الخزانة الرابعة..
• نواقض الإيمان بالنبي ﷺ:
كما أن للصلاة نواقض، فكذلك فلشهادة أن لا إله إلا الله نواقض، ولشهادة أن محمد رسول الله نواقض.
فشهادة أن محمد رسول الله تنتقض بالوقوع في أحد خمس أمور:
الأول: نقص شرط من شروط أن محمد رسول الله بعدم الإيمان به ﷺ، أو عدم طاعته فيما أمر، أو عدم تصديقه فيما أخبر - أو عدم اجتناب ما نهي عنه وزجر، أو عدم عبادة الله بما شرح ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الثاني: إنكار أمرٍ معلوم من الدين بالضرورة، كإنكار نبوته ﷺ، أو بشريته، أو أنه خاتم النبيين، أو إنكار عموم رسالته للإنس، والجن، وإنكار أنه قد بلغ الدين كله، أو إنكار أن رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع، أو إنكار أنه له حقوق على أمته، ونحو ذلك، فمن فعل ذلك فهو كافر،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
الثالث: إيذائه بقولٍ، أو بفعل، سواء كان ذلك في حياته، أو بعد مماته، فمن أذاه فهو كافر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
ومن لعنه الله لا يكون إلا كافر؛ لأن من أذى الرسول ﷺ، أذى الله، ومن أطاع الرسول ﷺ، فقد أطاع الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
ومن ألوان إيذائه ﷺ: الاستهزاء به، أو الطعن في شخصه، أو نسبه، أو صدقه، أو عقله، أو عفته، أو عرضه، أو الطعن في دينه، أو تصغير شأنه، ونحو ذلك ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤].
والاستهزاء بالنبي ﷺ سبٌ له، وكفر بالله، ورسوله، سواء كان المستهزئ جادًا، أو هازلًا، كما قال الله ﷿ عن المستهزئين به، وبأصحابه ﷺ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
فالاستهزاء بالله، ورسوله كفر مخرج من الدين؛ لأن أصل الدين قائم على تعظيم الله، وتعظيم دينه، وتعظيم رسوله، والاستهزاء بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل العظيم، من توقيره ﷺ، وتعظيمه، وإجلاله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩ [.
الرابع: الوقوع في شيء من نواقض الإسلام، ونواقض الإسلام الكبرى كثيرة.
• ويجمعها عشرة نواقض وهي:
١ - الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له.
٢ - من جعل بينه، وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكلوا عليهم، ويسألهم الشفاعة.
٣ - من لم يكفر المشركين، أو شك بكفرهم، أو صحح مذهبهم.
٤ - ومن اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.
٥ - ومن أبغض شيء مما جاء به الرسول ﷺ، ولو عمل به.
٦ - ومن استهزئ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه.
٧ - والسحر من فعله، أو رضي به كفر.
٨ - ومن اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة ﷺ.
٩ - والإعراض عن دين الله، لا يتعلمه، ولا يعمل به.
١٠ - إنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة، كإنكار وجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، وما نحو ذلك، أو إنكار تحريم الزنا، والربا، أو إنكار شيء من أركان الإسلام، أو الإيمان، ومظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين.
فمن فعل شيئًا من هذه النواقض عالمًا، عامدًا، مختارًا، فهو كافر مرتدٌ عن الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
الخامس: الغلو في النبي ﷺ، وهو مجاوزة الحد في تعظيم النبي ﷺ، حتى يصل الأمر إلى صرف شيء من حقوق الله -تَعَاليَ- له، سواء كان من صفات الله، كصفات علم الغيب، أو من العبادات كصرف الدعاء، أو النذر، أو الذبح له، وهذا هو الشرك بعينه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
وهذا الأمة أفضل الأمم، وقد خصها الله بأكمل الشرائع، وجعلها أمة وسطا في كل شيء، فلا إفراط، ولا تفريط، ولا غلو، ولا تقصير ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقد حذر الله هذه الأمة، وغير من جميع أنواع الغلو،والأهواء بقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧].
