الخزانة الثالثة..
• لوازم الإيمان بالنبي ﷺ:
ليس الإيمان بالنبي ﷺ هو مجرد التصديق، والإقرار بأنه نبي، أو أنه رسول، أو أنه مصلح عظيم، ويقف الأمر عند ذلك فقط.
بل الإيمان الصادق، الصحيح، الكامل بالنبي ﷺ، ليقتضي بضعة عشر أمرًا وهي:
الأول: معرفة أسمه ونسبه ﷺ، فنعرف أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة، إلى آخره.
لابد للمسلم أن يعرف الرب الذي يعبد، وهو الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأن يعرف الرسول الذي يتبعه، وهو محمد بن عبد الله ﷺ، ويعرف الدين الذي يدين به، وهو الإسلام.
الثاني: الإيمان ببشريته، وأنه عبد لله لا يعبد، ورسول لا يكذب، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وعن عمر ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ» أخرجه البخاري.
الثالث: الإيمان بنبوته، ورسالته، وأنه نبي، ورسول من عند الله حقًا، فيجب تصديقه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ الثامن: القيام بحقوقه ﷺ الواجبة على أمته، بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، وزجر، ولا يعبد الله إلا بما شرع: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
الرابع: الإيمان بمثابة سيرة النبي ﷺ من الأخبار الصحيحة، الدالة على حسن سيرته، وعظمة أخلاقه، وجهاده في دعوته، وبذل كل ما يملك في سبيل إبلاغ دين ربه، ثم تحقيق ذلك في حياة المسلم، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الخامس: الإيمان بما جاء من صفاته الخَلقية، والخُلقية، كصفة طوله، ولونه، وصفة هيئته، ومشيته، وصفة وجهه، وجمال خلقته، وكذا معرفة ما حباه الله به من الأخلاق الكريمة، التي لم تجتمع لأحد غيره، كالصدق، والعفو، والأمانة، والرحمة، والكرم، والجود، وغيرها من الصفات العظيمة التي أثنى الله ﷿ عليه بها، كما قال سبحانه:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ثم التحلي بتلك الصفات العظيمة.
السادس: الإيمان بما جاء من خصائصه ﷺ الذاتية، كمعرفة أنه تنام عيناه، ولا ينام قلبه، وأنه يرى من أمامه، ومن خلفه، ومعرفة خصائصه الشرعية، كمعرفة أنه لا يورث، وأنه لا تنكح نسائه من بعده، وغير ذلك من الخصائص.
السابع: الإيمان بما جاء من دلائل نبوته ﷺ، وذلك بمعرفة الأدلة الأساسية، والعقلية، والشرعية التي تدل على أنه رسول الله حقًا.
الثامن: القيام بحقوقه ﷺ الواجبة على أمته، بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، وزجر، ولا يعبد الله إلا بما شرع: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
التاسع: الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات كلها، كما قال عنه ربه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» متفق عليه.
العاشر: الإيمان بأن رسالة النبي ﷺ ناسخة لما قبله من الشرائع كلها، كشريعة موسى، وعيسى -عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، ومهيمنة عليها كلها ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
الحادي عشر: الإيمان بأنه بعد بعثة النبي ﷺ، فأنه لا دين مقبول عند الله إلا الإسلام الذي جار به، فلا يجوز التعبد لله بعد بعثته بغير الإسلام، الذي جاء به، كما قال سبحانه:﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ? عَنِ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
أخرجه مسلم.
الثاني عشر: الإيمان بعموم رسالته للأنس، والجن إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال الله ﷿: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وكلمة الناس يقصد بها الإنس، والجن، كما قال سبحانه:﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]
وثبتت دعوة النبي ﷺ للجن في القرآن في سورة الجن والأحقاف، وأتى بعض الجن فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١].
الثالث عشر: الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة كاملة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال للناس في حجة الوداع: «.
وَقَدْ ترَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ؛ كِتَابُ الله، وَأَنتُمْ تُسْألُونَ عَنِّي، فَمَا أَنتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
أخرجه مسلم.
وعَنْ مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ ﵂ قالت: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شيئاً مما أنزلَ اللهُ عليه فَقَدْ كَذَبَ، واللهُ يقولُ:"يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ".
متفق عليه.
الرابع عشر: الإيمان بعصمته ﷺ.
