الخزانة التاسعة..
محبة النبي ﷺ وتوقيعه:
خص الله ﷿ رسوله محمدًا ﷺ من بين الأنبياء والرسل بخصائص كثيرة وصفات كريمة وأخلاق رضية وآداب جمة ورحمة عامة ومحاسن جليلة وعلم واسع وقدوة حسنة وشمائل رفيعة وأقوال حسنة وأعمال حسنة وعبودية كاملة.
ولأجل ذلك كله أثنى عليه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ولهذه الخصائص والصفات والمكرمات اختاره الله ليكون سيد الأولين والآخرين، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الثقلين، وسيد المتعبدين والمتقين، وسيد الدعاة والعلماء،وسيد المجاهدين والمتقين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ولذلك كله يدعو كل مسلم أن يحب ﷺ ويجله ويوقره ويعظمه ويعظم سنته بقلبه ولسانه وجوارحه كما جاء في سنته ﷺ من غير إطراء ولا غلو ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال الله ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
ولعظيم ما جاء به ﷺ من الحق من ربه وعظمة ما قام به من إبلاغ لأمته وعظمة ما تحمل من الصبر والأذى في سبيل ذلك فقد أثنى الله عليه وأخبر أنه يصلي عليه وملائكته وأمر المؤمنين بالإكثار بالصلاة والسلام عليه،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا».
أخرجه مسلم.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وأصح المخلوقات مزاجًا هو بنو آدم، وأصح بني آدم مزاجًا هم المؤمنون، وأصح المؤمنين مزاجًا هم الأنبياء والرسل،وًاصح الأنبياء والرسل مزاجًا هم أولي العزم: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وأصح أولي العزم مزاجًا هم الخليلان إبراهيم ومحمد،وأصحهما مزاجًا سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ الذي كان أحسن الناس خلقًا وخُلُقًا وكان خلق القرآن يتأدب بآدابه ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهة ويحل حلاله ويحرم حرامه ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ويصدق أخباره: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
النبي ﷺ نبي الرحمة ونبي الهداية بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فسبحان ربي الكريم الذي خلقه وجمله ظاهرًا وباطنًا وأرسله إلى الناس كافة وملأ قلبه توحيدًا وإيمانًا وعلمًا ورحمة وحكمة وأرسله بالحق للناس كافة ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
وأخبر أنه جمع فيه محاسن الأخلاق كلها كما قال سبحانه:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فهو أكمل الناس في أداء حقوق الله وفي أداء حقوق عباده وفي التعبد بين يدي الله وفي الدعوة والتعليم والإحسان بين يدي خلقه.
وقد اختار الله ﷿ لرسوله محمد ﷺ اسم محمد وأحمد وهما اسمان مشتملان على الحمد والثناء.
وهو ﷺ محمود عند الله تعالى ومحمود عند ملائكته ومحمود عند إخوانه الأنبياء والمرسلين ومحمود عند أهل الأرض كلهم لأن صفاته محمودة عند كل ذي عقل وإن كابر وجاحد محمد رسول الله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وهو ﷺ أحمد أهل الأرض والسماء لربه وأحسنهم ثناء عليه وحمدًا له وتمجيدًا له وأعظمهم ذكرًا له وتكبيرًا له وتواضعًا له وافتقارًا إليه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
وهو أحمد الخلق للخلق وأرحم بهم من أنفسهم وأنفع لهم وأنصح لهم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
صدق الله العظيم الذي أثنى على خلقه العظيم بقوله:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وصدق ﷺ حين قال عن نفسه: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
أخرجه مسلم.
ومما يحمد عليه ﷺ ما جبله عليه من مكارم الأخلاق وكريم الشيم وهو خير الناس أخلاقًا وأحسنهم شمائل وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثًا وأشدهم تواضعًا وأجودهم إنفاقًا وأقواهم صبرًا وأحسنهم حلمًا وأعظمهم عفوًا وأوسعهم مغفرة والرسول ﷺ أفصح الخلق بيانًا وأحسنهم تعبيرًا.
والرسول ﷺ أفصح الخلق بيانًا وأحسنهم تعبيرًا وأكملهم توقيرًا، والرسول ﷺ أعظمهم برًا وأوفاهم عهدًا وألينهم معاملة وأجملهم إحسانًا.
وهو ﷺ أصبر الخلق في مواطن الصبر وأكرمهم في مواطن الجود وأصدقهم في مواطن اللقاء وأعظمهم إيثارًا على نفسه وأكملهم مكافأة على الجميل بأضعافه.
وهو ﷺ أقوى من الناس بما يأمر به وأتركهم لما ينهى عنه وأوصل الخلق لرحمه وأعظمهم استجابة لأمر ربه.
وهو ﷺ أكرم الخلق لأصحابه وأعدلهم مع أعدائه وأشد الخلق ذبًا عن أصحابه وحماية لهم ودفاعًا عنهم وأعظمهم نفعًا لأتباعه في دينهم ودنياهم ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال في صفة رسول الله ﷺفي التوراة: «أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا».
