الخزانة الأولى..
• كتاب الجنائز يشتمل على ما يلي:
الموت وأحكامه، فضائل الصبر، غسل الميت، تكفين الميت، صفة الصلاة على الميت، حمل الميت ودفنه، التعزية، زيارة القبور.
• الموت وأحكامه:
• أجل الموت:
الموت هو مفارقة الحياة بخروج الروح من البدن من إنسان أو حيوان، والبقاء لله وحده، وقد كتب الله الموت والفناء على كل مخلوق، ولا مفر لأحد منه، فالإنسان مهما طال أجله فلابد أن يموت، وينتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، والقبر أول منازل الآخرة، وهو إما روضة من رياض الجنة،أو حفرة من حفر النار: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
• أحوال الإنسان:
الإنسان يركب طبقًا بعد طبق، ويتحول من حال إلى حال، سواء كان في الزمان، أو المكان، أو الأبدان، أو القلوب.
أولاً: أحوال الزمان: تتقلب على الإنسان من أمن إلى خوف، ومن صحة إلى سقم، ومن سلم إلى حرب، ومن غنى إلى فقر، ومن فرح إلى حزن، ومن حياة إلى موت، ونحو ذلك من التقلبات، ليتعبد المسلم لربه في كل حال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
ثانياً: أحوال المكان: ينتقل الإنسان فيها كل يوم من منزل إلى منزل، ومن مكان إلى مكان، من بطن الأم إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبر، ومن القبر إلى الحشر، إلى أن تنتهي به المنازل بدار القرار في الجنة أو النار.
ثالثًا: أحوال الأبدان: يركب الإنسان فيها طبقًا عن طبق، فيكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم طفلًا، ثم شابًّا، ثم هرمًا، ثم يموت: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٦ - ١٩].
رابعًا: أحوال القلوب عجيبة: تارة تتعلق بالله، وتارة تتعلق بالدنيا، وتارة تتعلق بالأموال، وتارة تتعلق بالرئاسة، وتارة تتعلق بالنساء والقصور ونحو ذلك من التعلقات.
وأعظم تعلقات القلب، أن يكون معلقًا بالله ﷿، مؤثرًا مرضاة ربه في كل شيء، فيستخدم النفس والمال والدنيا من أجل تحقيق العبودية لله تعالى، وتقديم مراد الله على مراد نفسه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وهذه أعظم الأحوال الأربعة، فعلى الإنسان أن يتفقد قلبه، ليحفظه من التعلق بغير الله، ويزكيه، ويشتغل بذكر الله، وطاعته، وعبادته، والدعوة إليه، والإحسان إلى خلقه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
• ما يفعله من أصابه مرض مخوف:
يجب على المريض أن يؤمن بقضاء الله، ويصبر على قدره، ويحسن الظن بربه، ولا يتمنى الموت، ويطلب الشفا من الله وحده، وأن يؤدي حقوق الله تعالى، وحقوق الناس، وأن يكتب وصيته.
ويسن أن يوصي إن كان موسرا لأقاربه الذين لا يرثونه بالثلث فأقل، وهو الأفضل، وأن يتدواى بمباح، وأن يتداوى المريض عند طبيب مسلم لا كافر، إلا إذا احتاج إليه وأمن مكره.
وتسن عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية، والسنة أن يشكو المريض حاله إلى ربه، وله أن يصف حاله لغيره على وجه الإخبار لا على وجه التسخط: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦].
والنعم والمصائب وسائل تذكير، وإنذار للعباد، وهذا بجهله أكثر الخلق: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
• حكم التداوي:
التداوي من المرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
الأول: التداوي الواجب، وذلك إذا علم الإنسان أو ظن بقول الأطباء أن هذا التداوي نافع، وتركه يؤدي إلى الهلاك:﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
الثاني: التداوي المستحب: وذلك إذا علم أو ظن أن التداوي نافع، وتركه لا يؤدي إلى الهلاك، لأن ذلك أنشط له على أداء حقوق الله، وحقوق عباده.
الثالث: أن يتساوى الأمران: فلا يعلم نفعه، ولا عدم نفعه، فهذا مباح: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
• ما يقوله من حضره الموت:
عن عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَيَّ ظَهْرَهُ، يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعلى».
متفق عليه.
• حكم تمني الموت:
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
متفق عليه.
• صفة الاستعداد للموت:
يجب على المسلم أن يستعد للموت، ويكثر من ذكره، والاستعداد للموت يكون بالتوبة من المعاصي، وإيثار الآخرة، والخروج من المظالم، والإقبال على الله بالطاعات، واجتناب المحرمات،وحفظ الأوقات بالأعمال الصالحة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦].