والغلو في النبي ﷺ حرام؛ لأن الغلو في الأنبياء، والصالحين يؤدي إلى الوقوع في الشرك، كما حصل لقوم نوح حين غلو في الصالحين منهم، ثم زين لهم الشيطان، فعبدوه من دون الله، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾ [نوح: ٢١ - ٢٥].
ثم بسبب الغلو في الصالحين انتشر الشرك في قوم نوح، ثم انتقل إلى من بعدهم، حتى وصل الشرك عن طريق الغلو إلى أمة محمد ﷺ، وانتقلت تلك الأصنام من قوم نوح إلى بلاد العرب.
ومن ذلك الغلو النصارى في نبي الله عيسى ﷺ، فأنهم تجاوزوا الحد، ونقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله، كما قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
ثم غلو في إتباع عيسى ﷺ من الأحبار، والرهبان، وادعوا فيهم العصمة، ثم اتبعوهم في كل ما قالوا، سواء كان حقًا أم باطلًا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
لهذا يجب تعظيم النبي ﷺ، وتوقيره حسب ما ورد به الشرع، من غير غلو، ولا إطراء.
عن عمر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».
أخرجه البخاري.
ومظاهر الغلو في الأنبياء، والصالحين كثيرة، بعضها شرك، وفاعلها يعتبر مشركًا، وبعضها يدخل في حيز البدع غير مكفرة، وصاحبها يعتبر من أهل الكبائر.
• مظاهر الغلو في النبي ﷺ.
مظاهر الغلو في النبي ﷺ التي يكفر بها العبد ستة، وهي كما يلي:
الأول: دعائه ﷺ، كان يقول: يا رسول الله أغثني، أو يا نبي الله اغفر لي، ونحو ذلك، فهذا شركٌ؛ لأن الدعاء عبادة لا تصرف إلا لله وحده، ومن صرف دعائه لغير الله، فهو ضال مشرك: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥].
الثاني: دعوة الربوبية فيه ﷺ، كأن يعتقد أنه يخلق، أو يرزق، أو يدبر الأمر، أو نحو ذلك، وهذا شرك ظاهر، وهو من أقبح أنواع الشرك؛ لأن الله وحده هو المتفرد بالربوبية على خلقه أجمعين ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثالث: الذبح له، والذبح لغير الله شرك؛ لأن الذبح عبادة،لا يجوز صرفها إلا لله وحده: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
الرابع: النذر له ﷺ، وهذا شرك؛ لأن النذر عبادة، لا تصرف إلا لله وحده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الخامس: الطواف حول قبره، وهذا شرك؛ لأن الطواف عبادة، لا يجوز صرفه إلا لله وحده، والطواف الشرعي، لا يكون إلا في مكان واحد من الأرض، وهو الطواف في البيت العتيق، في مكة حرصها الله، كما قال سبحانه:﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
السادس: ادعاء أنه يعلم الغيب، وهذا شرك في التوحيد؛ لأن علم الغيب خاص بالله وحده، فمن ادعى أن غير الله يعلم الغيب فهو مشرك: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
أما المظاهر المحرمة في الغلو بالنبي ﷺ فيما دون الشرك،فهي على درجتين:
١ - منها ما يدخل في حيز البدع.
٢ - منها ما يدخل في حيز الكبائر، التي دون البدع.
وكلاهما ليست من نواقض الإيمان بالنبي ﷺ، وليست مكفرات بحد ذاتها، ولكنها قد تؤدى إلى الكفر، والشرك، ولهذا حذر منها النبي ﷺ؛ لأن كل ما كان وسيلة إلى محرم، فهو محرم، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
ومن هذه المظاهر ما يلي:
أولًا: اتخاذ قبر ﷺ مسجدًا يصلى فيه.
وهذا بحمد الله متعذر بسبب الحجرة النبوية، والسور الحديد المحيط بها، وقيام الحكومة السعودية حرصها، ومنع ذلك.
عن جندب بن سفيان قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يتوفى بخمس يقول: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
أخرجه مسلم.
