الخزانة الأولى..
• فقه الطهارة:
الطهارة هي النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية.
• أنواع الطهارة الشرعية:
الطهارة الشرعية نوعان:
أحدهما: طهارة الظاهر: وتكون بالوضوء أو الغسل بالماء إلى جانب طهارة الثوب والبدن والبقعة من النجاسة.
الثاني: طهارة الباطن: وتكون بتخليص القلب من الصفات السيئة كالشرك، والكفر، والكبر، والعجب، والحقد، والحسد، والنفاق، والرياء ونحوها من الصفات السيئة، وامتلاء القلب بالصفات الحسنة من التوحيد، والإيمان، والصدق، والإخلاص، واليقين، والتوكل ونحوها:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ويُكمل ذلك بكثرة التوبة والاستغفار، وذكر الله ﷿، والتفكر والنظر في الآيات الكونية، والآيات الشرعية.
والمراد بالنظافة في باب الطهارة شيئان:
الأول: إزالة ما ينبغي إزالته شرعًا من سنن الفطرة، كتقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة.
الثاني: إزالة ما ينبغي إزالته طبعًا كالعرق، والرائحة الكريهة، وآثار البول والغائط.
• أقذر النجاسات:
أقذر النجاسات هو الشرك بالله، فكل مشرك نجسٌ حسيًا ومعنويًا.
فالمشرك نجسٌ معنى؛ لأن شركه بالله أنتن شيءٍ وأخبثه، وأقذره، والنجاسة المعنوية أعظم من النجاسة الحسية.
والمشرك نجسٌ حسًا، لأنه لا يتوضأ، ولا يتطهر من جنابةٍ وغائطٍ وبول، ولا يتجنب الأنجاس والقاذورات، ويأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونحو ذلك من المحرمات والمستقذرات.
ولأجل شدة نجاسة المشرك المعنوية والحسية، أمر الله أن يُبْعَد عن المسجد الحرام الذي يجب تطهيره للطائفين والقائمين، والركع السجود، فيبعد عنه المشرك، ولا يقرب منه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨].
ولشناعة الشرك فإن الله يغفر الله جميع الذنوب بعد الموت إلا الشرك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
• فقه هيئة العبد عند مناجاة ربه:
الطهارة البدنية والقلبية لازمتان لنجاة وفلاح كل عبدٍ في الدنيا والآخرة، فإذا طَهَّر الإنسان ظاهره بالماء، وطَهُر باطنه بالتوحيد والإيمان، صفت روحه، وطابت نفسه، واطمئن قلبه، وصار مهيئًا لمناجاة ربه في أحسن هيئة، بدنٍ طاهر، وقلبٍ طاهر، ولباسٍ طاهر، في مكانٍ طاهر، وهذا غاية الأدب، وأبلغ في التعظيم والإجلال لرب العالمين من القيام بالعبادة بضد ذلك، ومن هنا صار الطُّهور شطر الإيمان، وأحب إلى الله:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيْمَانِ والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ» أخرجه مسلم.
• فقه تطهير الروح والبدن:
خلق الله الإنسان من بدنٍ وروح، والبدن تتراكم عليه الأوساخ من جهتين:
من الداخل كالعرق.
ومن الخارج كالغبار.
ولعافيته لا بد من الأغسال المتكررة التي تزيل هذه الأقذار والنجاسات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
والروح تتأثر من جهتين:
الأولى: بما في القلب من الأمراض كالحسد والكبر، والنفاق والرياء.
الثانية: وبما يقترفه الإنسان من الذنوب الخارجية كالظلم والزنا.
ولعافية الروح لا بدّ من الإكثار من التوبة والاستغفار:﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
ومن جمع بين هذا وهذا، فقد كملت طهارته وعافيته، وحصلت نجاته وسلامته، وفاز بحب ربه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
فالطهارة من محاسن الإسلام، وتكون باستعمال الماء الطاهر على الصفة المشروعة، برفع الحدث، وإزالة الخبث، وهي المقصودة في هذا الباب.
أحكام الطهارة
أولاً: أقسام المياه:
المياه قسمان:
الأول: الماء الطاهر:
وهو الباقي على خلقته كماء المطر، وماء البحر، وماء النهر، وما نبع من الأرض بنفسه أو بآلة، عذبًا أو مالحًا، حلوًا أو مرًا، حارًا أو باردًا، وهذا هو الماء الطهور الذي يجوز التطهر به.
ويلحق به الماء الذي تغير بماء الأنابيب، أو الخزانات، ونحوه من الماء، فهذا ماءٌ طهور يجوز التطهر به.
وإذا تغير الماء بحناء، أو حبرٍ، أو صبغ، أو صابون، ونحو ذلك، فهذا التغير إن كان يسيرًا، لا يسلب اسم الماء المطلق، ولا يغلب على أجزائه، فهو ماء طهورٌ يرفع الحدث، ويزيل الخبث، وإن سلبه اسم الماء المطلق، وغلب على أجزائه، فلا يرفع الحدث، لكن يزيل الخبث، فإن إزالة الخبث، أوسع من رفع الحدث.
الثاني: الماء المتنجس:
وهو كل ما تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، وحكمه: أنه لا يجوز التطهر به.
