الخزانة العاشرة..
دلائل محبة الرسول ﷺ وتعظيمه:
لمحبة الرسول ﷺ وتعظيمه دلائل وأمارات تدل على ذلك،ومن ذلك:
أولاً: تقديم النبي ﷺ، وتفضيله على كل البشر.
فقد فضل الله نبيه محمد ﷺ على جميع الخلق، أولهم، وآخرهم، فهو خاتم الأنبياء، والمرسلين، وسيد الخلق أجمعين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ سبحانه اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة، وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر، وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع».
أخرجه مسلم.
لهذا يجب علينا إذا عرفنا فضائله، حبه، وتوقيره، واستشعار هيبته، وجلال قدره، وعظيم شأنه، واستحضار مكانته، ومحاسنه، ومعرفة الأمور الجالبة لحبه، والعلم بسيرته، وسنته، وحسن الاقتداء به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومتى كان حب النبي ﷺ وتعظيمه مستقرًا في القلب، فإن آثار ذلك ستظهر على اللسان، والجوارح لا محالة، فترى اللسان يجرى بمدحه، والثناء عليه، وذكر محاسنه، والإكثار من الصلاة، والسلام عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وسترى بقية الجوارح مستجيبة لمجابه، تتبع شرعه، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وتؤدى حقه من الحب، والتعظيم، والتكريم، والطاعة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
فمن فضل الأئمة من آل البيت عن النبي ﷺ فقد ضل، ومن فضل الأولياء، والأقطاب عن النبي ﷺ فقد ضل، ومن فضل أحد من البشر على النبي ﷺ فقد كفر، وألحد، وخالف النصوص الشرعية القطعية، وإجماع الأمة ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الثاني: حسن الأدب معه ﷺ
ويتحقق ذلك بالأمور الآتية:
حسن الثناء عليه ﷺ بما هو أهله، وأكمل ذلك ما اثني عليه به ربه ﷻ، وما اثني به هو على نفسه ﷺ، وأفضل ذلك الصلاة والسلام عليه لأمر الله ﷿ بذلك وتوكيده،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ولعظيم مقام عبد الله، ورسوله محمد ﷺ أخبرنا الله ﷿أنه يثنى عليه في الملأ الأعلى، وأن الملائكة تصلى عليه ثم أمرنا بالصلاة والسلام عليه؛ ليجتمع الثناء عليه من ربه العظيم، ومن أهل العالم العلوي، ومن أهل العالم السفلى.
هذه الآية تدل على وجوب الصلاة عليه، وأبخل الناس، وأذلهم، وأحقرهم من ذكر عنده، فلم يصل عليه.
عن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الْبَخِيلُ الذي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» أخرجه أحمد والترمذي.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ فَلَمْ يُدْخِلاهُ الْجَنَّةَ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» أخرجه أحمد والترمذي.
والصلاة من الله ﷿ والثناء عليه ﷺ في الملأ الأعلى، والصلاة من الملائكة، والمؤمنين سؤال الله الثناء عليه،وثمرات الصلاة على النبي ﷺ كثيرة منها:
أنها سبب في حصول الحسنات، ومحو السيئات، ورفع الدرجات، وإجابة الدعوات، وحصول الشفاعة، والنجاة من البخل، وصلاة الله على العبد، ودوام محبة النبي ﷺ، وغير ذلك من الفوائد، والثمرات.
لهذا رغب النبي ﷺ بالصلاة عليه بقوله: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا».
أخرجه مسلم.
والصلاة عليه ﷺ مشروعة في كل وقت، ومشروعة في عبادات كثيرة تزيد على أربعين موطنًا ومن ذلك:
الصلاة عليه فالتشهد في الصلاة، الخطبة في الجمعة، وبعد الآذان، وفى صلاة الجنازة، وعند الدعاء، وعند سماع اسمه، وغير ذلك.
وأفضل صيغة للصلاة عليه ﷺ علمه لأصحابه اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.
ثانيًا: الإكثار من ذكره ﷺ، وذكر محاسنه، وفضائله، ومعجزاته، ودلائل نبوته، وتعليم الناس سنته، ودوام تذكيره، ومكانته، وتذكيرهم بحقوقه، وصفاته، وأخلاقه، وتذكيرهم بدعوته، وسيرته، وجهاده، وغزواته، وصبره، فالعبد كل ما أكثر من ذكر المحبوب، واستحضر في قلبه محاسنه، وفضائله، تضاعف حبه له، وزاد شوقه لرؤيته، وكملت طاعته له؛ ولهذا أمرنا الله بالإكثار من ذكره في كل وقت، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وأمر الله سبحانه بالصلاة والسلام على نبيه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
الثالث: حسن الأدب عند ذكر أسمه ﷺ، فلا يذكر باسم مجرد، بل يوصف بالنبوة، والرسالة، وقد خصه الله في القرآن من بين الأنبياء، فلم يذكره باسمه مجرد، بل نداه بقوله:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾.