ومن أجل هذا دفن الصحابة رسول الله ﷺ في حجرة عائشة؛ لألا يتخذ قبره مصلى.
عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
متفق عليه.
ثانيًا: بناء مسجد على قبره - لعبادة الله وحده.
وهذا لم يحصل بحمد الله، ولن يحصل؛ لأن الله حارس النبي ﷺ حيًا، وميتًا، وعاصم له من كل ما يؤذيه، فيحرم على أهل التوحيد بناء المساجد على قبور الأنبياء، أو الصالحين.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ الله ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ:«إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه.
ثالثًا: دعاء الله ﷿ عند قبره ﷺ
ومن يفعل هذا يظن أن الدعاء عند قبره أقرب إلى الاستجابة، وهذا قول على الله بغير علم، وقد نهى النبي ﷺأن يتخذ قبره عيدًا، ولم يفعله أصحابه بعد مماته: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
رابعًا: طلب الدعاء منه ﷺ بعد مماته
وهذا سفه في العقول، لأن النبي ﷺ قد مات بنص القرآن، وإجماع الصحابة، والميت في حياة برزخية على علاقة له بالحياة الدنيا ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥].
ولو كان طلب الدعاء منه بعد وفاته مشروعًا، لفعله الصحابة ﵃، وإنما يُطلب منه الدعاء في حياته فقط، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤].
خامسًا: اتخاذ قبره عيدًا، يعود الإنسان كل يوم، أو كل أسبوع، ونحو ذلك، وهذا محرم؛ لأنه من الزيادة في التعظيم فوق القدر المشروع.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا».
أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح.
وبهذا نعلم أن بعض ما يفعله بعض الناس من زوار المدينة، وغيرهم من ارتياد قبر النبي ﷺ كل يوم، أو بعد كل فريضة، مخالف للشريعة.
سادسًا: السفر إلى زيارة قبره ﷺ، وهذا محرم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى».
متفق عليه.
فمن أراد السفر للمدينة، فلتكن نيته السفر لزيارة المسجد النبوي، والصلاة فيه فقط، وبعد الصلاة تسنن له زيارة قبر النبي ﷺ.
سابعًا: الحلف به ﷺ، وهذا محرم، وقد يكون شركًا مخرجًا من الملة، وقد لا يكون شركًا، فإن كان الحالف يعظم المحلوف به، كما يعظم الله، فيقول والنبي، أو حياة النبي، فهذا شرك؛ لأنه ساوى بين الله، والمخلوق في المنزلة، وإن كان دون ذلك فإنه من الشرك الأصغر الذي هو من كبائر الذنوب.
عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشْرَكَ» أخرجه أبو داود، والترمذي.
ثامنًا: تعظيم البقاع، والأماكن التي مر بها النبي ﷺ، أو صلى عندها، أو جلس فيها، وهذا محرم؛ لأنه من التعلق بغير الله من الجمادات: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
التاسع: التبرك بمسح قبره ﷺ، أو أخذ تراب منه، أو التمسح بجدران حجرته، أو الحديد المحيط بها، ونحو ذلك؛ لابتغاء البركة، وهذا باطل، ومحرم؛ لأن الشرع لم يأتِ به، وهو من التعلق بغير الله من الجماد، والأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى خُيْبَرَ، مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سُبْحَانَ الله، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهَةٌ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» أخرجه أحمد والترمذي.
عاشرًا: التوسل بذاته ﷺ، كأن أن يقول لله اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك، أن ترزقني، أو تشفيني، أو نحو ذلك، فهذا من التوسل البدعي؛ لأن الشرع أورد التوسل بأسماء الله الحسنى، أو بالعمل الصالح من العبد، أما التوسل بذوات الآخرين، أو أعمالهم، فهذا لم يرد في القرآن، ولا السنة،فالتعبد لله به بدعة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
الحادي عشر: الاحتفال بذكرى مولده ﷺ، وهذه من البدع المشتهرة، وقد أنكرها علماء الإسلام على مر العصور، وهي من التشبه بالكفار من النصارى، الذين يحتفلون بمولد عيسى ﷺ ويتخذونه عيدًا توقد فيه الشموع، وترتكب المحرمات من الغلو، والأغاني، والاختلاط، وغيرها، وفي إقامة المولد تشبه بالنصارى، وهو منهي عنه شرعًا، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»أخرجه أبو داود واللفظ له، وأحمد.