أخرجه البخاري.
• الأسباب الجالبة لمحبة النبي ﷺ وتوقيره:
الذي يدفع المسلم لمحبة الرسول ﷺ وتعظيمه أمور:
الأول: معرفة صيغته ﷺ الحسنة، ومعرفة أخلاقه العظيمة، وشمائله الكريمة، ومعرفة عظيم رحمته بالأمة، ومعرفة جهاده وصبره، ومعرفة عظمة صدقه وحرصه على هداية أمته ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ومن ذلك معرفة روح رسالته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
فمن عرف سيد الأولين والآخرين بهذه الصفات، ولا الأخلاق أحبه ووقره، وأكثر من الصلاة والسلام عليه ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٩ [.
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].
الثاني: موافقة مراد الله ﷻ في محبته للنبي ﷺ وثنائه عليه، وتعظيمه، وتوقيره، وقد أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وأكرمه بعظم الكرامات بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤].
فلا يذكر أحدٌ في الدنيا، ولا يثنى عليه كما يذكر نبيُنا ﷺويثنى عليه، وأقسم الله بحياته تعظيمًا لشأنه فقال:﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢].
وذكى الله بعقله ولسانه وقلبه بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
واتخذه الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ومحبة رسول الله ﷺ تابعةً لمحبة الله وتعظيمه فالمؤمن يحب الله، ومن يحبه الله من رسوله وأولياءه.
فالمؤمنون يحبون رسول الله ﷺ لمحبة الله له، ويعظمونه، ويجلُّونه لإجلال الله له، ومحبة أهل العلم والإيمان، ومحبة الصحابة الكرام وإجلالهم كل ذلك تابعٌ لمحبة الله ورسوله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لَا يؤمِنُ أَحَدَكُمْ حَتّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنّاسِ أَجمَعِينَ».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ».
أخرجه مسلم.
الثالث: أنَّ محبة النبي ﷺ وتعظيمه من شروط إيمان العبد، وكذا محبة ما جاء به من الوحي فحب الرسول ﷺوتعظيمه، وتوقيره، وطاعته فيه يكون قيام الدين كله، وبضد ذلك يكون السقوط ديني كله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الرابع: معرفة ما خصه الله به من شرف النسب وكرم الحسب، وكمال الصفات ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فمن عرف ذلك زاد إيمانه بالله ورسوله، وسارع لإتباع رسوله ﷺ، وامتلاء قلبه بمحبته.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
الخامس: معرفة شدة محبته ﷺ لأمته، وعظيم شفقته عليها، وشدة رحمته لها، وفرحه بفضل الله عليها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
السادس: معرفة قدر الثواب والأجر الحاصل بإتباعه وطاعته: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩].
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
فكل خيرٍ وهدى في هذه الأمة، وكل فلاحٍ وسعادة، وكل كرامةٍ وعزة، وكل أجرٍ وثواب لا يمكن أن يحصل لأحدٍ من البشر إلا بالإيمان بالله ورسوله، وأتباع الرسول ﷺوطاعته ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فكل خير وفلاح في هذه الأمة إنما جاء من طريق الرسول ﷺ الذي يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم الأصنام والأغلال التي كانت عليهم ﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
• وجوب محبة النبي ﷺ:
الإيمان بالله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله أعظم أصول الإيمان فلا إيمان لمن لم يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ﴾ [الأحزاب: ٦].
».
متفقٌ عليه.
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بهنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعد أَنْ أَنقذهُ اللهُ منْه، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».
متفقٌ عليه.
وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يؤمِنُ أَحَدَكُمْ حَتّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنّاسِ أَجمَعِينَ».
متفقٌ عليه.
وباعث المحبة، وقوتها يكون بحسب معرفة ما في المحبوب من كمالٍ، وجلالٍ، وجمال الذات.
والله تعالى وحده أحق بهذه المحبة؛ لكمال ذاته، وأسماءه وصفاته، وأفعاله، والرسول ﷺ أحق من يتلوه في هذه المحبة؛ لأنه أكرم الخلق عند ربه، وأعظمهم أخلاقًا، وأحسنهم عبوديةً لله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
وإن كان باعث المحبة للغير بسبب ما يصل إليك من الغير من المنافع، والنعم، والخيرات الله تعالى أحق بهذه المحبة؛ لأن نعمه تجري على العباد في كل حين، وكل نعمةٍ منه ﷻ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله ﷿:: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
والرسول ﷺ أحق من يتلوه في هذه المحبة فهو الرسول الكريم الرحيم الذي أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وأخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، ومن الضلالات إلى الهدى، واستنقذنا به من النار فليس بعد الله أحدٌ أمنَّ علينا منه ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله ﷿: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
اللهم إن نشهدك، ونشهد جميع مخلوقاتك أننا نحبك، ونحب أنبياءك ورسلك، ونحب دينك، ونحب المؤمنين والمؤمنات:﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
ومن أحب الله، وأحب أن يحبه الله، ويغفر ذنوبه؛ فليتبع رسوله ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
ومحبة الرسول ﷺ على قسمين:
الأولى: فرض وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله، وتلَقيه بالمحبة، والقبول، والرضا، والتعظيم والتسليم، وحسن إتباعه له فيما أرسله الله به، وتصديقه فيما أخبره، وطاعته فيما أمره، واجتناب ما نهى عنه وزجر، ونصرة دينه، وجهاد من خالف ما جاء به، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
فهذه المحبة تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما جاء به ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
فهذا القدر لا بد منه، ولا يتم إيمان العبد لله به:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الثانية: فضل وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق الاقتضاء بسنته، وأخلاقه، وآدابه، ونوافله، وأكله وشربه ولباسه، وحسن معاشرته، وسائر تطوعاته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩].