وحين قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ قال بعدها: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
قال بعدها: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ومن كمال الأدب معه، أنه ينادى، ويذكر بوصف النبوة، والرسالة، لا بغير ما ورد في القرآن، والسنة: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
الرابع: حفظ حرمة بلده المدينة النبوية، فأنها مهاجرة، ودار نصرته، وبلد أنصاره، ومحل إقامة دينه، وفيها قبره ﷺ، وفيها مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام؛ لهذا يجب على من سكنها، أو زارها، أو دخل فيها، مراعاة حسن المجاورة فيها، وحسن التأدب، وفعل الطاعات، واجتناب المعاصي.
الخامس: حسن الأدب عند دخول مسجده ﷺ، وكذا عند زيارة قبره، وترك اللغط، ورفع الصوت هناك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات: ٢ - ٣].
السادس: توقير حديثه ﷺ، وحسن سماعه، والوقار عند دراسته، وحسن قرأته، وتعظيم سنته، ومحبة حديثه،والمسارعة إلى العمل به تعظيمًا له: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
وكان مالك بن أنس ﵀ إذا أراد أن يخرج، يحدث توضأ وضوئه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوةً، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقِّر به حديث رسول الله ﷺ.
• دلائل محبة الرسول وتعظيمه:
لمحبة الرسول ﷺ دلائل وبراهين وأمارات منها:
أولاً: تقديم النبي ﷺ وتفضيله على كل البشر.
الثاني: حسن الأدب معه ﷺ.
الثالث: تصديق النبي ﷺ فيما أخبر.
فمن أصول الإيمان الأساسية، الإيمان ببعثة النبي ﷺ من الكذب والبهتان، وتصديقه في كل ما أخبر به عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل، والجفاء كل الجفاء بل الكفر كل الكفر اتهامه ﷺ فيما أخبر وتكذيبه وقد رد الله في كتابه على من كذبه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٩].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ٣].
التوحيد يقوم على ركنين:
الأول: توحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده سبحانه بالعبادة والاستعانة والخضوع والذل والتوكل والإنابة كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
الثاني: توحيد الرسول ﷺ بالإتباع والانقياد لأمره والتسليم لحكمه والإذعان لطاعته ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وبهذا وهذا يكمل التوحيد ويتحقق الإيمان توحيد ﷺبالإتباع، وتوحيد من أرسله بالعبادة: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
الرابع: التحكيم إلى سنته ﷺ تحكيم سنه النبي ﷺ في كل حال وشأن أصل من أصول الإيمان به، ومحبته وإتباعه، فلا إيمان لمن لم يحتكم لشريعته ويسلم له تسليماً مطلقَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
ومن أعرض عن ما جاء به النبي ﷺ ورضي بحكم غيره،فتلك حقيقة النفاق: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيم سنته، وارتفاع الحرج عن الصدر بحكمه، والتسليم المطلق لما حكم به هبة واختبارا ومحبه، وقد بين الله ﷿ أن من علامات الزيغ والنفاق والإعراض عن سنة النبي ﷺ هو ترك التحكيم إليها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦١ - ٦٢].
الخامس: إتباع النبي ﷺ وطاعته الأصل في أقوال النبي ﷺوأفعاله وأخلاقه وأحواله إنها للإتباع والتأسي به مطلقا كما بين ﷾ بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقوله ﷿: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ويستثنى من ذلك ما خصه الله به دون غيره، وقد أمر الله ﷿ بطاعته وطاعة رسوله في آيات كثيرة فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال الله ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
وأمرنا الله ﷿ عند التنازع أن يرد ذلك إلى الله والرسول فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
فعلينا جميعاً أن نتعبد لله ﷿ بإتباع النبي ﷺ وطاعته والاقتداء به والاهتداء بهدية، وتحكيم سنته وتصديق خبره، وتعظيم أمره ونهيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
السادس: الذب عن النبي ﷺ الدفاع عن الرسول ﷺونصرته وحمايته من أعظم البراهين والدلائل على محبته وإجلاله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩ [.
وقد ضرب أصحاب النبي ﷺ أروع الأمثلة في الزاد عن الرسول ﷺ وفداءه بالأنفس والأموال والأولاد، وفي العسر واليسر، وفي المنشط والمكره ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ».
متفق عليه.
ومن الزاد عنه ﷺ الزاد عن سنته ويكون بحفظها وتنقيحها وإخراج ما ليس منها، وحمايتها من تأويل الجاهلين وتحريف المغاليين، وانتحال المبطلين، ورد شبهات الملا حدة والزنادقة الطاعنين في سنته، وبيان أكاذيبهم وأبطالهم ودسائسهم، والرد على شبهات المستهزئين بما جاء في سننه من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقاد، كما يستهزئوا مثلاً باللحية أو الحجاب أو السواك أو رفع الإزار أو الميراث،والاستهزاء بالسنة الصحيحة كفر يخرج من الملة كمال قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
***
مختارات