عن أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، قَالَ:فَمَنْ».
متفق عليه.
والاحتفال بالمولد النبوي لو كان خيرًا، لفعله الصحابة ﵃، والتابعون الذين هم أشد الناس تعظيمًا للنبي ﷺ، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، والخير كله في إتباع سنته، وهديه، والعمل بما جاء به: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وإقامة المولد النبوي بجميع أنواعه، سواء كان في المساجد، أو غيرها، بدعة محرمة، محدثة، أحدثها الشيعة الفاطميون لإفساد دين الإسلام، وفيه من الفساد، والرقص، والغنى، والغلو، والمنكرات مما عم وطم يندى له الجبين.
• عقوبة المستهزئ بالنبي ﷺ:
أما حكم الاستهزاء بالنبي ﷺ، فهو لون من ألوان إيذائه، ومن استهزأ به فهو كافر، وعقوبة المستهزئ بالنبي ﷺالقتل كفر لا حد.
عن جَابِرَ بْن عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى الله وَرَسُولَهُ» فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ قَالَ: «نَعَمْ».
قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا قَالَ: «قُلْ».
فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ.
قَالَ: وَأَيْضًا وَالله لَتَمَلُّنَّهُ.
قَالَ: إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ.
فَقَالَ: نَعَمِ، ارْهَنُونِي.
قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟
قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ.
قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ؟
قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ.
قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلَاحَ -.
فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟
فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ - وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ- قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُونَائِلَةَ، إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ.
قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ - وَقَالَ مَرَّةً ثُمَّ أُشِمُّكُمْ -.
فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ رِيحًا.
قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ، وَأَكْمَلُ العَرَبِ.
فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ.
قَالَ: نَعَمْ.
فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ:نَعَمْ.
فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ.
متفق عليه.
والاستهزاء به ﷺ معادة له، والمعادي لولي الله معادي لله في الحقيقة، ومن عاد الله فقد حاربه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أن الله تعالى قال: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ».
أخرجه البخاري.
والمستهزئ بالنبي ﷺ حقيق بعقوبة الله في الدنيا، والآخرة،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥].
والنبي ﷺ لم يسلم من الأذى، والسخرية، والاعتداء منذ بعثه الله إلى يومنا هذا، شأنه شان غيره من الأنبياء، والمرسلين، لتستمر أجورهم من غيرهم، إيجابًا، وسلبًا:﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس: ٣٠].
ومن استهزاء الكفار بالنبي ﷺ أنهم اتهموه بالجنون، والكذب، والشعر، والسحر، وغمزوه في عرضه الشريف، وكان يسمونه مذمم، ولكن الله حفظه، وعصمه ممن أذاه، ونصره على أعدائه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
وقد أخبر الله رسوله ﷺ إن من استهزأ بالأنبياء، الله سيعاقبه في الدنيا، والآخرة: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠].
والاستهزاء بالرسول ﷺ لا يضر بالدين شيئًا، فدين الله سيبلغ ما بلغ الليل، والنهار لا محالة، وقد بلغوا لله الحمد أكثر الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
من سب النبي ﷺ مكرهًا، فهذا لا يؤاخذ، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
ولا شك، ولا ريب أن الاستهزاء بالنبي ﷺ مستلزمٌ بالشريعة التي جاء بها، فلولا الدين الذي جاء به لما استهزءوا به، فمن استهزأ به، استهزأ بالشريعة التي جاء بها، ومن استهزأ بالشريعة، فقد استهزأ بالله الذي أنزلها، وكل ذلك كفر عظيم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
***
مختارات