• والنبي ﷺ معصوم من خمسة أشياء:
١ - معصوم من الشرك.
٢ - معصوم من كبائر الذنوب.
٣ - معصوم من الأخلاق السيئة.
٤ - معصوم في مجال التبليغ، والرسالة.
٥ - معصوم في نسبه من السفاح.
١ - فالنبي ﷺ عصمه ربه من الشرك، قبل البعثة وبعد ها:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فقد كان ﷺ يعرف الله بفطرته قبل أن يبعثه الله، وكان يتعبد لله في غار حراء سنين عديده، ولم يسجد لصنم قط، ولم يفعل شيئاً من أمور الشرك التي كان يفعلها قومه.
وقد استخرج الله ﷿ حظ الشيطان منه في حادثة شق صدره التي حصلت للنبي ﷺ مرتين:
الأولى: لما كان صغيراً يرضع في بادية بني سعد، والثانية: في مكة في الحجر قبيل العروج به إلى السماء.
عن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ المِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ» متفق عليه.
وعن أَنَس بْن مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ - وَذَكَرَ- يَعْنِي رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ - فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنْ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ، ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ البُرَاقُ فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا» متفق عليه.
فهذا الحديث وما قبله يدل على عصمة النبي ﷺ من الشرك.
٢ - والنبي ﷺ عصمه ربه من كبائر الذنوب، سواء قبل البعثة أو بعدها، فلم يسجد ﷺ لصنم قط، ولم يشرب الخمر قط، ولم يكذب قط، ولم تمس يده يد امرأة أجنبية عنه قط، ولم تقع منه كبيرة قط: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
وكيف تقع منه الكبيرة وهو الذي قال ﷺ عن نفسه: «أَمَا والله إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لله، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» أخرجه البخاري.
٣ - والنبي ﷺ عصمه ربه من جميع الأخلاق السيئة، وجمَّله بجميع الأخلاق الحسنة؛ لأنه رسول رب العالمين إلى الناس أجمعين، فتبارك الله أحسن الخالقين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فقد فطره الله ﷿ على كل خُلق فاضل كريم، وجمع له خصال الخير كلها، وجمله بمحاسن الأخلاق التي جبله عليها منذ نشأته.
فلله الحمد الذي عصم نبيه ﷺ من كل ما يُنقصه أو يضع من قدره في دينه، أو خلقه، أو نسبه، أو قوله، أو فعله، أو سيرته، أو نسبه، ليكون مثالا فريداً لكل ما يحبه الله ويرضاه، وحتى لا يبقى لحاقد أو حاسد أو منتقص حجة يتعلق بها، لتنفير الناس من رسول الله ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة/ ١٢٨].
وقالت خديجة بنت خويلد ﵂ حينما أتاها النبي ﷺ خائفاً بعد أن لقيه جبريل ﵇ في غار حراء قبل البعثة، فقال لها:«لقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ لَهُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فوالله لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ.
أخرجه البخاري.
وعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة،قال: فقال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا "وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صَخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتحوا بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غُلفاً.
أخرجه البخاري.
وقول الله ﷿: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ لا يشكل على ما تقدم من عصمة النبي ﷺ من الشرك والكبائر وسيء الأخلاق؛ لأن معنى ﴿ضَالًّا﴾ وجدك غافلاً عما يُراد بك من أمر النبوة، أو لم تكن تدري ما القرآن ولا الشرائع، فهداك الله إليها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
أما الخطأ الذي يجوز في حقه ﷺ فله ثلاث حالات:
١ - الخطأ في الأمور الدنيوية البحتة التي لا تمس الدين والسلوك، فهذه قد تقع منه، لكنها لا تحط من قدره كنبي، ولا تنقص من منزلته، ولا تناقض عصمته، وذلك مثل تلقيح النخل، فإنه لما قدم المدينة وجدهم يلقحون النخل فقال: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا» فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» أخرجه مسلم.
٢ - الخطأ في المسائل القضائية؛ لأنه لا علم له بحقيقة أمر المتخاصمين فيها، إلا ما ظهر له منها.
فهذا قد يقع في حقه ﷺ، لأن النبي ﷺ بشر لا يعلم الغيب، وإنما يقضي على نحو ما يسمع من أقوال الخصمين والشهود.
ويدل على إمكانية وقوع الخطأ منه في القضاء قوله ﷺ:«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» متفق عليه.
