الخزانة الثانية..
• حكم الصلوات الخمس:
تجب الصلوات الخمس في اليوم والليلة، على كل مسلمٍ مكلف، ذكرًا كان أو أنثى إلا حائضًا ونفسًا حتى تطهرًا.
والصلوات الخمس هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الإِسْلامُ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَيامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ».
مُتَفَقٌ عَلَيْه.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ،فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ».
مُتَفَقٌ عَلَيْه.
• علامات البلوغ:
المسلم المكلف هو البالغ العاقل.
وعلامات البلوغ ثلاثة أقسام:
الأول: مشتركٌ بين الرجل والمرأة، وهو إتمام خمس عشرة سنة، ونبات شعر العانة، وإنزال المني.
الثاني: خاصٌ بالرجال فقط، وهو نبات شعر اللحية، والشارب.
الثالث: خاصٌ بالنساء فقط، وهو الحمل، والحيض.
ويؤمر الصغير بالصلاة إذا تم له سبع سنين، ويضرب عليها إذا تم له عشر سنين.
• أهمية الصلاة:
الصلاة صلةٌ بين العبد وربه، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ وُجِدَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تَامَّةً،وَإِنْ كَانَ انْتُقِصَ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ يُكَمِّلُ لَهُ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَةٍ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ سَائِرُ الْأَعْمَالِ تَجْرِي عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ».
أخرجه النسائي وابن ماجه بسندٍ صحيح (١).
• عدد الصلوات المفروضة:
فرض الله ﷿ الصلاة ليلة الإسراء على رسوله ﷺ بدون واسطة قبل الهجرة بسنة، وفرضها الله سبحانه خمسين صلاة في اليوم والليلة على كل مسلمٍ ومسلمة، وهذا يدل على أهميتها، وعلى محبة الله لها، وعلى حاجة الإنسان إليها، ثم خففها الله فجعلها خمسًا بالعمل، وخمسين بالأجر، فضلً منه ورحمة.
والصلوات المفروضة في اليوم والليلة على كل مسلمٍ ومسلمة خمس صلواتٍ، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، وصلاة الجمعة يوم الجمعة في الأسبوع مرة: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].
• حكم تارك الصلاة:
من جحد وجوب الصلاة كفر، وكذا تاركها تركًا مطلقًا تهاونًا وكسلًا، فإن كان جاهلًا يُعلم، وإن كان عالمًا بوجوبها وتركها يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا كما قال سبحانه:﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ [التوبة: ١١].
وعَنِ جَابِرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ».
أخرجه مسلم.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
أخرجه البخاري.
ومن ترك الصلاة تركًا مطلقًا بحيث لا يصلي أبدًا فهو كافرٌ مرتدٌ عن دين الإسلام، ومن يصلي أحيانًا، ويتركها أحيانًا، فليس بكافر، لكنه فاسقٌ، ومرتكبٌ إثمًا عظيمًا، وجانٍ على نفسه جنايةٌ عظيمة، وعاصٍ لله ورسوله في أعظم فريضةٍ في الدين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
• الآثار المترتبة على من ترك الصلاة أبدًا:
أولًا: في الحياة، لا يحق لمن ترك الصلاة مطلقًا الزواج بمسلمة، وتسقط ولايته، ويسقط حقه في الحضانة، ولا يرث ولا يورث، ويحرم ما ذكاه من حيوان، ولا يحل له دخول مكة وحرمها؛ لأنه كافر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨].
ثانيًا: إذا مات تارك الصلاة مطلقًا، لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه ليس منهم، ولا يدعى له بالرحمة، ولا يورث، ويخلد في النار؛ لأنه كافر: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
• فضل انتظار الصلاة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ، وَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ:اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ».
متفقٌ عليه.
• فضل المشي إلى الصلاة في المسجد على طهارة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضَى إلى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، لِيَقْضِي فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خُطُواتُهُ، إحْدَاهَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً».
أخرجه مسلم.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ».
أخرجه أبو داود بسندٍ حسنٍ.
• بمَ يحصل الخشوع في الصلاة؟.
يحصل الخشوع في الصلاة بأمورٍ منها:
الأول: حضور القلب بين يدي الله في الصلاة.
الثاني: الفهم والإدراك لما يقرأ أو يسمع من الآيات في الصلاة.
الثالث: التعظيم، ويتولد من أمرين:
معرفة جلال الله وعظمته، ومعرفة حقارة النفس، فيتولد منهما الانكسار لله، والخشوع له: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
الرابع: الهيبة، وهي أسمى من التعظيم، وتتولد من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وبقدرة الله وعظمته، ورؤية تقصير العبد في حقه سبحانه.
الخامس: الرجاء، وهو أن يرجو بصلاته ثواب الله ﷿، ورضاه، ويطمع في فضله ومغفرته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]
السادس: الحياء، ويتولد من معرفة نعم الله، وتقصيره في حق الله ﷾.
والمحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة، كالخشوع في الصلاة مثلًا، أهم من فضيلةٍ تتعلق بمكانها، فلا يصلي في مكان يذهب معه الخشوع كالزحام ونحوه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣].
• صفة البكاء المشروع:
بكاؤه ﷺ لم يكن بشهيق، ورفع صوت، بل كانت تدمع عيناه، ويسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
وكان بكاؤه ﷺ تارةً من خشية الله، وتارةً خوفًا على أمته، وشفقةً عليها، وتارةً رحمةً للميت، وتارةً عند سماع القرآن حين يسمع آيات الوعد والوعيد، وذكر الله وآلائه ونعمه وإحسانه، وأخبار الأنبياء ونحو ذلك: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩].
