الخزانة الثامنة..
عبادات الرسول ﷺ:
عبادات الأنبياء أحسن العبادات لكمال معرفتهم بالله وكمال حبهم له وكمال طاعتهم له، وأخلاقهم أحسن الأخلاق، ومعاملاتهم أحسن المعاملات.
وكان ﷺ أحسن الناس معاملة، وكان إذا استلف سلفًا قضى خيرًا منه ودعا لصاحبه، وباع ﷺ واشترى وكان شرائه بعد الرسالة أكثر من بيعه وبعد الهجرة إلى المدينة لا يكاد يحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره وأما شرائه فكثير.
وأجّر ﷺ واستأجر واستئجاره أكثر من إيجاره، أجر نفسه قبل النبوة لرعاية الغنم، وأجر نفسه من خديجة في سفرة لمالها إلى الشام قبل النبوة وإن كان العقد معها مضاربة والمضارب أمين وأجير ووكيل وشريك.
ووكّل ﷺ وتوكل وكان توكيله أكثر من توكله.
وكان ﷺ يمثل أمر الله في كل عبادة وفي كل معاملة.
وأهدى النبي ﷺ وقبل الهدية وأثاب على الهدية، ووهب واتهب وكانت هباته أكثر من اتهابه.
واستدان ﷺ برهن واستدان بغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحال والمؤجل.
وضمن ﷺ على ربه أعمالًا من عملها كان مضمونًا له الجنة، وضمن لمن مات من المسلمين وعليه دين لم يترك له وفاءًا أن يوفيه عنه.
وشفع ﷺ وشُفع إليه، وردت بريرة شفاعته في مراجعتها مغيثًا فلم يغضب عليها.
ووقف ﷺ أرضًا كانت له جعلها صدقة في سبيل الله.
وحلف ﷺ في أكثر من ثمانين موضعًا أمره الله بالحلف في ثلاث منها بقوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣].
وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
وقوله سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧].
وكان ﷺ يستثني في يمينه تارة ويكفر عنها تارة ويمضي فيها تارة، والاستثناء يمنع عقد اليمين والكفارة تحلها بعد عقدها.
وكان ﷺ يمازح ولا يقول في مزاحه إلا الحق، ويواري ولا يقول في توريته إلا الحق.
وكان ﷺ يشير ويستشير، وشاور أصحابه في جهاده وغزواته مرات كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وكان ﷺ يجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، ويقر الضيوف.
وكان ﷺ يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عن من ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وسمع ﷺ مديح الشعر وأثاب عليه ما قيل فيه من الشعر جزء من حامده، وأمر الناس أن يحثوا في وجوه المداحين التراب لأن مدحهم كذب.
وسابق ﷺ على الأقدام ورفع ثوبه بيده وخصف نعله بيده وثنى ثوبه وحلب شاته وخدم نفسه وأهله وأعان أصحابه في بناء المسجد وحفر خندق وغيرهما.
وربط ﷺ الحجر على بطنه من الجوع تارة وشبع تارة، وأضاف وأضيف.
وتداوى ﷺ من المرض وأمر بالتداوي.
ورقّ ولم يسترق، واحتجم في وسط رأسه وعلى ظهر قدمه، واحتجم الأخدعين، واحتجم في الكاهل وهما بين الكتفين.
وأمر ﷺ بالحمية وحفظ الصحة واستفراغ المواد الفاسدة واجتناب الأشياء الضارة.
مؤذنيه ﷺ
مؤذنو النبي ﷺ أربعة:
اثنان بمسجده ﷺ وهم: بلال بن رباح، وهو أول من أذن لرسول الله ﷺ، وعبد الله بن أم مكتوم الأعمى، ﵄.
وسعد القرظ في مسجد قباء، وأبو محذورة الجمحي في المسجد الحرام بمكة.
كتَّابه ﷺ
أما كُتّابه ﷺ فالكُتّاب الذين كانوا يكتبون الوحي والرسائل لرسول الله ﷺ هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وأُبي بن كعب، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وثابت بن قيس بن شماس، وحنظلة بن الربيع، وخالد بن الوليد، وخالد بن سعيد بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت ﵃ أجمعين.
خطباؤه وشعراؤه ﷺ
أما خطبائه وشعرائه ﷺ فكان خطيبه ﷺ الذي كان يخطب بين يديه بأمره ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، وكان من شعرائه ﷺ الذين يذبون عن الإسلام كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت وكان أشدهم على الكفار.
فصلوات الله وسلامه عليه كان أحسن الناس خلقًا وخُلُقًا،وكان خلقه القرآن يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه ويحل حلاله ويحرم حرامه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
جهاد الرسول ﷺ:
• سلاحه ﷺ:
كان له ﷺ تسعة أسياف هي:
مأثور، وهو أول سيف ملكه، والعضب، وذو الفقار، تنفله يوم بدر.
ومن سيوفه البتار، والقضيب، والحتف، والرَّسوب، والقَلْعِي، والمِخْذم.
وكان له ﷺ سبعة أدرع هي:
ذات الفضول، وذات الوشاح، وذات الحواشي، والبتراء، والسعدية، والفضة، والخرنق.
