الخزانة الرابعة..
زيارة القبور
• حكمة زيارة القبور:
الدنيا دار الأحياء، والمقابر دار الأموات، ومن فضل الله ﷿أن جعل صلة المسلم بأخيه مستمرة في الحياة وبعد الموت:﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والمقصود من زيارة القبور ثلاثة أمور:
الأول: انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى، برؤية الجنائز والقبور، وأن يتذكر أن مآله ومآلهم إما إلى الجنة أو النار، وهذا من أعظم مقاصد الزيارة.
عن بريد الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا».
متفق عليه.
الثاني: نفع الميت، والإحسان إليه بالسلام عليه، والدعاء له، والاستغفار له، وهذا خاص بالميت المسلم.
عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ،فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ».
أخرجه مسلم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه بإتباع السنة الشرعية، والتعبد لله في زيارة القبور، وكسب الأجور: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• حكم زيارة القبور:
تسن زيارة القبور للرجال، لأنها تذكر بالآخرة والموت.
وزيارة الأموات تكون للاعتبار والاتعاظ، والسلام عليهم، والدعاء لهم، لا للدعاء عند قبورهم، أو التبرك بهم، أو بتراب قبورهم، فذلك كله من وسائل الشرك، ويشرع للمسلم أن يفاوت في الزيارة للقبور، فلا يتخذ القبور أعيادًا، ولا يتخذ لنفسه يومًا معينًا لا يزور القبور إلا فيه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ».
أخرجه أبو داود وأحمد.
• حكم زيارة قبور المشركين:
تجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط، ولا يدعو له، ولا يستغفر له.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي».
أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».
أخرجه مسلم.
• حكم زيارة النساء للقبور:
زيارة المرأة للقبور من كبائر الذنوب.
عن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ».
أخرجه الترمذي وابن ماجه بسند حسن.
وإذا مرت المرأة بالمقبرة بدون قصد الزيارة فيسن أن تسلم على أهل القبور، وتدعو لهم بما ورد من غير أن تدخلها، كما أوصى النبي ﷺ عائشة بذلك.
عن عائشة ﵂ لما خرج رسول الله ﷺ من عندها ليلًا لزيارة أهل البقيع قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال:«قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».
أخرجه مسلم.
فيسن للنساء إذا مررن بالقبور من دون قصد الزيارة أن يسلمن على الأموات ولا يدخلن المقبرة، لأنهن ممنوعات من الدخول لا المرور، لأنهن غالبًا يجري منهن ما ينافي الصبر الواجب، ولديهن من الرقة والضعف، وعدم التحمل، ما يجدد لهن الحزن والبكاء وذكر المصيبة، ولما يخشى أن تجر زيارتهن للقبور إلى أن يأتين من الأقوال والأفعال ما يخرجن به إلى فعل المحرم من ندب ونياحة وصياح، ولطم للخدود، وشق للجيوب، لقلة صبرهن، وقوة جزعهن، ورقة قلوبهن.
عن أم عطية ﵂ قالت: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا».
متفق عليه.
• صفة زيارة القبور:
زوار القبور أربعة أصناف:
الصنف الأول: أن يدعو الله للأموات، ويستغفر لهم، ويعتبر بحال الموتى، وتذكر الآخرة، فهذه زيارة شرعية فيها أجر وثواب واعتبار وإتباع.
الثاني: أن يدعو الله تعالى لنفسه، ولغيره، عند القبور، معتقد أن الدعاء عند القبور أفضل من المساجد، فهذه بدعة منكرة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
الثالث: أن إلى الله تعالى متوسلًا بجاه أو حق فلان الميت،كأن يقول: أسألك يا ربي بجاه فلان، فهذا محرم، لأنه وسيلة إلى الشرك: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الرابع: ألا يدعو الله تعالى، بل يدعو أصحاب القبور، كأن يقول: يا نبي الله، يا ولي الله، يا فلان أعطني كذا، أو اشفني ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر، لأن من دعا غير الله فقد أشرك: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
والمقابر محل العظة والاعتبار، فلا يجوز التعرض لها، لا بتشجير، ولا تبليط، ولا إنارة، ولا بأي شيء من أنواع التجميل.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
• ما يقال عند زيارة القبور:
يسن للمسلم إذا دخل المقبرة أن يسلم على الأموات قائلًا:«السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».
أخرجه مسلم.
أو يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بكم لَلَاحِقُونَ».
أخرجه مسلم.
أو يقول: «السَّلامُ عَلَيكُمْ أَهْل الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ».
أخرجه مسلم.
يفعل هذا مرة، وهذا مرة، إحياءً للسنة المشروعة، نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة.
