الخزانة السابعة..
• من مقاصد القرآن الكبرى:
بيان عظمة الله بذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وعظمة ملكه وسلطانه، وختم الآيات بأسماء الله الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم، وذلك يدل على أن الخلق والأمر والشرع كله صادر عن أسماء الله الحسنى وصفاته العلا وأفعاله الحميدة ومرتبط بها، وهذا بابُ عظيم من معرفة الله ومعرفة أحكامه القدرية والشرعية والجزائية وأنها موجب أسماء الله وصفاته.
فنجد مثلًا آيات الرحمة مختومة بأسماء الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقوة والقدرة والحكمة والعلم والقهر، وآيات الخلق والتدبير مختومة بأسماء العلم والقدرة والقوة، كقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وذلك يدل على إحاطة علم الله بالسموات والأرض وما فيهما من العوالم العظيمة، وأنه قادر على ذلك كله وأنه حكيم من حيث وضعها لعباده وأحكم صنعها وصنع ما فيهما من المخلوقات وأحسن خلقها على أكمل صورة ونظام: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨].
وأن خلقه المخلوقات العظيمة من أكبر الأدلة على علمه الواسع، فكيف يخلقها وهولا يعلم؟
قال الله ﷿: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
وكذا الملائكة لما راجعوا الله في جعل آدم خليفة في الأرض، فاظهر الله علم آدم لهم فقالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢].
فاعترفوا لله بسعة علمه وكمال حكمته وأنهم مخطئون، وكذا ختم الله بعض الآيات بالتواب الرحيم بعد ذكر رحمته ومغفرته وهدايته وتوفيقه وحلمه، ليدل على أنه لما كان هو التواب الرحيم أقبل بقلوب عباده التائبين إليه ووفقهم للأعمال الصالحة التي يتوب عليهم ويرحمهم بها، كما غفر لهم ورحمهم فتاب عليهم بتوفيقهم للتوبة والأسباب، ثم تاب عليهم ثانية حين قبل متابهم وأجاب سؤالهم، وكذا لما ذكر الله النسخ في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].
فختمه للآية باسمه القدير ليدل على كمال قدرته وعلمه وحكمته وتصرفه الكامل في ملكه وعباده، وأنه يحكم بين عباده وفي ملكه بأحكام القدرية والشرعية والجزائية، فلا حجر عليه في شيء من ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وكذا قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥].
ليدل على أنه واسع الفضل واسع الملك، فجميع العالم العلوي والسفلي داخل في ملكه وعلمه محيط بجميع ملكه الواسع ومحيط بجميع المكان والزمان والكل ملكه، يصرف عباده إلى أي جهة شاء لعظمة قدرته وسعة ملكه وكمال حكمته.
وأحيانًا يذكر الله ﷿ أسمائه الحسنى ولا يصرح بذكر أحكامها وجزائها، لينبه عباده أنهم إذا عرفوا الله بذلك الاسم العظيم عرفوا ما يترتب عليه من الأحكام، كقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة: ٢٠٩].
لم يقل عقوبتكم كذا بل صرح باسمه العزيز الحكيم، ليدل على أن من عرف عزه الله وقهره وقوته وغلبته، وعرف حكمته في وضع الأشياء موضعها، أوجب له ذلك الخوف من البقاء على الذنوب والزلات لأن من حكمته إثابة من يستحق الثواب وعقوبة من يستحق العقاب المصر على ذنبه مع علمه، وأنه لا يخرج أحدُ عن حكمه وجزاءه لكمال عزته وقهره.
وكذا قوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
، أي عز وحكم فقطع يد السارق.
وكذا حتى نهاية المواريث بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١].
ليدل على أنه العليم الحليم الذي يعلم ما لا يعلمه العباد، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، ولو ترك الأمر للناس لدخل في القسمة الهوى والجهل والظلم والفوضى.
ولهذا فكل من قدح في شيء من أحكام الله الشرعية، فهو قاده في علم الله وفي حكمته، ولهذا يذكر الله العلم والحكمة بعد ذكر الأحكام، وكذا يذكرهما الله ﷿ في آيات الوعد والوعيد ليبين للعباد أن الشرع والثواب والعقاب مربوطُ بحكمة الله وعلمه، وكذا قوله سبحانه: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾ [الحج: ٥٩].
ختمها بالعلم والحلم يقتضي علمه بنياتهم الجميلة وأعمالهم الصالحة فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم سيئاتهم فكأنهم ما فعلوها.