• فقه العبودية:
حياة المسلم كلها عبادة الله، خلق الله الأرض كلها مسجدًا للعبادة، والوقت كله مسجدٌ للعبادة، والإنسان بقلبه وجوارحه يتعبد في كل زمانٍ ومكانٍ لربه العظيم، فلا يليق به أن يعبث في أصل وجوده، وهو عبادة الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]
• أوقات عرض الأعمال على الله ﷿:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ،فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».
أخرجه مسلم.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي، فَيَقُولُونَ:تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ».
متفقٌ عليه.
• فقه الصلاة:
أعظم المخلوقات مهابةً وجلالة المكان والزمان، أما المكان فهو الفضاء الذي لا نهاية له، وأما الزمان فهو الليل والنهار الذي لا يعرف لانفجاره مبدأ، ولا لاستقراره منزل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله ﷿: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
فالأول والآخر صفةٌ للزمان، والظاهر والباطن صفةٌ للمكان، والله محيطٌ بالزمان كله، والمكان كله.
والعلو والعظمة من صفات جلاله وكماله، ودرجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو، وفوقهما درجة الكبرياء كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعِظمة إزَارِي، فمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قذفته في النار».
أخرجه أبو داود وأحمد.
وفوق جميع هذه الصفات صفة الجلال، فله سبحانه جميع صفات الكمال، وهو منزهٌ عن مشابهة غيره، ولهذا مجد الله نفسه بهذه الصفة فقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
وأعظم مقامات المسلم أن يقف ذليلًا منكراً متضرعًا بين يدي ربه ذي الجلال والإكرام، فالمؤمن يقف في صلاته بين يدي ذي الجلال والإكرام بهذه الصفة، ومن أراد الدخول على السلطان العظيم، وجب عليه أن يطهر نفسه من الأنجاس والأدناس، ويطيبها بكمال الخضوع والخشوع:﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
• مراتب تطهير النفس:
لهذا التطهير مراتب:
الأولى: التطهر من الذنوب بالتوبة، ومن الأنجاس بالماء:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
الثانية: من كان في مقام الإخلاص، كانت طهارته عدم الالتفات إلى أعماله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
الثالثة: ومن كان في مقام المحسنين، فطهارته بعدم الالتفات إلى حسناته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الرابعة: من كان في مقام الصديقين، كانت طهارته من كل ما سوى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الخامسة: ومن كان في مقام الزهد، فطهارته من الدنيا حلالها وحرامها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فقف أيها المؤمن أمام ربك ناظرًا إلى عظمة أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله الحميدة، مستحضرًا عظمته وكبرياءه، وجملة مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي، وما فيهما من المخلوقات العظيمة العجيبة، فإذا استحضرت هذه المخلوقات العظيمة فقل: الله أكبر، الذي خلق هذا الكون العظيم، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، المنزه عن مشابهة مخلوقاته، الذي تعجز العقول عن إدراك كنه عظمته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وصل لربك واعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وقل: الله أكبر من أن لا يراني، ومن أن لا يسمع كلامي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وقل: الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم.
والله أكبر من أن يقدر الخلق على أداء حق عبوديته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فطاعات الخلق كلهم قاصرةٌ عن واجب عبوديته وعبادته، وثناؤهم قاصرٌ عن مجده وكبريائه، وعلومهم قاصرةٌ عن إدارك كنه صمديته: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
وإذا قلت: الله أكبر، فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وجماله، ثم قل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف، واجعل سورة الفاتحة مرآةً تبصر فيها جمال ربك وجلاله، وترى فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة، وأنوار أسماء الله الحسنى.
فإذا قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣].
فأبصر به عالم الجمال، وهو الفضل، والإحسان، والرحمة الشاملة.
وإذا قلت: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]
فأبصر به عالم الجلال، وما يحصل فيه من الأهوال.
فإذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧].
فأبصر به من تعبد، ودرجات أرباب السعادات من النبيين والمؤمنين، ومراتب الفساق المغضوب عليهم، ودركات الكفار الضالين.
وإذا انكشفت لك هذه الأحوال العظيمة، فاعلم أنك ما عرفت إلا القليل عن ربك، فعد إلى الإقرار لربك الكبير بالكبرياء، ولنفسك بالذلة والمسكنة، وقل: الله أكبر.
ثم انزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة بالركوع، وقل:سبحان ربي العظيم، ثم عد إلى القيام ثانيًا، وادع لمن وقف موقفك، وحمد حمدك، وقل: سمع الله لمن حمده، فإذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك، ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا ملء السماء وملأ الأرض، وملء ما شئت من شيءٍ بعد.
ثم عد إلى التكبير، وقل: الله أكبر، وانحدر إلى الأرض متواضعًا لربك العلي وقل: سبحان ربي الأعلى؛ لأن السجود أكثر تواضعًا من الركوع.
السجدة الأولى سجدة الشكر لما أعطانا ربنا من نعمه وإحسانه، ولما علمنا عن أسمائه وصفاته وأفعاله.
والثانية سجدة العجز والخوف مما لم يصل إليه الإنسان من أداء حقوق جلال الله وكبريائه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
ثم تستمر في إكمال صلاتك، ناظراً إلى عز الربوبية، وذلة العبودية.
ثم قدم لربك أعظم التحيات، لجلاله وجماله وكماله: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
***
مختارات