• حكم المشي بين القبور بالنعال:
يسن للمسلم المشي حافيًا بين القبور، لما فيه من التواضع، واحترام أموات المسلمين، ويكره المشي بالنعال بين القبور، ما لم يكن هناك عذر يمنعه من خلع نعليه، كشدة حرارة الأرض، أو وجود شوك يؤذيه، وأما المشي في ساحة المقبرة بالنعال فجائز.
• حكم دعاء الأموات:
يحرم على جميع الأحياء دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وسؤالهم قضاء الحاجات، وكشف الكربات، والطواف على قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم، والذبح عند القبور، واتخاذها مساجد، وكل ذلك من الشرك الذي توعد الله صاحبه بالنار: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا».
متفق عليه.
والسنة لزائر القبور أن يكون حال الزيارة قائمًا، فيسلم ويدعو وهو قائم.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ: «جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ».
أخرجه مسلم.
• ما يحرم فعله عند القبور:
أولًا: يحرم الذبح والنحر عند القبر، فإن كان الذبح لله فهو بدعة منكرة، والذبيحة حلال، وإن كان الذبح للميت فهو شرك أكبر، وأكل المذبوح حرام وفسق، لأنه لم يذكر اسم الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا عُقْرَ فِي الإِسْلامِ».
قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.
أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح.
ثانيًا: يحرم البناء على القبور وصبغها والكتابة عليها، والجلوس عليها، والصلاة عندها، والصلاة إليها، وإيقاظ السرج والمصابيح عليها.
عن جابر ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ».
أخرجه مسلم.
وعن أبي مرتد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا».
أخرجه مسلم.
وعن جابر ﵁ قال: «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَأَنْ تُوطَأَ».
أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح.
ثالثًا: لا يجوز تشجير المقابر لما فيه من التشبه بالنصارى، ولأنه ذريعة إلى الغلو والتبرك بأهل القبور.
رابعًا: يحرم دعاء الميت، والاستغاثة به، وسؤاله قضاء الحاجات ونحو ذلك، وكل ذلك من الشرك الذي حرمه الله،ونهى عنه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
خامسًا: اتخاذ القبور عيدًا يسافر إليها، وتقصد في أوقات معينة، ومواسم معروفة للتعبد عندها، والذبح لأهلها، ونحو ذلك، كل ذلك محرم لا يجوز.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:».
لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ».
أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح.
• حكم قراءة القرآن عند القبور:
المقابر ليست موضعاً للقراءة، وإنما هي للسلام على الأموات، والدعاء لهم، والاتعاظ بالموت والأموات، وتذكر الآخرة، وقد علمنا النبي ﷺ ما نقول ونفعل عند زيارة القبور، وكل ما سوى ذلك فهو بدعة مردودة على من أحدثها، ويحمل وزرها، وأوزار من اتبعه عليها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
• حكم سب الأموات:
لا يجوز سب أموات المسلمين، لأنهم أفضوا إلى ما قدموا، ولأن سب الأموات يؤذي أهلهم الأحياء، وسب الأموات يجري مجرى الغيبة، وهو محرم، أما الأموات الكفار والمبتدعة والفساق، فيجوز ذكر مساوئهم للتحذير منهم، والتنفير من أعمالهم ونحو ذلك مما فيه مصلحة شرعية، لئلا يُقتدى بهم، وينبغي إذا سب هؤلاء ألا يسب الميت في حضرة أقاربه، لئلا يتأذوا، ولئلا يعرض نفسه للسب أيضًا.
عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: «لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا».
أخرجه البخاري.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَجَبَتْ».
ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ».
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ».
متفق عليه.
• حكم الاستغاثة بالأموات:
الميت لا يُطلب منه شيء لأنه ميت لا يقدر على شيء:﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥].
فلا يجوز لأحد أن يستغيث بالأموات وبالغائبين، كأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو اشفني، أو أنصرني، ونحو ذلك، وهذا كله من الشرك الأكبر: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
والمستغيثون بالأموات عند القبور وغيرها هم من جنس عباد الأوثان، والشيطان يضلهم ويغويهم ويزين لهم، ويتصور لهم بصورة المستغاث به، ويخاطبهم مكاشفة، ويقضي بعض حوائجهم، كما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلم عابديها، وتقضي بعض حاجاتهم، وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان والأصنام.
والكهان والسحرة تقترن بهم الشياطين، لما فيهم من الكفر والفسق والعصيان، وتظهر منهم الأحوال الشيطانية وتقوى بذلك، فيطيرون في الهواء، ويأتون بالأموال والطعام، ويحدثون بأوامر غائبة، ولهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضي الشيطان:﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
***
مختارات
