القسم الثاني (الخزانة الأولى)
• دلائل محبه النبي ﷺ وتعظيمه:
لمحبه النبي ﷺ وتعظيمه دلائل وأمارات وعلامات ومن ذلك:
• الذب عن سنه النبي ﷺ:
ومن الذب عنه ﷺ الذب عن سنته ويكون بحفظها وتنقيحها وإخراج ما ليس منها وحمايتها من تأويل الجاهلين وتحريف الغاليين وانتحال المبطلين، ورد شبهات الملاحدة والزنادقة الطاعنين في سنته، والتهاون في الذب عن الرسول ﷺ وعن شريعته من الخذلان الذي يدل على ضعف الإيمان المسلم أو زواله، فمن ادعي حب النبي ﷺولم تظهر عليه الغيرة على حرمته وعرضه وسنته فهو كاذب في دعواه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
واحذر أن يكون خصمك يوم القيامة رسول الله ﷺفيقول لك: بلغتك سنتي فلماذا لم تعمل بها؟ ولماذا لم تنشرها؟ ولماذا لم تدافع عنها؟.
والرب العظيم سوف يسأل كل رسول وكل من أرسل إليه:﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٦ - ٩].
فالمحامي عن السنة الذاب عن حماها كالمجاهد في سبيل الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقد كان جبريل ﷺ وحسان بن ثابت يؤيده فيما نافح عن رسول الله ﷺ في أشعاره، فكذلك من ذب عن سنته ودينه من بعده.
عَنِ البَرَاءِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ: «اهْجُهُمْ - أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ».
متفق عليه.
ومن تمام محبه النبي ﷺ وتعظيمه الحرص على إبلاغ ما جاء به من ربه كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والحرص على نشر سنن النبي ﷺ وأقواله وأفعاله وإبلاغها للناس كما أمر بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً».
أخرجه البخاري.
وقوله ﷺ: «أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ».
متفق عليه.
وحرص المسلم على نشر السنة وإبلاغها وتعليمها باب عظيم من أبواب محبه النبي ﷺ وتعظيمه، وباب كبير من أبواب كسب الأجر والثواب ورضوان الله ﷿، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».
أخرجه داود والترمذي بسند صحيح.
فإبلاغ السنة وتعليمها ونشرها والعمل بها هي روح رسالة النبي ﷺ والبرهان القاطع على محبته وتعظيمه وتعظيم سنته ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وعن أبي موسي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلًا، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».
متفق عليه.
ومن مقتضيات ذلك الحرص على إماتته الضلالات والبدع المخالفة لهدي النبي ﷺ وأمره فالابتداع في دينه من خوارم محبته وتعظيمه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
ومحبه النبي ﷺ وتعظيمه تقتضي التسليم بالحبيب ﷺوالانقياد لأمره وتتبع أثاره، والوقوف عند أمره ونهيه، وعدم النقص أو الزيادة في دينه ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
تلك بعض أمارات حب النبي ﷺ وتعظيمه نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العمل بموجبها ما بقينا.
السابع: ولا شك أن الذب عن النبي ﷺ يقتضي الزاد عن أصحابه ﵃
فهم ثقات عدول، وهم خير القرون وهم أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه كمال قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
وقال الله ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وعن عمران بن حصيب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ: تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ».
متفق عليه.
وعن أبى سعيد الخضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ».
متفق عليه.
• لذلك فحقوق الصحابة علينا كبيرة جد ومنها:
الأول: محبتهم والتراضي عنهم والاستغفار لهم وحسن الثناء عليهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
الثاني: الاقتداء بسنتهم والاهتداء بهديهم
عَنْ الْعِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ: «.
فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» أخرجه أبوداود والترمذي.
والقدح في الصحابة وسبهم قدح في النبي ﷺ فهم خاصته وأصحابه وبطانته الذين آمنوا به ونصروه وأطاعوه وجاهدوا معه، ونقلوا للأمة سنته وشريعته ﵃ أجمعين.
وأعظم من طعن في الصحابة وسبهم وباطن الأمر الطعن في الرسول ﷺ ليقول قائل رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجل صالحًا لكن أصحابه صالحين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
فما أعظم جرمهم وما أقبح افترائهم، وما أسوء كذبهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
ثامنًا: ومن الذب عن النبي ﷺ الذب عن عرضه وعرض أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين ﵃ خاصة أم المؤمنين عائشة ﵂ أحبوا النساء إليه وأحفظهن لسنته وأكثرهن رواية لحديثه، والتي برأها الله ﷿ من فوق سبع سموات بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١].