وختم الثانية بالعفو الغفور: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠].
فيدل على انه أباح العقوبة بالمثل وندب إلى مقام الفرد وهو العفو.
وختم الآية الثالثة بالسميع البصير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾ [الحج: ٦١].
فيدل على سعة سمعه لجميع الأصوات وبصره بجميع حركات المخلوقات على اختلاف الأوقات.
وختم الآية الرابعة بالعلي الكبير ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
ليدل على أن علوه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده تضمحل معها المخلوقات كلها ويبطل معها كل ما عُبد من دون الله، وأنه لا يستحق العبادة وحده إلا العلي الكبير سبحانه.
وختم الآية الخامسة باللطيف الخبير، كما قال سبحانه:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ [الحج: ٦٣].
ليدل على سعة علمه وخبرته بالظواهر والبواطن، وبما تحتوي عليه الأرض من أنواع البذور وأصناف النبات،وأنه سبحانه: لطيف بعباده حيث اخرج لهم أصناف الرزق والنبات والثمار بما أنزله من المساء من الماء.
وختم الآية السادسة بالغني الحميد ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾ [الحج: ٦٤].
ليدل على أن خلقه للسموات والأرض وما بينهم من المخلوقات ليس لحاجة منه لها ولا ليتكمل بها فأنه الغني المطلق الحميد الكامل، وليعلم خلقه على أنه الغني عن ما سواه وهم جميعًا فقراء إليه من كل وجه، وأنه الحميد في أقداره وشرعه وجزائه، المحمود على جميع أسمائه وصفاته وأفعاله، فله الحمد المطلق: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وختم الآية السابعة بالرؤوف الرحيم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
ليدل على أن من رأفته ورحمته تسخير المخلوقات لبني آدم، وحفظ السماوات والأرض وإبقاءها لألا تزول فتختل مصالحهم، وسخر لهم البحار والأنهار لتجري في مصالحهم ومنافعهم، فرحمهم حيث خلق لهم السكن وأودع فيه كل ما يحتاجونه.
وفي سورة الشعراء ختم الله قصة كل نبي من الأنبياء بقوله:﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٩].
ليدل على أن نجاة كل نبي وإتباعه برحمة الله ولطفه، وإهلاك المكذبين له، وذلك من آثار عزته، وأنجى كل رسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين لهم بكمال عزته وحكمته وقوته.
وفي سورة المائدة قال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨].
ليدل على كمال عزته وحكمته، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، وإنما هو مقام غضبٍ وانتقام ممن اتخذوا إلهًا مع الله، ومن اللطف مقامات الرجاء أن يذكر الله أسباب الرحمة وأسباب العقوبة ثم يختمها بما يدل على الرحمة.
في قوله سبحانه: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٣].
ليدل على أن رحمته سبقت غضبه، وصار لها الظهور على الغضب، ولهذا يخرج الرحمن من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فهؤلاء يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بكمال رحمته: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
القرآن كله محكمُ باعتبار وكله متشابهُ باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث، وقد وصف الله القرآن الكريم بكل واحدة من هذه الأوصاف، فوصفه بأنه محكم بآيات كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
وقوله سبحانه: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١ - ٢].
فالقرآن في غاية الإحكام والإتقان، فأخباره كلها حق وصدقُ لا تناقض فيها ولا اختلاف، وأوامره كلها خيرُ وبركة وعدل وصلاح، ونواهيه زاجرة عن الشرور والأضرار والأعمال السيئة والخلاق الرديئة، فهذا إحكامه وإتقانه فأخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام.
ثانيًا: وصفه الله بأنه متشابه في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
فالقرآن كله متشابهُ في الحسن والصدق والحق، وألفاظه أحسن الألفاظ ومعانيه أحسن المعاني التي تزكي العقول وتطهر القلوب وتزين الجوارح بأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق.
ثالثًا: وصف الله القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه،في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
فبعض القرآن محكم وبعضه متشابه، والراسخون بالعلم يردون المتشابه إلى المحكم فيصير كله محكمًا، ويقولون كلُ من عند ربنا وما كان من عند الله فلا تناقض فيه، فما اشتبه في موضع فسره الوضع الأخر المحكم.
فحصل العلم وزال الإشكال ولذلك أمثلة، مثل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، تعز من تشاء وتذل من تشاء، فهدايته وإضلاله وعزته وإذلاله ليس جزافًا من غير سبب كما يظنه البعض، فإذا رددنا المتشابه إلى المحكم الذي يدل على عن الهداية لها أسباب من العبد يتصل بها، كما في قوله سبحانه: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].
