الخزانة الثامنة..
ومن مقاصد القرآن أنه أرشد إلى التوسط والاعتدال في الأمور وذم الغلو والتقصير وأمرنا بالعدل والقسط في كل الأمور ولزوم الحد فيها بلا غلو ولا تقصير، ومدح أهل العدل وذم أهل الظلم والعدوان: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
ففي مجال عبادة الله أمر الحق سبحانه بالتمسك بما عليه النبي ﷺ في آيات كثيرة ونهى عن مجاوزة ذلك وتعدي الحدود في آيات كثيرة، وذم المقصرين في آيات كثيرة،فالعبادة التي أمر الله بها ما جمعت الإخلاص لله والمتابعة للرسول ﷺ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
ومتى فقد الأمران أو أحدهما فهي من الأعمال اللاغية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال النبي ﷺ «مَنْ أحْدَثَ في أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
وفي حق الأنبياء والرسل أمر بالاعتدال في حقهم، فأمر بالإيمان بهم وإتباعهم ومحبتهم ومعرفة أقدارهم ونهى عن الغلو فيهم، وهو أن يرفعوا فوق منزلتهم التي أنزلهم الله،ويجعل لهم من حقوق الله التي لا يشاركه فيها أحد: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧].
كما نهي عن التقصير في حقهم في الإيمان بهم وعدم إتباعهم وعن توقيرهم، وذم الغالين فيهم كالنصارى الذين غلوا في عيسى، فقالوا إنه إله أو ابن الله، كما ذم الجافين للأنبياء كاليهود الذين قالوا في عيسى ما قالوا، وذم من فرق بينهم فآمن ببعض وكفر ببعض: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وكذلك العلماء والأولياء تجب محبتهم ومعرفة أقدارهم، ولا يجوز الغلو فيهم وإعطائهم شيئًا من حق الله، أو حق رسوله الخاص، ولا يحل جفاءهم وعداوتهم وإيذائهم فمن عاد لله وليًا فقد بارز الله بالمحاربة وكذا أمر بالاعتدال في الإنفاق وأمر بأحسن الأخلاق ونهى عن مساوئ الأخلاق:﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩].
وأمر القرآن بأداء الحقوق وذم من قصر في ذلك كبر الوالدين وحقوق الأقارب والأصحاب والأقارب والجيران، كما ذم من غلا فيهم وفي غيرهم، والعدل والوسط أن تكون أعمالك موافقة للشرع في الكمية والكيفية، والغلو أن تزيد والتفريط أن تنقص والجفاء أن تترك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
ومن مقاصد القرآن: أنه أمر بحفظ حدود الله ونهى عن تعديها أو قربانها، وحدود الله هي ما حد لعباده الشرائع الظاهرة والباطنة التي أمرهم بفعلها، والمحرمات التي أمرهم بتركها، والحفظ لها يكون بأداء الحقوق اللازمة وترك المحرمات الظاهرة والباطنة، وحيث قال سبحانه:﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
كان المراد بهذه الحدود ما أحله الله لعباده وما فصله من الشرائع لأنه أمر بملازمتها ونهى عن مجاوزتها، كما أمر بملازمة ما أحله من الطعام والشراب واللباس والنكاح ونهى عن تعدي ذلك إلى ما حرم منها، وكما أمر بملازمة ما شرعه من الأحكام في الوضوء والصلاة والنكاح والطلاق وغيرها، ونهى عن تعدي ذلك إلى ما لا يجوز شرعًا.
وكما أمر الله بالمحافظة على ما فسره في أحكام المواريث ولزوم حده ونهى عن تعدي ذلك بتوريث من لا يرث وحرمان من يرث، وتبديل ما فرضه بغيره: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وحيث قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
كان المراد بذلك المحرمات، نهى عن فعلها ونهى عن مقدماتها وأسبابها الموصلة إليها كما نهاهم عن المحرمات على الصائمين فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
ونهى عن الزنا وجميع الأسباب الموصلة إليه؛ لأن الراعي حامي الحمى يوشك أن يقع فيه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وما أسكر كثيره فقليله حرام فحدود الله هو ما حده الله لعباده من المباحات والمأمورات والمنهيات، فالمأمورات والمحللات أمر بلزومها ونهى عن تعديها إلى غيرها، فالاعتداء في الواجبات أن يزيد فيها أو يقصر، والاعتداء في المحللات أن يتجاوزها إلى المحرمات فمثلًا أمر الله بالأكل والشرب ولكن نهانا عن الإسراف والتبذير الذي يضر الإنسان، فقال سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال ﷿: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
فالأكل والشرب من الحلال مباح والإسراف والتبذير محرمًا وكذا أمرنا بلزوم حدوده في جميع الأحكام وأنهى عن تعديها بزيادة أو نقص، كما قال النبي ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
ومن مقاصد القرآن أنه بين أن الإيمان بالله أصل كل خير في الدنيا والآخرة، وبفقده يفقد الإنسان كل خير في الدنيا والآخرة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
ولهذا كرر الله من ذكره أمرًا به ونهيًا عن ضده وترغيبًا فيه وبيانًا بأوصاف أهله وما لهم من جزيل الثواب، فإذا كان المقام مقام خطابًا للمؤمنين بالأمر والنهي أو مقام إثبات الأحكام الدنيوية بوصف الإيمان فإنه يتناول كل مؤمن سواءً كان متمًا لواجبات الإيمان وأحكامه وأوصافه، أو كان ناقصًا في شيئًا منها، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
أما إذا كان المقام مقام مدح وثناء وبيان الجزاء الكامل للمؤمن، فالمراد بذلك المؤمن حقا الجامع لخصال وصفات الإيمان وأركانه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
فالخطاب في القرآن بلفظ الإيمان ينقسم إلى قسمين:
١ - خطاب يراد به الإيمان الكامل.
