الخزانة الأولى..
أولًا: أحكام الزكاة.
الزكاة: لغة هي النماء والزيادة.
وشرعاً الزكاة هي التعبد لله بإخراج حقٍ واجبٍ في مالٍ خلص لطائفةٍ مخصوصة في وقتٍ خاص: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
• حكمة تنوع العبادات:
شرع الله لعباده عباداتٍ متنوعة، في أوقاتٍ مختلفة، منها ما يتعلق بالبدن؛ كالصلاة التي تصل العبد بخالقه، فيكبره، ويحمده، ويسأله، ويستغفره، ويقدم التحية له.
ومنها ما يتعلق ببذل المال المحبوب إلى النفس كالزكاة والصدقة.
ومنها ما يتعلق بالبدن وبذل المال؛ كالحج والجهاد.
ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها وما تشتهيه، كالصيام.
ونوع الله العبادات؛ ليختبر العباد، من يقدم طاعة ربه على هوى نفسه، وليقوم كل واحدٍ بما يسهل عليه ويناسبه من أنواع الطاعات والعبادات: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
• أنواع الزكاة:
الزكاة التي شرعها الله ثلاث أنواع:
الأول: الزكاة الواجبة في الأموال، وتجب في أربعة أموالٍ هي:
الذهب، والفضة، والأوراق المالية.
الثاني: بهيمة الأنعام كالإبل والبقر والغنم.
الثالث: الخارج من الأرض من حبوبٍ وثمارٍ، ومعادن وركاز.
الرابع: عروض التجارة.
الثاني: الزكاة الواجبة في الذمة، وهي زكاة الفطر التي تجب على كل مسلم في نهاية شهر رمضان، وبداية شهر شوال.
الثالث: صدقة التطوع، وهي ما يخرجه المسلم إحسانًا إلى غيره؛ طلبًا لزيادة الأجر من الله.
وتطلق الصدقة على الزكاة؛ لأنها تدل على صدق إيمان مخرجها.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧].
• شروط المال الذي ينفع صاحبه:
المال لا ينفع صاحبه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط:
١ - أن يكون حلالًا.
٢ - ألا يُشغل صاحبه عن طاعة الله ورسوله.
٣ - أن يؤدي حق الله فيه.
• وقت فرض الزكاة:
فُرضت الزكاة في مكة، أما تقدير نصابها، و بيان الأموال التي تُزكى، وبيان مصارفها، فكان في المدينة في السنة الثانية من الهجرة.
• حكم الزكاة:
الزكاة أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإسْلامُ بنيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
متفقٌ عليه.
• حكمة مشروعية الزكاة:
الزكاة لها حكمٌ عظيمةٌ منها:
أولًا: التعبد لله ﷿ بإخراج هذا القدر من المال طاعًة لله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
ثانياً: شكر الله على نعمة المال، بإخراج جزء منه للمستحقين له: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
ثالثًا: ليس الهدف من أخذ الزكاة جمع المال وإنفاقه على الفقراء والمحتاجين فحسب؛ بل الهدف الأول أن يعلوا الإسلام بالإنسان عن المال؛ ليكون الإنسان سيدًا له، لا عبدًا له، ومن هنا جاءت الزكاة لتُزكي المعطي والآخذ،وتطهرهما من التعلق بغير الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
رابعًا: الزكاة وإن كانت في ظاهرها نقص من كمية المال؛ لكن آثارها زيادة المال بركة، وزيادة المال كمية، وزيادة الإيمان في قلب صاحبه، وزيادة في خلقه الكريم، وزيادة في ثوابه، فهي بذل وعطاء، وبذل محبوب إلى النفس من أجل محبوبٍ أعلى منه، وهو إرضاء الكريم سبحانه، والفوز بجنته:﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
خامسًا: الزكاة تكفر الخطايا، وهي سببٌ لدخول الجنة،والنجاة من النار: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
سادسًا: الزكاة فيها تطهير للنفس من رذيلة الشح والبخل، وهي جسر قوي يربط بين الأغنياء والفقراء؛ لتصفو النفوس، وتطيب القلوب، وتنشرح الصدور، وينعم الجميع بالأمن والمحبة والإخوة والطمأنينة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
سابعًا: الزكاة تزيد في حسنات مؤديها، وتقي المال من الآفات، وتثمره وتنميه وتزيده، وتسد حاجة الفقراء والمساكين، وتمنع الجرائم المالية كالسرقات والنهب والسطو، لما فيها من إغناء الفقراء والمساكين والمحتاجين: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
• فقه الزكاة:
الدين ركنان، عبادة الحق، والإحسان إلى الخلق.