وإن إضلاله لعبده لها أسباب من العبد وهو توليه الشيطان،كما قال سبحانه: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٣٠].
وقوله ﷿: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
فالآيات والنصوص الشرعية كلها حق ويجب على المسلم تصديقها والإيمان بها كلها، فهي متكاملة لا متعارضة، وما أجمل في موضع فسرته آياتٌ أخرى في موضع أخر، والقرآن كله محكم أقواله كلها صدق وأحكامه كلها عدل، ليس فيها كذب ولا ظلم كلها يسر ليس فيها مشقة، وهو كتابُ متشابه يشبه بعضه بعضًا في الحسن والكمال والجودة في الأسلوب فجمع بين الأمرين الحكام والتشابه، والخير في الأخبار يكون بمخالفة الصدق والخير في الأحكام يكون بمخالفة العدل، وكتاب الله كله صدق وعدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
والحكمة في وجود المحكم والمتشابه في القرآن الابتلاء والاختبار، ليحي من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، فمن دعا ميتًا أو صنمًا وطلب منه شفاء مريض أو تحصيل رزق ثم حصل له ما طلب.
القرآن الكريم يجرى في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة إلى العرف والعادة، فالله مثلًا أمر عباده بالمعروف، وهو المعروف حسنه شرعًا وعقلًا وعرفًا، ونهاهم عن المنكر وهو المعروف قبحه شرعًا وعقلًا، وأمرهم كذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووصفهم بذلك، فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فما كان من المعروف لا يتغير بالأحوال والأوقات كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من الشرائع الراتبة بكل وقت، والواجب منه على الأخريين كالواجب على الأولين من هذه الأمة، وكذا ما كان منهم قد لا يتغير بتغير الأوقات والأحوال كالشرك والكفر والقتل والزنا وشرب الخمر، وغيرها مما نهى الله عنه، فذلك ثابت في كل مكان وزمان لا يتغير ولا يختل حكمه أبدًا.
أما ما يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فالله ﷿يرد الناس إلى العرف والعادة والمصلحة المتعينة في ذلك الوقت، فمثلًا أمر الله بالإحسان إلى الوالدين والأقارب وسائر الخلق بالأقوال والأعمال، ولم يعين شيئًا خاصًا من الإحسان والبر ليعم كل ما تجدد من الأحوال والأوصاف:﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وكذلك ضده من العقوق والإساءة ينظر فيه إلى العرف، وكذلك صلة الأرحام أمر الله بها أمرًا مطلقًا يرجع فيه إلى ما سماه الناس صلة؛ لأن المقصود بالصلة زوال ما في القلوب من التباغض وائتلافها، وكذلك المعاشرة بالمعروف،وكذا: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
يرجع فيه إلى العرف في كل بلد وحال، وكذا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
أمر الله عبادة بالأكل والشرب واللباس ولم يعين شيئًا من الطعام أو الشراب أو اللباس، لأن ذلك يختلف بحسب الحال والزمان والمكان، وكذا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فأمر بالأعداد للقوة والسلاح مطلقًا ولم يحدد نوعًا ليشمل كل قوة وسلاح حسب المكان والزمان والحال.
وهكذا لفظ التجارة ليشمل كل تجارة أجازها الشرع وصاحبها الرضا، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
ومن مقاصد القرآن الكريم أنه بين كل شيء، فالقرآن العظيم تبيانًا لكل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فإن القرآن اشتمل على أعظم القصص وأعظم العلوم وأحسن الشرائع وأوصل المعاني إلى القلوب بأيسر شيء وأحسنه، ومن ذلك ضرب الأمثال لتوضيح المعاني النافذة بالأمور الحسية ليصير القلب كأنه يشاهد معانيها رأي عين.
وهذا من عناية الله بعبادة وإيصال العلوم النافعة لهم بأيسر شيء، فقد مثل الله العلم والوحي في القلوب كالغيث النازل من السماء وشبه قلوب الناس بالأراضي والأودية، وأن عمل العلم والوحي في القلوب كعمل الغيث والمطر في الأراضي.