• حكم تلقين من حضرته الوفاة:
من حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويسن لمن شهد من حضرته الوفاة أن يلقنه الشهادة، فيذكره بقول: لا إله إلا الله، وأن يدعو له، ولا يقول في حضوره إلا خيرًا، أما تلقينه بعد الموت أو بعد دفنه فبدعة لعدم ثبوته شرعاً، ولا بأس أن يحضر المسلم وفاة الكافر، ليعرض عليه الإسلام ويقول له: قل لا إله إلا الله.
• علامات حسن الخاتمة:
لحسن الخاتمة علامات أهمها:
أولًا: نطق الميت بالشهادة عند الموت.
ثانيًا: موت المؤمن بعرق الجبين.
ثالثًا: الاستشهاد، أو الموت في سبيل الله.
رابعًا: الموت مرابطًا في سبيل الله.
خامسًا: الموت دفاعًا عن نفسه أو ماله أو أهله.
سادسًا: الموت بذات الجنب، أو بداء السل.
سابعًا: الموت بالطاعون أو بداء البطن، أو الغرق، أو الحرق، أو الهدم.
ثامنًا: موت المرأة في نفاسها بسبب الولادة ونحو ذلك.
تاسعًا: الموت وهو يؤدي عملًا صالحًا من ذكر أو صلاة، أو دعوة، أو تعليم، ونحو ذلك من أنواع الإحسان، وكل ذلك ثابت في الأحاديث النبوية الصحيحة، وليس للموت يوم الجمعة، أو يوم الاثنين مزية على ما سواه من الأيام، بل الموت في كل الأيام على حد سواء، وقد مات سيد الخلق يوم الاثنين من شهر ربيع الأول.
• فقه الموت:
يجب على المسلم أن يتذكر دائمًا الموت، لا على أنه فراق للأهل والأحباب ولذات الدنيا، فهذه نظرة قاصرة، بل على أن الموت فيه فراق للعمل والحرث للآخرة، وبهذا يستعد ويزيد في عمل الآخرة، والإقبال على الله تعالى، أما النظرة الأولى: فتزيده حسرة وندمًا وألمًا، وإذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له فيها حاجة، ويجب على المسلم أن يحسن الظن بالله تعالى عند الموت، لقول ﷺ: «لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ﷿».
أخرجه مسلم.
• علامات الموت:
ويعرف موت الإنسان بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه، وشخوص بصره، وبرودته، وانقطاع نفسه.
• مكان وزمان الموت:
لا يعلم بمكان وزمان موت الإنسان إلا الله وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤].
ولا مفر لمخلوق من الموت: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
• ما يفعل بالمسلم إذا مات:
إذا مات المسلم يسن تغميض عينيه، ويدعو له عند تغميضه بقوله: «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِفُلانٍ، وارْفَعْ دَرَجَتهُ فِي المَهْدِيِّيْنَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ، واخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِريْنَ، واغْفِرْ لَنَا ولَهُ يَا رَبَّ العَالَمِيْن».
أخرجه مسلم.
ثم يشد لحييه بعصابة، ويلين مفاصله برفق، ويرفعه من الأرض، ويخلع ثيابه، ويستره بثوب يستر جميع بدنه، ثم يغسله، وعلى أوليائه المبادرة بقضاء دينه، وتنفيذ وصيته، وإسراع تجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه في البلد الذي مات فيه، ويجوز لمن حضره ولغيره كشف وجه الميت، وتقبيله، والبكاء عليه، ويجب قضاء حقوق الله تعالى عن الميت إن كانت كالزكاة والنذر والكفارة، وحجة الإسلام، وتقدم على حقوق الورثة في التركة لأن دين الله حق بالوفاة، وتقدم كذلك على الديون التي للناس، فالله أحق بالوفاء، ونفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضي عنه دَينه.
• ما يجب على زوجة الميت:
يجب على زوجة الميت أن تحد على زوجها إذا مات أربعة أشهر وعشرة ايام، ويجوز للمرأة أن تحد على وفاة ولدها أو غيره من أقاربها ثلاثة أيام: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤].
• حكم النياحة على الميت:
يحرم على أقارب الميت وغيرهم النياحة على الميت، وهي أمر زائد على البكاء، والميت يعذب في قبره بما نيح عليه ممن أوصى بذلك.
ويحرم عند المصيبة لطم الخدود، وشق الجيوب، وحلق ونشر الشعر: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
• حكم النعي:
النعي: هو الإخبار بموت الإنسان، والنعي على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يُعلم أقارب الميت وأصدقاءه وجيرانه بموته، لكي يجتمعوا على تغسيله، والصلاة عليه، والدعاء له، ودفنه، فهذا من النعي المشروع.