٣ - الخطأ منه ﷺ في الجانب الديني أو السلوكي، وهذا نادر جداً، لا تكاد مسائله تعد على الأصابع، وهذا من حكمة الله تعالى لإثبات أن النبي ﷺ بشر كغيره، يخطئ كما يخطئون، وينسى كما ينسون، كما حصل له من النسيان في الصلاة، لحكمة استنان المسلمين به.
وهذا الخطأ الذي يمكن وقوعه من النبي ﷺ يكون في غير شرك، ولا كبيرة، ولا في تبليغ الوحي، والله سبحانه لا يقره على هذا الخطأ، وإنما يوجهه إلى الصواب، وربما يعاتبه،كما قال سبحانه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ [عبس: ١ - ٤].
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال/ ٦٧].
وهذا الخطأ يقع منه ﷺ على سبيل الاجتهاد، لا على سبيل الرغبة في المعصية.
وقد كان النبي ﷺ يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، ووعده ربه بمغفرة ذنبه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١ - ٢].
٤ - عصمة نسبه الذي تناسل منه من السفاح.
فقد حمى الله ﷿ أصول نبينا ﷺ من سفاح الجاهلية، فلم يشب نسبه شيء من ذلك، لا من جهة آبائه، ولا من جهة أمهاته، ولم يولد إلا من نكاح شرعي صحيح.
فلم يلتق أبواه على سفاح قط، ولم يزل الله ﷿ ينقله من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً، لم تتشعب شعبتان في عمود نسبه إلا كان في خيرهما.
فخرج ﷺ من نكاح، ولم يخرج من سفاح من لدن آدم ﷺ، لم يصبه من سفاح الجاهلية شيء: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٥ - عصمته ﷺ في مجال التبليغ من الخطأ والنسيان:
جميع أنبياء الله ورسله معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالته، ولهذا أوجب الله الإيمان بكل ما جاءوا به من عند ربهم كما قال سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾] البقرة: ١٣٦ - ١٣٧].
والرسل هم الوسائط بين الله وعباده في التبليغ، وبهم يهتدي البشر إلى عبادة الله سبحانه، ولهذا أوجب الله العصمة لرسله وأنبيائه، لتصل الرسالة كاملة غير منقوصة ولا محرفة، فتقوم بها الحجة على الناس: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
فالنبي ﷺ معصوم من الخطأ في مجال التبليغ والرسالة، وقد بلَّغ البلاغ المبين كما أمره ربه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة/ ٦٧].
وعن ابي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فَإِنَّكَ تُدَاعِبُنَا يَا رَسُولَ الله.
فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» أخرجه أحمد والترمذي.
وقد عصم الله رسوله ﷺ من الناس، وكفاه من أذاهم.
وقد ثبت في السنة نحو عشرين قصة تدل على وقاية الله لنبيه ﷺ من أذى الكفار حتى بلَّغ رسالة ربه، منها قصته ﷺ لما اجتمعت قريش على قتله، فخرج عليهم من بيته، وخلَّف مكانه علي بن ابي طالب، وخرج عليهم ولم يروه.
ومنها عصمة الله وحفظه لرسوله ﷺ من أهل مكة، وصناديدها، وحسادها، ومعانديها، ومترفيها.
فصانه الله في بداية الرسالة بعمه أبي طالب الذي كان رئيساً مطاعاً في قريش، فلما مات قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، على أن يتحول معهم إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها منعوه ممن عاداه.
ومنها أن الله عصمه من كفار قريش وغيرهم وهو في طريق الهجرة، لما خرج المشركون في طلبه فاختبأ في غار ثور مع أبي بكر ﵁، ولما وصلوا إلى الغار أعمى الله أبصارهم، ثم لما أدركه سراقة بن مالك في طريق الهجرة دعا عليه النبي ﷺ، فساخت قوائم فرسه، فلم يستطع أن يدركه أو يضره.
وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، وحفظ رسوله ﷺ فقد كاده اليهود في المدينة بالسحر، فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء.
ولما سَمَّه اليهود في ذراع تلك الشاة التي أهديت له بخيبر أعلمه الله به، وحماه منه.
وحماه الله من المشركين في بدر بمدد من الملائكة.
وحماه الله من المشركين في الأحزاب بالريح الشديدة، والملائكة القديرة، وغير ذلك كثير مما ثبت في السنه.
***
مختارات