والزكاة نصيب مقدر شرعًا، من مالٍ مخصوص، لطائفة مخصوصة.
والزكاة ركنٌ من أركان الإسلام، وعبادةٌ من العبادات التي يحبها الله ﷿، يطهر بها الإنسان نفسه من البخل والشح والرذيلة، ويطهر بها صحائف كتابه من الخطايا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وأفضل الصدقات الزكاة؛ فالدرهم تخرجه من الزكاة أفضل من درهمٍ تخرجه تطوعًا؛ لأن الفرائض أفضل من التطوع كما قال الله ﷿ في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُه عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ».
أخرجه البخاري.
وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق؛ فيكون صاحبها من المحسنين الذين يحبهم الله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣].
وفي الزكاة تأليفٌ بين قلوب الفقراء والأغنياء؛ لأن الفقير إذا أخذ من الزكاة ذهب من نفسه الحقد على الغني.
وفي الزكاة إغناءٌ للفقراء عن التسلط؛ وحماية للأغنياء من السطو، لأن الفقير إذا لم يجد شيئًا يأكله تسلط على الناس بالسرقة والنهب والغصب.
وفي إخراج الزكاة جلبٌ للخيرات من السماء كما قال النبي ﷺ: «ما مْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ».
أخرجه ابن ماجة بسند صحيح.
وفي الزكاة إعانة للمجاهدين في سبيل الله.
وفي الزكاة تحرير الرقيق من الرق؛ فيشتريه من الزكاة ثم يعتقه.
وفي الزكاة فك الذمم من الديون، ورد الحق لمن له الحق.
وفي الزكاة إعانة المسافرين الذين تنقطع بهم السبل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
وفي الزكاة تكميل إسلام العبد؛ لأنها أحد أركان الإسلام، وهي أفضل وأحب إلى الله من الصدقة، وأن المسلم يخرج بها من دائرة البخلاء إلى دائرة الكرماء؛ لأنها بذل مال محبوب إلى النفس إلى الغير.
وفيها مضاعفة الحسنات؛ لأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله تضاعف لهم بسبعمائة حسنة، كما قال سبحانه:﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وفي الزكاة جبرٌ لقلوب الفقراء، ودفعًا لحاجتهم، وكسب مودتهم.
وفي إخراج الزكاة شرح للصدر، ولذةٌ للقلب، بفعل الخير:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
والزكاة والصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء، كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة.
والزكاة والصدقات تمحو الذنوب، وترفع الدرجات، وتلين القلب عندما يعطيها الغني للفقراء والمحتاجين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والصدقة والزكاة سببٌ لرحمة الله للعبد؛ وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
والزكاة تطهر العبد من الذنوب، والمال من الحرام، والنفس من الأخلاق الرذيلة، وتربي أخلاق الأغنياء بالفضائل:﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
• صفة إعطاء الزكاة والصدقات:
إخفاء الصدقة والزكاة الأصل فيه الإسرار، والإسرار أقرب إلى الإخلاص، وأحب إلى الفقير، وأستر له.
والإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء أحيانًا، والإسرار بصدقة التطوع أفضل، والأمر يختلف باختلاف الأحوال.