ومن سب عائشة ﵂ بعد هذه البراءة، قتل لأنه كافر مخالفٌ لنصوص القرآن، وجميع أمهات المؤمنين مؤمنات طيبات تقيات نقيات، ولهذا سماهن الله أمهات المؤمنين بقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
والوقيعة في زوجات النبي ﷺ واتهامهن بالباطل من أعظم الإيذاء للنبي ﷺ والقدح في دينه وعرضه وأهله، وذلك كفر من فاعله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].
• دلائل عظمة قدر الرسول ﷺ:
النبي ﷺ أعظم الناس قدرًا، وأحسنهم دينًا وأكملهم توحيدًا، وأقواهم إيمانًا، وأفضلهم حديث وأكثرهم علمًا وأقومهم نفسًا، وأعلاهم شئنًا، وأعزهم مكانة، وأشرفهم نسبًا، وأحسنهم خلقًا.
ودلائل عظمة قدر الرسول ﷺ كثيرة جدًا وهذه أهمها:
الأول: أن الله ﷿ اصطفاه واختاره ليقوم بأعباء الرسالة العالمية من بين سائر الناس: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
الثاني: أن الله سبحانه جمع لمحمد ﷺ بين النبوة والرسالة كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
الثالث: أنه ﷺ من أولي العزم من الرسل، فهو أفضلهم وسيدهم وأولي العزم من الرسل خمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد ذكرهم الله في قوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
الرابع: أن الله ﷿ خصه من بين الأنبياء بآيات معجزات تدل على صدق نبوته، ويؤمن بسببها الناس وأعظمها القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
ومعلوم أن آيات الأنبياء انتهت بموتهم أما القرآن العظيم فأية خالدة باقية إلى قيام الساعة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
الخامس: أن الله ﷿ أنزل عليه أحسن كتبه وهو القرآن العظيم: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
وأحوى إليه بالسنة التي هي أفضل الشرائع وأحسنها وأكملها وأيسرها كما قال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
السادس: أن الله ﷿ أتم به بنيان الأنبياء ولهذا سمي بخاتم الأنبياء، كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بني بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ، إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ».
متفق عليه.
السابع: أن الله ﷿ فضل النبي ﷺ على جميع الخلق، فهو سيد الأولين والآخرين وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الناس أجمعين.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه.
الثامن: أن الرسول ﷺ أعلم الخلق بربه، وأخشاهم له وأتقاهم له وأحمدهم له كما قال ﷺ: «أَمَا والله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» متفق عليه.
التاسع: أن الله ﷿ أتخذه خليلا، والخلة أعلى درجات المحبة.
عَنْ أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا» متفق عليه.
عاشرًا: ومن دلائل عظمة قدره ﷺ أن الله جمع فيه ما تفرق به غيره من الأنبياء، وهو الخلة والكلام والنبوة والرسالة وأفضل الأخلاق والشمائل وغيرها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الحادية عشرة: أن الله ﷿ خصه بالإسراء إلى بيت المقدس والمعراج إلى ما فوق السماء السابعة، وتكليمه بالوحي كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥ [
الثانية عشرة: أن الله ﷿ جعل محمد ﷺ قدوة وأسوة لجميع الناس في أقواله وأفعاله وأخلاقه وجميع أحواله، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الثالثة عشرة: أن الله ﷿ أكرمه بشق صدره، واستخراج حظ الشيطان منه، وغسل قلبه وملئه إيمانًا وحكمه.
وقد حصل شق صدر النبي ﷺ مرتين:
الأولى: وهو غلام صغير في بادية بني سعد.
والثانية: قبيل الإسراء والعروج به إلى السماء.
الرابعة عشرة: أن الله ﷿ أرسله للناس كافه الإنس والجن، بينما أرسل غيره من الأنبياء إلى أقوامهم خاصة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» متفق عليه.
الخامسة عشرة: أن الله ﷿ جعله رحمة للعالمين في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، وفي الدنيا، وفي الآخرة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء/ ١٠٧].
***
مختارات
