الخزانة العاشرة..
• فقه العبادة:
من عرف ربه بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، وأفعاله الحميدة، وعرف نفسه بالذِّلة والفقر، والعجز والاحتياج، عَبَد ربه وحده لا شريك له مع كمال الحب له، وكمال الذُّل له: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
والعبودية للمخلوق ذلةٌ ومهانة، وخسارةٌ وندامة: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
أما العبودية لله الخالق الملك القادر، العلي العظيم، الغني الكريم، فهي شرفٌ وعِزة، ورحمةٌ وطمأنينة، ونعيمٌ وسرور وفلاح ونجاة: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وكل ما سوى الله محتاجٌ إلى الله في خلقه وبقائه، وفي طعامه وشرابه، وفي هدايته ونجاته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
والله وحده هو الغني عن كل ما سواه، والمحتاج فقيرٌ مشغولٌ بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير، فالذي يستحق العبادة وحده، هو الغني الذي يملك قضاء جميع الحاجات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فكل مخلوق موسوم بأربع صفات، ضعيف، فقير، عاجز،محتاج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
والذي يستحق العبادة وحده هو القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، الخالق لكل شيء، المالك لكل شيء، الأعلى فوق كل شيء، المحيط بكل شيء وليس ذلك إلا الله وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
فهو سبحانه الملك القوي القادر، الذي يُمسك السماء أن تقع على الأرض، ويمسك السموات والأرض أن تزولا، ويُمسك السماء بلا علاقة من فوقها، ويُمسك الأرض بلا دعامة من تحتها، وهو الذي سيَّر الشمس والقمر والنجوم، وملأ الفضاء بالنور والظلام، والسحب والهواء، وأخرج من السحاب تارةً النار وهو البرق، وتارةً الماء وهو المطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢].
وفي الأرض أخرج الماء من الحجر، وأخرج الحجر من الماء وهو الثلج، وجعل في الأرض أجسامًا مقيمة لا تُسافر، وهي الجبال والأشجار، وأجسامًا مسافرةٌ لا تُقيم، وهي الأنهار والإنسان والحيوان: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣].
وخسف سبحانه بقارون، فجعل الأرض فوقه، ورفع محمدًا ﷺ، فجعل السموات تحته، حين عُرِج به إلى السماء.
وجعل سبحانه الماء نارًا على قوم فرعون الذين أُغرِقوا فأُدخِلوا نارًا.
وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﷺ: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وهو سبحانه الذي أغرق الدنيا من التنور اليابسة في عهد نوح ﷺ، وجعل البحر يبسًا لموسى وقومه، وربى أولياءه في قصور أعدائه كما ربى موسى ﷺ في قصر فرعون، وأنجى بأسباب الهلاك كما أنجى الله إبراهيم ﷺ من النار:﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤].
وكما أنجى موسى وقومه من الغرق، وأهلك بأسباب النجاة كما دمر فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون مع قوة الملك والجنود، وكثرة الأموال.
وأعز بأسباب الذِّلة كما أعز أنبياءه وجعل العاقبة لهم، وأذل بأسباب العزة كما أذل كل كافرٍ وطاغوت في كل زمان ومكان.
فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، فمن كانت قدرته وعظمته وقوته هكذا كيف يُسوى في العبادة بينه وبين غيره من مخلوقاته وعبيده، من الجماد أو النبات أو الحيوان أو الإنسان؟!، فما أشنع هذا، فإن التسوية بين الكامل والناقص، والنفيس والخسيس، والخالق والمخلوق، من أعظم الجهل والسفه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله ﷿: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
فما أسفه وأجهل من عبد غير الله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والعابد حقًا مَنْ نظره في وقت النِّعمة إلى المُنعِم ﷻ لا إلى النِّعمة، ونظره وقت الابتلاء إلى جمال المُبتلي لا إلى البلاء، فهذا أسعد الناس في الدنيا والآخرة؛ لأنه عرف ربه بجمال الإحسان والإنعام، وكمال الرحمة والعفو فلم يلتفت إلى غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
أما من كان نظره وقت النِّعمة إلى النِّعمة لا إلى المُنعِم، ووقت البلاء إلى البلاء لا إلى المبتلي، فهذا مستغرقٌ في كل الأحوال في حظوظ نفسه، مشغول بغير ربه، فهو في الشقاوة أبدًا: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]
فهذا وقت وجود النِّعمة خائفٌ من زوالها، فكان في العذاب، وفي وقت فوات النِّعمة مبتلىً بالحزن عليها، فكان في السلاسل والأغلال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧].