والأصل الإسرار، وإن أظهرها؛ ليُقتدى به، وينال أجر من اقتدى به، كتب الله له ذلك، وأفضل الأيدي اليد المنفقة، ثم اليد المتعففة عن السؤال، ثم اليد الآخذه بغير سؤال، وأسفل الأيدي اليد السائلة، واليد المانعة: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].
• حكم زكاة الدين:
الدين له ثلاث حالات:
الأولى: إذا كان الدين على ملي باذل، تجب فيه الزكاة عن كل سنة.
الثانية: الدين إذا كان على معسرٍ أو ملي مماطل، تجب فيه زكاة سنة إذا قبضه، كالثمرة إذا وجدت زكاها مرة واحدة، وكذلك الأموال المسروقة والمغصوبة والمنتهبة والمختلسة والمفقودة ونحوها إذا وصلت إلى صاحبها زكاها مرًة واحدة بحولٍ جديد.
الثالثة: الديون المؤجلة تجب فيها الزكاة كسائر الأموال؛ فإن كانت على ملي زكاها كل سنة، وإن كانت على معسرٍ أو مماطل زكاها مرًة واحدة إذا قبضها؛ لأن التأجيل إنما كان باختيار صاحب المال، وقد يكون فيه مقابل فائدة من المدين كما يحصل الآن في بيع التقسيط.
وكل مالٍ محرم لا تجب فيه الزكاة، عقوبًة لمن أخذه، ولأن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا.
أحكام الزكاة
• من يملك المال:
نظام المال في الإسلام يقوم على أساس الاعتراف بأن الله وحده هو المالك الأصيل للمال، وصاحب المال مستخلفٌ فيه، ولله سبحانه وحده الحق في تنظيم قضية التملك، وإيجاب الحقوق في المال، وتحديدها وتقديرها، وبيان مصارفها، وطرق اكتسابها، وطرق الانتفاع بها: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧]
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].
• مقادير الزكاة:
جعل الله قدر الزكاة على حسب التعب في المال الذي تُخرج منه.
فأوجب في الركاز؛ وهو ما وجد من دفن الجاهلية بلا تعب الخمس، عشرين بالمائة، ٢٠%.
وما فيه التعب من طرف واحد، وهو ما سقي من الزرع بلا مئونة نصف الخمس؛ أي العُشر، عشرة بالمائة.
وما فيه التعب من طرفين البذر والسقي، وهو ما سُقي بمئونة ربع الخمس، أي نصف العشر، خمسة بالمائة.
وفيما يكثُر فيه التعب والتقليب طول العام كالنقود، وعروض التجارة ثمن الخمس؛ أي ربع العُشر، أي اثنين ونصف بالمائة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ١ - ٤].
• فضل أداء الزكاة:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
• شروط الزكاة:
تجب الزكاة في مال الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والعاقل والمجنون، إذا كان المال مستقرًا، وبلغ النصاب، وحال عليه الحول، وكان المالك مسلمًا حرًا؛ لأن أداء الزكاة عبادة من العبادات، فلا تصح إلا من مسلم.
ونتاج السائمة، وربح التجارة، حولهما حول أصلهما إن كان نصابًا، والمعتبر في حولان الحول التاريخ الهجري.
والكافر لا تجب عليه الزكاة، وكذا سائر العبادات، ولكنه يحاسب عليها يوم القيامة؛ أما في الدنيا فلا يلزم بها، ولا تقبل منه، حتى يسلم، لأنها عبادة فلا تصح من كافر: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• ما لا يشترط له الحول:
١ - الخارج من الأرض.
٢ - ونتاج السائمة.
٣ - وربح التجارة.
فهذه تجب فيها الزكاة إذا بلغت النصاب، ولا يُشترط لها تمام الحول.
أما الركاز فتجب الزكاة في قليله وكثيره، ولا يُشترط له نصابٌ ولا حول.