فمنها أراضي طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير كمثل القلوب التي تفهم عن الله ورسوله وحيه وكلامه وتعقله وتعمل به وتتعلمه وتعلمه بحسب حالها كالأراضي بحسب حالها، ومنها أرض تمسك المال وتحفظه ولا تنبت الكلأ فينتفع الناس بالماء الذي تمسكه فيشربون ويسقون مواشيهم وأراضيهم، كالقلوب التي تحفظ الوحي من القرآن والسنة وتلقيه إلى الأمة، ولكن ليس عندها الدراية والمعرفة مثلما عند ما قبلها، فهؤلاء على خير ولكنهم دون أولئك.
ومنها أراضي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ كمثل القلوب التي لا تنتفع بالوحي لا حفظًا ولا علمًا ولا عملًا ولا تعليمًا، وكذلك شبة الله كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بأذن ربها.
فشجرة التوحيد في القلب ثابتة تؤتي أكلها كل وقت من النيات الطيبة والأقوال الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة، وهي صاعدة كالشجرة إلى السماء لإخلاص صاحبها وعلمه ويقينه على ربه.
ومثّل الله من اتخذ مع الله إلهًا آخر يتعزز به من المشركين ويزعم أنه ينفعه ويدافع عنه ويدفع عنه ما يضره، شبهه في ضعفه ووهنه بالعنكبوت التي بيتها من أضعف البيوت فازداد باتخاذه ضعفًا على ضعف.
كذلك المشرك ما زاده باتخاذ وليا ونصيرًا من دون إلا ضعف؛ لأنه قلب قطع عن الله القوي وتعلق بالمخلوق الضعيف، فأزداد وهنًا على وهن، فانه اتكل عليه وظن حصول النفع منه فخاب ظنه وأنقطع عمله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العنكبوت: ٤١].
إما المؤمن فانه قوي بتوحيده وإيمانه، قويًا باتصاله بالقوي القادر سبحانه: الذي بيده كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومثّل الله أعمال الكافر بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً فإذا وصله إليه لم يجده شيئًا بل وجده الله عنده فوفاه حسابه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩].
ومثّل الله كذلك أعمال الكافر بالرماد الذي جاءته الرياح فذرته فلم تبقِ منه شيئًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم: ١٨].
وهذا مناسب لحال الكافر وبطلان عمله، فإن كفره ومعاصيه بمنزلة النار المحرقة، وعمله بمنزلة الرماد والسراب الذي لا ينفع أو لا حقيقة له.
ومن مقاصد القرآن أن الله ﷿ أرشد عباده في القرآن إلى ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وبين أن إرشاده ينقسم إلى قسمين:
الأول: أخبار فيها موعظة وعبرة وأوامر ونواهي فيها حكمة ورحمة وأكثر إرشادات القرآن إلى هذا النوع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الثاني: إرشاد العقول إلى استخراج الأشياء النافعة من أصولٍ معروفة من جماد ونبات وحيوان وغيرها؛ لإعمال الفكر للاستفادة منها و الاعتبار بها،
كالنظر والتدبر في خلق السموات والأرض التي خلقها الله لتدل على عظمته وسخرها لنا وكإنزال الحديد وأن فيه بأسا شديد ومنافع للناس: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
• وهذا التفكر يفيد علمين جليلين:
أحدهما: أننا نستدل بهذه المخلوقات العظيمة على عظمة خالقها وعلى نعمة التي لا تعد ولا تحصى، وعلى صدق ما أخبر به من الميعاد والجنة والنار وصدق الرسل، وهذا أجل العلمين وأعلاهما.
الثاني: أننا نتفكر فيها ونستخرج منها المنافع فإذا علم الإنسان أن في الحديد منافع اجتهد ليستخرج منه تلك المنافع، كما هو حاصل في زمننا هذا من أنواع الصناعات المختلفة من هذا المعدن العظيم.
وكذلك سخر لنا الأرض لنزرعها ونستخرج معادنها وبركاتها، وجعلها طوع علومنا وأعمالنا لنستخرج منها الصناعات النافعة في أمور الدين والدنيا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
فما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب شرعًا، وهذا يدل على أن تعلم الصناعات والمخترعات الحادثة النافعة مطلوب شرعًا كما أنه لازم عقلاً، وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن فإن القرآن نبه العباد إلى أن الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس، وأنه سخر لهم ما في الأرض فعليهم أن يسعوا لتحصيل تلك المنافع من أقرب الطرق، كما لا تخفى عظمة المنافع التي حصلت من صناعة الحديد والذهب والفضة والغاز والبترول وغيرها من المنافع التي هي مخزونة في الأرض.
***
مختارات