• ثمرات العبادة:
الأولى: من عرف الرب المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف عظمة ملكه وسلطانه، وعرف عظمة نعمه وإحسانه، وعرف دينه وشرعه، وعرف ثوابه وعقابه، طاب له الاشتغال بعبادته، وثقل عليه الاشتغال بغيرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فالكمال محبوبٌ لذاته، وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بعبادة ربه الذي خلقه ورزقه وهداه، ذو الجلال والجمال،والكبرياء والعظمة: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وحلاوة العبادة بحسب معرفة المعبود: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فالمؤمن وقت العبادة يستنير قلبه بنور الإلهية، ويشرُف لسانه بشرف الذِّكر والقراءة، وتتجمل جوارحه بالانقياد لمولاه، وهذه الأحوال أشرف المراتب، وبها تحصل السعادة للعبد في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقد وصف الله الأنبياء بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الثانية: العبادة أمانة، وأداء الأمانة واجبٌ عقلًا وشرعًا،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
فأداء الأمانة ديانة، وجحدها خيانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
الثالثة: أن القيام بالعبادة انتقالٌ بالإنسان من عالم الغرور إلى عالم السرور، ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن الاشتغال بالخلق إلى مناجاة الحق، ومن الاشتغال بالنِّعم إلى الاشتغال بما يُحبه الله ويرضاه، وذلك يُوجب كمال اللذة والبهجة والسرور: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
• درجات العبادة:
أما درجات العبادة فهي ثلاث:
الدرجة الأولى: أن يعبد المسلم ربه طمعًا في ثوابه، أو خوفًا من عقابه، وهذه الدرجة أدنى الدرجات؛ لأن معبوده في الحقيقة هو ذلك الثواب، وقد جعل الحق سبحانه وسيلةً إلى نيل المطلوب، ومن جعل المخلوق مطلوبًا وجعل الحق سبحانه وسيلةً إليه، فهو خسيسٌ جدًّا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
الدرجة الثانية: أن يعبد العبد ربه؛ لأجل أن يتشرف بعبادته، أو يتشرف بالانتساب إليه، وهذه الدرجة أعلى من الأولى، لكنها ليست كاملة؛ لأن المقصود بالذات غير الله وهو الشرف: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الدرجة الثالثة: أن يعبد العبد ربه ﷿ لكونه ربا، وإلهًا، وخالقًا ورازقاً؛ ولكونه عبدًا له، والإلهية تُوجب الهيبة والعزة، والعبودية تُوجب الخضوع والذِّلة، فيعبد الإنسان ربه ناظرًا إلى عزة الربوبية لربه، وذلة العبودية لنفسه، وهذه أعلى الدرجات، وأشرف المقامات، وهذه أعلى أنواع العبودية:﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
والعبادة والعبودية لله أشرف مقامات العبد، ولأهمية العبادة، وحب الله لها، أوجبها على جميع عباده، فقال:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وأمر رسول الله ﷺ بالمواظبة على العبادة حتى الموت، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩].
ووصف الله رسوله ﷺ بالعبودية في أشرف المقامات، في الإسراء والمعراج، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
فالمسلم بالعبادية ينصرف من الخلق إلى الخالق، فيُسبحه ويُكبِّره، ويسأله ويستغفره، وبالدعوة إلى الله ينصرف من الحق إلى الخَلق؛ ليرُد الخَلق إلى عبادة الحق سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
ووصف رسوله ﷺ بالعبودية في مقام الوحي والتنزيل، فقال سبحانه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠].
وقال الله ﷿: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
ووصف الله رسوله بالعبودية في مقام الصلاة والمناجاة كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩].
وأمر سبحانه موسى ﷺ بعد التوحيد بالعبودية، فقال:﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
فالتوحيد أصل، والعبودية فرع، والتوحيد شجرة، والعبودية ثمرة، والإيمان أصل، والعبودية فرع، ولا قِوام لأحدهما إلا بالآخر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وأعلى مقامات العبد محصورٌ في أمرين:
معرفة عزة الربوبية.
ومعرفة ذلة العبودية.
فمعرفة الربوبية مذكورٌ في قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
ومعرفة ذلة العبودية لها أولٌ وآخر، فأولها الاشتغال بعبادة الله وحده، وعدم الالتفات إلى غيره كما قال سبحانه:﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وأما آخرها فهو أن يعرف العبد أنه لا حول له عن معصية الله إلى طاعة الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله، فيستعين بالله وحده في تحصيل كل المطالب، كما قال سبحانه: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
فقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥].
تقتضي حصول رتبةً عظيمة للعبد أثناء العبادة، وذلك يُورِث العُجب، فأردف ذلك بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
ليدل على أن تلك العبادة إنما حصلت بعون الله، فيزول العُجب، ويحصل الافتقار للرب العظيم: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، يا أرحم الراحمين.
***
مختارات