وكان له ﷺ خمسة رماح هي:
المثوى، والمُثنى، وحربة يقال لها النبعة، والبيضاء، وعنزة يمشي بها أحياناً، ويتخذها سترة يصلي إليها في أسفاره.
وكان له مغفران من حديد، أحدهما الموشّح، والآخر السبوغ.
وكان له ﷺ ثلاث جباب يلبسها في الحرب، وكانت له راية سوداء، يقال لها العقاب، وراية صفراء، وألوية بيضاء.
وكانت له ﷺ ست قسي هي:
الروحاء، والزوراء، والبيضاء، والصفراء، والكتوم، والسداد.
وكان له ترس يقال له الزلوق، وآخر اسمه الفتق.
وكان له ﷺ محجن قدر ذراع أو أطول، يمشي به، ويركب به، ويعلقه بين يديه على بعيره.
• جهاد الرسول ﷺ
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام ومنازل أهله أعلى المنازل في الدنيا والآخرة، وكان رسول الله ﷺ في الذروة العليا منه وقام بأنواعه كلها تعبدًا لله ﷿.
فجاهد ﷺ في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان وكانت ساعاته وأيامه موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده وماله.
ولهذا كان ﷺ إمام المجاهدين وأرفع العالمين ذكرًا وأعظمهم عند الله قدرًا، وقد أمره الله ﷿ بأعظم أنواع الجهاد وهو الدعوة إلى الله من حين بعثه بقوله سبحانه:﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢].
وجهاد الكفار والمنافقين يكون بالحجة والبيان وتبليغ القرآن.
وجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار وهو جهاد ورثة الرسل وخواص الأمة والقائمون به أفراد في العالم والمشاركون فيه والمتعاونون عليه هم الأعظمون عند الله قدرًا وأجرًا ومنزلة وقد قام به ﷺ خير قيام وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين تحقيقًا لأمر ربه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].
ورسول الله ﷺ أول وأعظم من أكمل مراتب الجهاد فجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرها الله به وتترك ما نهى الله عنه، وجاهد الشيطان على دفع ما يلقي من الشبهات وما يزين من الشهوات، وجاهد الكفار والمنافقين بالقلب واللسان والنفس والمال، وجاهد في الله حق جهاده هو وأصحابه ﵃ حتى توفاه الله ﷿: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
وشرع ﷺ الجهاد من حين بعث إلى أن توفاه الله ﷿ فشمر عن ساق الدعوة ودعا الله ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا، ودعا القريب والبعيد وصدع بأمر الله لا تأخذه في الله لومة لائم فدعا إلى الله للكبير والصغير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، والأحمر والأسود، والإنس والجن تحقيقًا لقوله سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
ولما صدع ﷺ لأمر الله وصرح لقومه بالدعوة إلى الله وحده لا شريك له آمن به بعضهم وكفر به وأذاه وسبه وشتمه أكثرهم فصبر على كل ذلك كما قال سبحانه:﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
ثم قاتلوه وحاربوه فنصره الله عليهم وأظهر الله دينه وقتل أئمة الكفر والكبر والضلال: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾ [الأعراف: ٤٥].
وقال الله ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
فصلوات الله وسلامه على من أرسله الله رحمة للعالمين أفضل من دعا إلى الصراط المستقيم وبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ولعظيم جهاده وصبره ﷺ وعظيم أخلاقه ورحمته وكمال معرفته بربه وحسن عبادته غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣].
وصلى الله عليه وملائكته وأمر الله المؤمنين بالصلاة والسلام عليه لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
• والجهاد في سبيل الله نوعان:
الأول: الجهاد الحسن في ذاته وهو الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم وهو أعلى أنواع الجهاد وهو جهاد جميع الأنبياء والرسل وهو أول جهاد مأمور به كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقوله ﷿: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢].
الثاني: الجهاد الحسن لغيره وهو القتال في سبيل الله لصد عدوان المعتدين وكسر شوكة المستكبرين ودفع الظلم عن المظلومين وحماية حوزة الدين.
وقد كان القتال محرمًا في أول الإسلام بمكة ثم مأذونًا به ثم مأمورًا به بمن بدء المسلمين بالقتال ثم مأمورًا به لجميع المشركين.
ففي التحريم، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧].
وفي الإذن بالقتال، قال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩].
وفي الأمر به لمن بدأ بالقتال قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
وفي الأمر به لعموم المشركين قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].
وهذا الجهاد فرض عين على كل قادر إذا دعا إليه إمام المسلمين أو هجم العدو على بلد المسلمين أو حضر المسلم صف القتال أو احتاج الأمر إليه بنفسه كطبيب وطيار ونحوهما: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤].
وكان ﷺ يرغب أصحابه في قتال أعداء الله والمشركين ويحثهم على الشهادة في سبيل الله وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفروا وربما بايعهم على الموت وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها بها إلا تبوك.
وكان ﷺ يبعث العيون ليأتونه بخبر عدوه ويطلع الطلائع ويبث الحرس.
وكان ﷺ إذا لقي عدوه وقف ودعا واستنصر الله عليه وأكثر ذكر الله هو وأصحابه ﵃ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٥: ٤٧].