وأكمل الناس دينًا من جمع في الإتباع بين الفرض،والفضل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والتعظيم بالمحبة حقان واجبان للرسول ﷺ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩ [.
فها الحق المشترك بين الله ورسوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٩ [.
والخاص بالله وحده: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٩ [.
والخاص بالرسول ﷺ: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩ [.
وتعزيره ﷺ نصره، ونشر ما جاء به، وتأيده، ومنعه من كل ما يؤذيه.
وتوقيره إجلاله، وإكرامه، وتعظيمه، وتبجيله لما له من حُرمةٍ ومكانةٍ يعظم من أجلها.
والتعظيم أعلى من المحبة؛ لأن المحبوب لا يلزم أن يكون معظمًا فالولد الصغير يحب والده محبةً تدعوه إلى تكريمه لا تعظيمه، والولد يحب أباه محبةً تدعوه إلى تعظيمه وإكرامه.
وكيف نحقق محبة النبي ﷺ وتعظيمه؟.
محبة النبي ﷺ وتعظيمه عبادة نتقرب إلى الله سبحانه بها،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
والعبادة التي يريدها الله ﷿ من العبد ويحبها ويرضاها هي ما ابتغي به وجه الله، وكانت على الصفة التي شرعها الله ورسوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
فالإخلاص هو ابتغاء وجه الله في العمال وهو مقتضى شهادة "أن لا إله إلا الله "؛ لأن معناها لا معبود بحقٍ إلا الله، ومتابعة النبي ﷺ في كل ما جاء به من ربه ومقتضى شهادة "أن محمدًا رسول الله"؛ لأن معنى الشهادة له بأنه رسول الله يحق طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبره، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
وفي هذا كمال المحبة له ﷺ، وكمال التعظيم له، وكمال التوقير له، وكمال الهداية بالإيمان بالله ورسول، وكمال الإيمان والتقوى والإخلاص والمتابعة ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
أما من لم يؤمن برسالته ﷺ أو شك في خبره أو استنكف عن طاعته أو ارتكب مخالفته أو ابتدع في دينه أو عبد الله من غير طريقه أو جحد ما جاء به أو استهزئ به فهو بعيدٌ عن الإيمان به بعيدٌ عن محبته، وتعظيمه بعد الأرض عن السماء ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
ولهذا من سلك في عبادة الله سبيلًا لم يشرعها رسول الله ﷺ فقد ضل وأضل، وعمله مردودًا وغير مقبول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفقٌ عليه.
ولهذا أنكر الله ﷿ على من عبد غير الله أو عبد الله بما لا يشرعه الله ورسوله وتوعدهم بالعذاب الأليم فقال ﷿:﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].
وقال الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦٣].
وقال الله ﷿: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
إن محبة الرسول ﷺ وتعظيمه وتوقيره من أصول الإيمان، وهي عبادةٌ من العبادات التي نتقرب إلى الله بفعلها في كل حال، والعبادة محلها القلب واللسان والجوارح، ويتحقق تعظيم النبي ﷺ بالقلب بتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين فلا يتم الإيمان إلا بذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
ولا توقير، ولا تعظيم بلا محبة الله والرسول ﷺ، ولا تعظيم ولا محبة إلا بعد معرفته، ومعرفة سيرته، ومعرفة قدره ومحاسنه.
وإذا استقرت محبته الصادقة في القلب أثمرت تعظيمه ﷺ وطاعته، وإتباعه والاقتداء به في جميع ما جاء به من ربه بعبادةٍ تظهر على القلب واللسان والجوارح:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
أما أحوال الصحابة في محبة وتعظيم النبي ﷺ فإن الله ﷿أكرم الصحابة ﵃ بشرف لقاء النبي ﷺ والإيمان به ومحبته، وتعظيمه، وصحبته فكان من النصيب الأكمل والأوفى من محبته وتعظيمه، والاقتداء به مما سبقوا به غيرهم، ولن يدركهم فيهم من بعدهم فرَضِيَ اللهُ عَنْهُم ورضوا عنه، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وسُئل علي بن أبي طالب ﵁ كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ؟ قال: «واللهِ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، وَأَوْلَادِنَا، وَآبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَأ».
***
مختارات