• حكم استعمال مياه الصرف الصحي:
المياه المجتمعة من بولٍ وغائط الإنسان نجسةٌ ضارةٌ مستقذرة، فلا يجوز استعمالها في الطهارة والنظافة والسقي، ولو نقيت، فإنها لو زالت نجاستها بزوال طعمها، وريحها، ولونها بالترسيب ونحوه، فلا تزال فيها العلل والجراثيم الضارة؛ ولأنها مستقذرة؛ لأنها معتصرة من البول والغائط، فالواجب تركها تنزل في الأرض، أو تصب في البحر؛ لأن التراب والماء طهورٌ مطهر.
ثانياً إذا شك المسلم في نجاسة ماءٍ أو طهارته، بنى على الأصل، وهو الطهارة، وإذا اشتبه ماءٌ طاهر بنجس، ولم يجد غيرهما، توضأ مما غلب على ظنه طهارته.
ثالثًا: يَطْهُر الماء النجس بزوال تغيره بنفسه، أو بنزحه، أو إضافة ماءٍ إليه، حتى يزول التغير.
رابعًا: الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر، تكون بالماء، فإن لم يوجد الماء، أو لم يقدر على استعماله، أو خاف الضرر باستعماله، تيمم.
خامسًا: الطهارة من الخبث على البدن، أو الثوب، أو البقعة، تكون بالماء، أو غيره من السوائل، أو الجامدات الطاهرة التي تزيل تلك العين الخبيثة بأي مزيلٍ طاهر.
سادسًا: رفع الحدث الأصغر والأكبر لا يكون إلا بالماء عند وجوده، أو التيمم عند فقده، فلا يجوز الوضوء أو الغسل بمشتقات البترول والبنزين والغاز ونحوهما، وحكمها أنها تزيل الخبث، لكن لا ترفع الحدث؛ لأن الحدث لا يرتفع إلا بما ورد شرعًا من الماء أو التيمم إن فقد الماء.
سابعًا: الماء المسخن بالشمس، أو الطاقة الشمسية، طهورٌ، يرفع الحدث، ويزيل الخبث؛ لأن الأصل في المياه الطهارة.
ثامنًا: كل شيءٍ إذا تنجس من ثيابٍ أو فرشٍ ونحوها، فإذا كان غسله بالماء يفسده، أو يضره، فطهارته أن تزال نجاسته بالتنظيف الجاف، وهو سائلٌ غير الماء، مع استعمال بخار الماء، فإن تعذر كفى فيه المسح.
تاسعًا: إذا اشتبهت ثيابٌ طاهرة بنجسة أو محرمة، ولم يجد غيرهما، اجتهد وصلى فيما غلب على ظنه طهارته، وصلاته صحيحة إن شاء الله.
عاشرًا: بول ما يؤكل لحمه، وروثه، ومني الآدمي، كله طاهر، وسؤر الهرة طاهر.
الحادي عشر: يباح استعمال كل إناءٍ طاهر للوضوء وغيره، ما لم يكن الإناء مغصوبًا، أو كان من الذهب، أو الفضة فيحرم اتخاذه أو استعماله، فإن توضأ أحدٌ منها، فوضوؤه صحيحٌ، لكن فاعله آثم.
الثاني عشر: تباح آنية الكفار وثيابهم إن جُهلت حالها؛ لأن الأصل الطهارة، فإن عَلم نجاستها، وجب غسلها بالماء إذا أراد استعمالها.
الثالث عشر: تطهير النعل والخف المتنجس يكون بالماءـ، أو بالدلك بالأرض حتى يذهب أثر النجاسة.
• حكم استعمال أواني الذهب والفضة:
يحرم على الرجال والنساء الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وجميع أنواع الاستعمال، إلا التحلي للنساء، والفضة للرجال، وما له ضرورةٍ كسنٍ من ذهب ونحوه.
عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ، ولا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ».
متفقٌ عليه.
وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الفِضَّةِ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».
متفقٌ عليه.
• مواضع تقديم اليمين والشمال:
أفعال الإنسان نوعان.
أحدهما: مشتركٌ بين اليمنى واليسرى.
فتقدم اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل، واللباس، والانتعال، ودخول المسجد، والمنزل ونحو ذلك، وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كالخروج من المسجد، وخلع النعل، ودخول الخلاء.
الثاني: ما يختص بأحدهما.
إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب، والمصافحة، والأخذ والعطاء، ونحو ذلك، وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنجاء، والامتخاط ونحو ذلك.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» متفقٌ عليه.
• أنواع النجاسات:
النجاسات الحسية التي يجب على المسلم أن يتنزه عنها،ويغسل ما أصابه منها حتى يزول الأثر هي:
بول الآدمي، ورجيع الآدمي، والدم المسفوح، ودم الحيض والنفاس، والودي، والمذي، والميتة ما عدا السمك والجراد، ولحم الخنزير، وبول وروث ما لا يؤكل لحمه كالبغل والحمار، ولعاب الكلب، ويغسل سبعًا أولاهن بالتراب.
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: «أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِيْ كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا».
متفقٌ عليه.
وهذا من خصائص النبي ﷺ؛ لأن الاطلاع على عذاب القبر أمرٌ غيبي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُوْلاهُنَّ بِالتُّرَابِ» متفقٌ عليه.
اللهم طهر قلوبنا من الكفر والشرك، والنفاق والرياء، وطهر أجسادنا من الأقذار والنجاسات، وطهر ألسنتنا من الغيبة والنميمة، واللغو والرفث.
***
مختارات