وكان ﷺ يرتب صفوف الجيش ويعبئهم بيده وكان إذا اشتدت الحرب اتقوا به وكان أقربهم إلى العدو وكان يلبس الدرع ويتقلد السيف ويحمل الرمح والقوس ويتترس بالترس.
وكان ﷺ ينهى عن قتل الشيوخ والنساء والأطفال في الحرب.
• وكان ﷺ يأمر أمرائه في السرائب بثلاثة أمور:
١ - أن يدعوا عدوهم قبل القتال إلى الإسلام.
٢ - فإن أبوا الإسلام دعوهم إلى بذل الجزية.
٣ - فإن أبوا استعانوا بالله وقاتلوهم.
وكان ﷺ ينهى في مغازيه عن النهبة والغلول والمثلة.
وكان ﷺ يمن على بعض الأسرى ويقتل بعضهم ويفادي بعضهم بالمال ويفادي بعضهم بأسرى المسلمين يفعل ذلك حسب المصلحة وثبت أنه قتل جاسوسًا من المشركين.
وكان الهادي ﷺ أنه إذا صالح قومًا فنقض بعضهم عهده وأقره الباقون ورضوا به غزاهم جميعًا كما فعل ببني قريظة وبني النضير اليهود.
• غزواته وبعوثه وسراياه ﷺ:
أما غزواته وبعوثه وسراياه ﷺ كلها كانت بعد هجرته للمدينة في مدة عشر سنين، وغزواته ﷺ سبع وعشرون غزوة قاتل منها في تسع غزوات هي: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، وبني المصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف.
وغزوات كبار الأمهات سبع هي: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، وتبوك.
وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن الكريم فنزلت سورة الأنفال في شأن غزوة بدر، ونزلت آخر سورة آل عمران في شأن غزوة أحد، ونزلت في غزوة الخندق وقريظة وخيبر صدر سورة الأحزاب، ونزلت سورة الحشر في غزوة بني النضير، ونزلت سورة الفتح في شأن قصة الحديبية وخيبر،وذكر الله الفتح صريحًا في سورة النصر كما قال سبحانه:﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣].
ونزلت سورة التوبة في شأن غزوة تبوك وغزوة التوبة إنذارٌ أخير وعظيم للأمة.
وجرح ﷺ في غزوة واحدة من غزواته وهي غزوة أحد، وقاتلت معه الملائكة منها في غزوتين هما بدر وحنين،ونزلت الملائكة يوم الخندق لنصرته فزلزلت المشركين وهزمتهم وأرسل الله عليهم الريح فهربوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥].
وكان الفتح الأعظم في غزوتي بدر وحنين.
وقاتل ﷺبالمنجنيق في غزوة واحدة هي غزوة الطائف، وتحصن بالخندق في غزوة واحدة هي غزوة الخندق.
أما عدد سراياه ﷺ المبعوثة فأكثر من ستين.
وصلوات الله وسلامه عليه وعلى إله وأصحابه أجمعين ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
• أمراؤه ﷺ:
كان له ﷺ ولاة في مختلف البلدان:
منهم باذان بن ساسان، أمَّره رسول الله ﷺ على اليمن كلها بعد موت كسرى.
وهو أول أمير في الإسلام على اليمن، وأول من أسلم من ملوك العجم، ولما مات باذان أمَّر بعده ابنه شهر على صنعاء، ولما قتل شهر أمَّر بعده على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص ﵁.
وولى ﷺ زياد بن أمية الأنصاري حضرموت، وولى أبا موسى الأشعري زبيد وعدن والساحل، وولى معاذ بن جبل الجند، ﵃ أجمعين.
وولى ﷺ أبا سفيان صخر بن حرب نجران، وولى ابنه يزيد تيماء شمال المدينة، ﵄.
وولى ﷺ عتاب بن أسيد مكة، وعمره دون عشرين سنة ﵁.
وولى علي بن أبي طالب ﵁ الأحماس باليمن، وولى عمرو بن العاص ﵁ عُمان وأعمالها.
وولى ﷺ أبا بكر إقامة الحج سنة تسع من الهجرة، وأردفه بعلي بن أبي طالب عوناً له ومساعداً، وليقرأ على الناس سورة براءة، ﵃ أجمعين.
وولى ﷺ لكل قبيلة وال يقبض صدقاتها ويُفرقها على أهلها.
• حداته ﷺ:
حداته الذين كانوا يحدون بين يديه في السفر بالأشعار التي تزيد في النشاط، وتطرد الكسل هم:
عبد الله بن رواحة، وأنجشة، وعامر بن الأكوع، وعمه سلمة بن الأكوع، ﵃ أجمعين.
• من كان يضرب الأعناق بين يديه ﷺ:
الذين كانوا يضربون أعناق الكفار والمجرمين ومن عليه حد بين يديه هم:
علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، ومحمد بن مسلمة، والمقداد بن عمرو، والضحاك بن سفيان الكلابي، وعاصم بن ثابت ﵃ أجمعين.
وكان قيس بن سعد بن عبادة ﵁ منه ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.
***
مختارات