• زكاة الأموال العامة:
المال العام: هو ما رُصد للنفع العام دون أن يكون مملوكًا لشخص معين أو جهةٍ معينة؛ كأموال الحكومة، وأموال الجهات الخيرية كجمعية البر وجمعية تحفيظ القرآن، وغيرها من جهات البر والإحسان، والأوقاف، والوصايا التي تكون على جهات عامة كالفقراء، وطلاب العلم، والمساجد ونحوها.
فهذه الأموال العامة لا تجب فيها الزكاة؛ لأن من شروط الزكاة أن يكون المال مملوكًا ملكًا تامًا لشخصٍ معين، وإذا استُثمرت هذه الأموال بالبيع والشراء، فلا تجب فيها الزكاة.
• هل تجب الزكاة على من عليه دين؟.
الزكاة واجبةٌ مطلقا، ولو كان المزكي عليه دين يُنقص النصاب إلا دينًا وجب قبل حلول الزكاة، فيجب أداؤه، ثم يزكي ما بقي بعده، وبذلك تبرأ ذمته.
• الأموال التي تُخرج منها الزكاة:
تجب الزكاة في عين المال: الحَب من الحَب، والشاة من الغنم، والجمل من الإبل، والبقرة من البقر، والنقود من النقود وهكذا، وهذا هو الأصل، ولا يُعدل عن ذلك إلا لحاجةٍ ومصلحة.
• الأموال التي لا تجب فيها الزكاة:
ما أُعد من الأموال للقُنية و الاستعمال فلا زكاة فيه، كدور السكنى، والثياب، وأثاث المنزل، والدواب والسيارات ونحوها.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ».
متفق عليه.
• أحكام الزكاة:
١ - إذا اجتمع عند الإنسان نقودٌ تبلغ النصاب، وحال عليها الحول، ففيها الزكاة، سواء أعدها للنفقة، أو الزواج، أو شراء عقار، أو لقضاء دين أو غير ذلك.
٢ - وإذا مات من عليه الزكاة ولم يخرجها أخرجها الوارث من التركة قبل الوصية وقسمة التركة.
٣ - وإذا نقص النصاب في بعض الحول أو باعه لا فرار من الزكاة انقطع الحول، وإن أبدله بجنسه بنى على حوله.
٤ - وإذا مات المسلم وعليه زكاةٌ ودين، وخلف مالًا لا يفئ بهما أخرج الزكاة؛ لأن الزكاة حق الله الذي أوجبه لأهل الزكاة، والله أحق بالوفاء، ثم سعى في قضاء الدين.
• قوة الزكاة:
كل شيء له قوة، وقوة الزكاة الزيادة والنماء والبركة، فكل شيء زاد عددًا، أو نما حجمًا، أو تبارك سعة، فقد زكى.
والزكاة وإن كانت في ظاهرها نقصٌ كمية المال؛ لكن آثارها المحسوسة، زيادة المال بركًة وكثرًة وكميًة؛ فقد يفتح الله للعبد من أبواب الرزق ما لا يخطر بباله إذا قام بما أوجب الله عليه من إخراج الزكاة والصدقات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وفي الزكاة زيادات أخرى، وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، وهي كذلك تزيد في خلق الإنسان بزيادة بذلٍ وعطاء، والبذل والعطاء والكرم من الأخلاق التي تزيد قيمة المؤمن عند الله، وعند الناس.
والإنفاق سواء كان واجبًا كالزكاة، أو تطوعًا كالصدقة، يزيد في انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، والزكاة سببٌ لرفعة الدرجات، ومضاعفة الحسنات، وتبديل السيئات بالحسنات، ودخول الجنة: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يتَصَدَّقَ أحدٌ بتَمْرَةٍ إلَّا أَخَذَهَا الله بِيَمِينِهِ فيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أو قلوصه حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ أو أعظم».
متفقٌ عليه.
***
مختارات
