يؤدي واجبات الحج، ويتساهل في السنن، رغبة في الأخذ بما يجزي والأخف، وهذا الصنف ينبغي له أن يعرف قيمة السنة، وثوابها ومقاصدها، فإذا كان يترك السنن، لأنها سنة، فالصحابة كانوا يفعلون السنة، لأنها سنة: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وذلك كمن يترك الغُسل للإحرام، وكمن يترك الذهاب إلى مِنى في اليوم الثامن؛ لأنه سنة، ومن يترك التأخر لليوم الثالث من أيام التشريق؛ لأنه سنة لا واجب، رغبةً في التخفيف فالمسلم الحق، والمؤمن الحق، يفعل الواجبات والسنن؛ لأن الله ورسوله أمر بها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: منهم من يؤدي الواجبات والسنن في الحج، ويحرص على تطبيقها وهذا أحسن من الأول، وأتم حجًا وعمرة:﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الثالث: منهم من يؤدي واجبات الحج والعمرة وسننهما أقوالًا وأفعالًا حسب ما جاءت به السنة، ويتجاوز ذلك إلى التشبه و المحاكاة للرسول ﷺ في جميع أحواله كما كان يفعله ابن عمر ﵁: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
السادس عشر: وأركان الإسلام أمارات وعلامات تصل العبد بربه، وتملأ قلبه توحيدًا وإيمانًا وتقوى، وتقود العبد إلى ربه، فيمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه، ويؤديها بالمحبة لله، والتعظيم والذل له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
السابع عشر: من مقاصد الحج: المؤمنون سائرون إلى الله في كل حال، ومن أعظم حقوق الله على عباده توحيده، والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له.
والحج سفرٌ إلى الله، فالسفر هو قصد المكان، والحج حق الله وحده: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فالحاج يجب أن يحج ويعتمر لله وحده، ولا يلتفت لأي وسخ من أوساخ الدنيا وشهواتها، فالحاج يسافر إلى ربه بقلبه وقالبه، وماله ونفسه، ويُسلم قلبه وجوارحه كاملةً إلى مولاه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢]
الثامن عشر: والحج سفرٌ مزدوج الاتجاه:
الأول: سفرٌ بدني: من بلدٍ، إلى بلد ومن مشعر، إلى مشعر ومن مكانٍ إلى مكان، فهذا سفرٌ أرضيٌ أفقي راجلًا أو راكبًا.
والثاني سفرٌ علوي: عمودي سماوي قلبي إلى الله ورسوله توحيدًا وإتباعًا.
فالعبادات كلها انطلاقٌ من الأرض إلى السماء ومسارعةٌ إلى الخيرات، وخروجٌ من الخلق إلى الخالق، ومن الشهوات إلى امتثال أوامر الرب، والإكثار من ذكرهِ، وتكبيرهِ، وحمدهِ، وتسبيحه واستغفاره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وهذا السفر القلبي، لا يتم إلا بالسفر البدني، المُزين بالسنة، مع الصدق والإخلاص، والمحبة لله ولأوامِرِه،وليس كل من قطع المسافة الأرضية قطع المسافة السماوية:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالحج الذي فرضه الله رحلتان:
الأولى: رحلةٌ في الأرض بأداء الشعائر والمناسك في مكة.
الثانية: ورحلةٌ إلى السماء بكمال التوحيد والإيمان، والافتقار والتقوى.
فالحج كله حقٌ لله، فلا يجوز أن يُخرم بشيء يحول دون أتمامه من شهواتٍ ورفثٍ، وفسوقٍ وجدال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
فالتوحيد حق الله، والإيمان بالله حق الله، والعبادة حق الله، والصلاة حق الله، والصوم حق الله، والحج حق الله، وما كان حقًا لله فيجب أداؤه على وجهِ التمامِ والكمال؛ فإن ذلك من علامات التعظيم لمن أمر به: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
فالحج سفرٌ قلبيٌ إلى الله يزيد المؤمن إيمانًا وتقوى، وسفر أرضي بالقالب المُزين بالسنة، يقول ويفعل، ويركع ويسجد، ويقوم ويجلس ويتكلم ويسمع، ويأخذ ويعطي،حسب السنة التي جاء بها محمدٌ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
التاسع عشر: في الحج تذكير للمسلمين بربهم، ووجوب الدعوة إلى الله بين عموم البشرية، لينجو من النار، ويفوزو بالجنة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
العشرون: والله حكيمٌ عليم، له حكمة في كل عبادة قدرًا، ووقتًا، ونوعاً.
فالصلوات الخمس في أوقاتها الخمسة، الله يعلم أنها تكفي العبد إلى الصلاة الأخرى، ليحفظ إيمانه، ويقوى توحيده، وتحسن عبادة ربه، ونقل الإنسان من حالٍ أدنى إلى حالٍ أعلى.
وكذا الصيام شهر في السنة، يكفي المسلم إلى رمضان القادم، ليتطهر من ذنوبه، ويتقي ربه في جميع أيامه ولياليه.
وكذا الحج فرضه الله في العمر مرة، لعلمه سبحانه أنه يكفي المسلم إذا أتمه لله بقلبه وجوارحه أن يزكيه بالتوحيد والإيمانِ والتقوى، ويطهرهُ من الأوساخ والأدناس في عمرِهِ كله كما قال النبي ﷺ: «الحجُّ المبرورُ ليس له جَزاءٌ إلاّ الجنةُ».
متفق عليه.
وقال ﷺ: «مَنْ حَجَّ لله فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
متفق عليه.
وهذا هو الحج المبرور الذي يجدد التوحيد والإيمان، ويحرك الطاقات لامتثال أوامر الله في كل حال، ويسعد به الإنسان في الدنيا والآخرة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
الحادي والعشرون: إتمام العمل لله في كل عبادة، ليكون مقبولًا عند الله لابد فيه من خمسة أمور وهي:
الإيمان بالله، وإخلاص العمل لله في البدءِ، وأثناء العمل، وان يفعله ابتغاء مرضات الله، وأن يفعله كما جاء عن رسول الله مقدارًا وكيفيةً، وأن يستعين على أدائه بالله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فهذه خمسة أصول في كل عملٍ صالح، ليكون مقبولا عند الله ﷿، ومن أتم العمل، أكمل الله له الثواب: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
ومن نظر إلى السماء مرة، وإلى الأرض مرة، أو نظر إلى الخالق مرة، وإلى المخلوقِ مرة، فلن يتم له عمله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله ﷿: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وقال الله ﷿: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وكلما قوي الإيمانُ في القلب، قويت علاقة العبد بربه، ولم يلتفت لأحدٍ سواه، وسعد في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فأنت سائرٌ إلى الله سائرٌ، مع الله، سائرٌ مع رسول الله فأنى تضل وأنى تضيع، وأنى تخسر، وأنى تشقى؟: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب-٧١].
فمن أتم الحج والعمرة لله، أخذ الثواب كاملاً، ولبس تاجًا من الإيمان والتقوى، وامتلأ قلبه بنورٍ يمشي به في الناس حيثُما سار: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
***
مختارات