الثاني: أن يُبعث من ينادي في الناس، أن فلان قد مات، فاشهدوا جنازته، ومن ذلك ما يحصل في وسائل الإعلام المختلفة، بالإخبار بموت فلان، فهذا إن كان لمصلحة الميت لتشهد جنازته، ويصلى عليه، ومن له دين على هذا الميت يأتي ليأخذ حقه، فهذا جائز لما فيه من مصلحة الميت،وإبراء ذمته: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
الثالث: أن يكون النعي شبيهًا بنعي الجاهلية بذكر محاسن الميت، والصياح والنياحة، فهذا نعي مذموم منهي عنه:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• ما يقوله ويفعله المصاب عند المصيبة:
يجب على من أصابته مصيبة من أقارب الميت وغيرهم، إذا علموا بموته الصبر، ويسن لهم الرضا بالقدر، والاحتساب، والاسترجاع.
والصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن المحرم، كلطم الخد، وشق الثوب ونحو ذلك.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول:».
مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا».
أخرجه مسلم.
وعن أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ، يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
أخرجه البخاري.
• حكم تشريح جثة الميت:
يجوز تشريح جثة المسلم إن كان الغرض منها التحقق من دعوى جنائية، أو التحقق من أمراض وبائية، لما في ذلك من المصالح التي تعود على الأمن والعدل، ووقاية الأمة من الأمراض الخطيرة المعدية، وإن كان التشريح لغرض التعلم والتعليم، فالمسلم له كرامته حيًّا وميّتًا، فيكتفي بتشريح جثث غير المسلمين إذا لزم الأمر.
• فضائل الصبر على المصائب:
أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المؤمن على حسب دينه، فمن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، ومن كان بلاؤه أكثر وأشد فثوابه أعظم، وإنما كان الأنبياء والصالحون أشد بلاء، لأنهم لو لم يبتلوا لتوهم الناس فيهم الإلوهية، وليهون على الناس الصبر على البلية، ولأن من كان أشد بلاءً كان أشد تضرعًا إلى ربه، ومن كان أقرب إلى ربه كان بلاؤه أشد، ليكون ثوابه أعظم، وأكبر، وأكثر، وأكمل أجراً: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
والصبر من أعظم ثمار الإيمان؛ لأنه شاق على النفوس لما فيه من مجاهدة النفس، وحبسها عما تريد، ولهذا كان الصبر ضياء، وما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن الرسول ﷺ قال:«مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبِ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍ، وَلا حَزَنٍ وَلا غَمٍّ، وَلا أَذًى، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا من خَطَايَاه».
متفق عليه.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لعَبدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلاَّ الجَنَّةَ» أخرجه البخاري.
وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى العبدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي وابن ماجة بسند صحيح.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي بسند صحيح.
• فضائل الصبر:
المؤمن يسأل ربه العافية، ولا يسأله البلاء، فإذا نزل به البلاء صبر عليه، واحتسب الأجر عليه من ربه، ومن صبر ودرب نفسه على الصبر، صبَّره الله وأعانه، ورضي عنه وأرضاه، والرضا أفضل من الصبر، وشكر الله وحمده أفضل المقامات: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل/ ١٢٧ - ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وعن ابي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ».
متفق عليه.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ».
، فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجَلْ، ثُمَّ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ لَهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» متفق عليه.
ومن أراد الله به خيرًا أصابه بالمصائب التي تذكره بربه، وتذكره بالموت، وتذكره بالتوبة، ويرفع الله بها درجاته، ويكفر بها عنه سيئاته، ويزيد ثوابه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ «أخرجه البخاري.
وأمر المؤمن كله خير في السراء والضراء، كرامة له من ربه، وموعظة له.
عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ».
أخرجه مسلم.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا».
أخرجه مسلم.
عن أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ النَّاسِ مُسْلِمٌ إذا توفى له ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُم».
أخرجه البخاري.
• أنواع الصبر المشروع:
الصبر المشروع ثلاثة أنواع:
الأول: صبر على الطاعات.
الثاني: صبر عن المعاصي.
الثالث: صبر على أقدار الله المؤلمة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
ومن صبر على هذه الثلاثة ابتغاء وجه الله، هو الصابر حقًّا،ومن استكمل شروط الصبر نال الثواب العظيم من ربه الكريم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وشروط الصبر الذي ينفع صاحبه ثلاثة:
الأول: إخلاص الصبر لله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾ [الرعد: ٢٢].
الثاني: عدم شكوى حاله للناس، بل يشكو حاله إلى ربه وحده، لأن قضاء الحاجات بيده وحده كما قال يعقوب:﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦].
الثالث: أن يكون الصبر في أوانه، لا بعد انتهاء زمانه.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى».
متفق عليه.
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
***
مختارات