٢ - خطاب يراد به مطلق الإيمان.
الأمر والنهي والأحكام المتعلقة بالإيمان تشمل كل مؤمن، وإن كان فاسقًا، المؤمن الكامل وغير الكامل كلهم يأمر بالصلاة والزكاة ويأمر بالخير ويأمر بالإحسان وينهى عن الظلم والفساد والمحرمات، وأما إذا كان السياق سياق مدحٍ وثناء المراد منه الإيمان الكامل وأهل الإيمان الكامل فيدخل فيه فاسق فالإيمان الكامل له ثوابٌ كامل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
فهؤلاء المؤمنون جمع الله لهم بين الإيمان الكامل واليقين الكامل والإنابة التامة التي أثرها الانقياد لله بفعل المأمورات وترك المنهيات، والوقوف عند حدود الله والإخلاص لله، وهذه أوصاف المؤمن المطلق الذي سلم من العقاب واستحق الثواب ونال كل خير رتب على الإيمان فإن الله رتب على الإيمان في كتابه من الفوائد والثمرات ما لا يقل عن مائة فائدة وكرامة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيها، رتب على الإيمان نيل رضاه الذي هو أكبر من كل شيء، رتب عليه دخول الجنة والنجاة والسلامة من عذاب القبر، السلامة من شدائد يوم القيامة، والبشرى بكل خير في الدنيا والآخرة، والثبات في الدنيا على الإيمان والطاعات، والثبات عند الموت في القبر على الإيمان والتوحيد.
وإجابة الملكين بالقبر بالجواب النافع السديد وطمأنينة القلوب وراحة النفوس وصلاح الأحوال وصلاح الذرية، وجعلهم قرة عين للمؤمن والحياة الطيبة في الدنيا والرزق والحسنة وتيسير المؤمن لليسرى وتجنيبه للعسرى.
والصبر عند المحن والمصائب، ووضع الله عنهم الأثقال ودفع عنهم جميع الشرور، وحقق لهم النصر على الأعداء ورفع المؤاخذة على الناسي والجاهل والمخطئ، وأن الله لم يضع عليهم الأصار بل أزالها ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به،ومغفرة الذنوب والتوفيق للتوبة والقرب من الله والقرب من رحمته ونيل ثوابه ومغفرة الذنوب ورفعة الدرجات وحب الله للمؤمنين وغير ذلك من الخيرات والثمرات في الدنيا والآخرة كلها مرتبة على الإيمان كما أن الشرور كلها على فقد الإيمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
أنه اشتمل على أجناس العلوم النافعة، كما قال سبحانه:﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فعلى المسلم أن يستفيد من تلك العلوم ويفيد غيره ويعمل بما علم ويعلم غيره: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله ﷿: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
فأجل علوم القرآن على الإطلاق، علم التوحيد، وما لله من الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، ليعرف القلب الإله الحق الذي ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وإحسانه، فيعبد الله بموجب هذه المعرفة للدين الحق الذي أرسل به رسوله ﷺ.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ويؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر خيره وشره، ويعبد الله بموجب هذا الإيمان.
هذا وهذا هو أصل العلم، وأصل التعبد، وأصل الفلاح، وفي القرآن صفات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وما جرى لهم وعليهم، على من وافقهم وخالفهم، وما هم عليه من الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة وكمال الإيمان والتقوى، فيقتضي بهم خاصة سيدهم محمد ﵊ في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فليس القصد من ذكر قصصهم إن تكون سمرًا، وإنما القصد أن تكون عبرة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١].
ومن علوم القرآن، علم أهل الخير والسعادة وأهل الشر والشقاوة، ليقتضي المؤمن بالأخيار ويجتنب الأشرار، وبين القرآن صفات الأخيار التي وصلوا بها إلى رضوان الله والجنة، وصفات الأشرار التي وصلوا بها إلى دار الجحيم، وأن حب المؤمنين من الإيمان وبغض الكافرين من الإيمان.
ومن علوم القرآن، علم الثواب والعقاب في الدنيا والبرزخ والآخرة على جميع أعمال الخير والشر، وذلك إظهارًا لعدل الله وإحسانه وسعة فضلة، والإيمان باليوم الأخر، الذي هو من أهم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
ومن علوم القرآن، الأمر والنهي وذلك بالعلم بحدود ما أنزل الله على رسوله، فكل مسلم مكلف بمعرفة الأمر والنهي والعمل به والدعوة إليه، فينظر في كل أمر ما هو حده ويحاسب نفسه، هل هو قائمُ بذلك كله أو بعضه أو تارك له؟.
فإن كان قائم به فليحمد الله ويسأله الثبات والزيادة من الخير، وإن كان مقصرًا فيه فليعلم إنه مطالبُ به فليستعن بالله على فعله ويجاهد نفسه على ذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وكذلك في النهي يعرف حده ثم ينظر إلى نفسه، فإن كان قد ترك ذلك المنهي عنه، فليحمد الله على ذلك ويسأله الثبات على فعل الطاعات واجتناب المنهيات، وليجعل الداعي له على ترك المنهيات طاعة الله، وابتغاء وجه، ليكن تركه عبادة كما كان فعله عبادة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله ﷿: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وإن كان غير تارك للمنهي عنه، فليتب إلى الله توبة جازمة، فمن قرأ القرآن وتدبره، آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، هذا على صراط مستقيم.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
***
مختارات
