الخزانة التاسعة..
ومن مقاصد القرآن، إن الله ﷿ بين في القرآن الأمراض وأنها تنقسم إلى قسمين:
١ - مرض الأبدان.
٢ - ومرض القلوب.
• وإن مرض القلوب قسمان:
مرض شبه.
مرض شهوة.
فمرض الشبه: بسبب نقص العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعلم بدينه وشرعه، والعلم بعظمة ملكه وسلطانه، والعلم بعظيم نعمه وإحسانه، فمرض الشبة بسبب نقص هذا العلم العظيم.
ومرض الشهوة: بسبب نقص الإرادة، فإذا اعتل القلب بالجهل صار مرضه مرض شبه كالمنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠].
وإذا اعتلت إرادة الإنسان فأحبت المعاصي، وفعلت ما لا يرضي الله ورسوله، فذلك مرضُ شهوة، كما قال سبحانه:﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢].
وصحة القلب وسلامته بأمرين:
١ - بكمال العلم.
٢ - وكمال الإرادة.
فإذا اجتمع في القلب كمال العلم بالله، وكمال الإرادة بما يحبه الله ويرضاه، فهذا هو القلب السليم ينجو به صاحبه:﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
فالقلب السليم هو الذي عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل وتركه.
آيات القرآن تزيل الجهل وترغب الإنسان في الطاعات وترهبه من المعاصي: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وقال الله ﷿: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
فالقرآن الكريم بين أن كل من في قلبه شكُ وشبهات فمرضه مرض جهل علاجه بالعلم الإلهي، وكل من أراد شيئًا من المحرمات فمرضه مرض شهوة علاجه زيادة الإيمان، وزيادة الإيمان تكون بالعلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده، ودينه، وشرعه.
فعلاج هذا المرض وهو مرض الشهوة زيادة الإيمان المانع من المعاصي: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
فآيات القرآن تزيد المؤمنين إيمانًا، وتزيد المنافقين والكفار رجسًا: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
فالمؤمنون كلما سمعوا آية صدقوا فزاد إيمانهم، وأما الذين في قلوبهم مرض فكلما سمعوا أية استكبروا عنها وشكوا فيها وكذبوا بها، فازدادوا رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون، فالمنافقون قلوبهم مريضة بالكفر والشك فعاقبهم الله بأن زاد مرضهم بسبب كفرهم: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠].
أن الله بين في القرآن أن أعمال الأبدان وأقوال اللسان صحتها وفسادها وأجرها ووزرها بحسب ما في القلب من إرادة وجه الله أو غيره، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].
قال النبي ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
فالأمر بالصدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الناس كله خير، لكن ثواب الآخرة لا يحصل إلا بالنية الخالصة لله ﷿، كما قال سبحانه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
فمن فعل ذلك ابتغاء وجه الله نال به أجرًا عظيمًا، ومن فعله رياءً وسمعة فإنه وإن ترتب على فعله الخير في الدنيا فإنه لا ينال عليه أجرًا يوم القيامة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥].
وفي مقابله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وكذا قوله سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥].
ومن مقاصد القرآن الكبرى أن الله ﷿ بين في القرآن كيفية إدارة أحوال السياسة الداخلية والخارجية للأمة، وذلك ببيان كل ما يحقق المصالح ويدفع المفاسد، كما قال سبحانه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال ﷿: ﴿فَاحْكُمْ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
والله أخبر عن المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم فقال:﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
وقال للنبي ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فجميع أمور المؤمنين واستجلاب مصالحهم واستدفاع مضارهم، كل ذلك متعلق بالشورى التي يصلون بها إلى الرأي السديد في مصالح دينهم ودنياهم، وذلك بإعمال أفكارهم مجتمعة، كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
فإذا تعينت المصلحة في طريق سلكوه، وإذا تعينت المفسدة في طريق تركوه، وإذا كان بذلك الأمر مصلحة ومفسدة نظروا أيها أقوى وأحسن عاقبة فاختاروا الأحسن، وإذا رأوا أمرًا بين الأمور هو المصلحة، ولكن ليست عندهم أسبابه نظروا بأي شيء تدرك تلك الأسباب بلا حصول مضرة عليهم، وإذا رأوا مصالحهم تتوقف على الاسترداد بالصناعات والاختراعات الحديثة وما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم سعوا لذلك بحسب قدرتهم ليستغنوا عن غيرهم بما أباح الله لهم، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وإذا رأوا أن السعي في جمع الكلمة وتوحيد الأمة هو الطريق الأقوم لسعادتهم وأمنهم جدوا واجتهدوا لتحقيق ذلك، وإذا رأوا المصلحة في المقاومة والمهاجمة أو في المسالمة والمدافعة بحسب الإمكان سلكوا من ذلك ما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١].
وقال الله ﷿: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فمصالح المسلمين الداخلية والخارجية في كل زمان ومكان لا تحصل إلا بالشورى التي أرشد إليها القرآن، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وهذا نص في وجوب إعداد القوة العقلية والمعنوية والمادية كلٌ حسب أسباب زمانه، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
فأرشد الله المؤمنين أن يعتزوا بأنفسهم لا بقوادهم، وأن يعتقد كل واحد منهم أن نفس ذلك القائد، وأن يتعلقوا برب الناس لا بالناس حتى لا تتأثر حياتهم بفقد رئيسهم، فيعدون أناسًا للأمور الدينية والدنيوية إذا فقد أحدهم قام بعمله غيره لتكون كلمة الله هي العليا، وتنتظم أمور دينهم ودنياهم، وكذا قوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
أي اتقوا غضب الله وعقابه بفعل ما أمر به من خير وصلاح بحسب الاستطاعة، واجتناب كل نهى الله عنه من مفسده ومضر مطلقة، كما قال النبي ﷺ «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ»أخرجه البخاري.
وكذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
والأمانات كثيرة مختلفة فمن أجلها ولاية الكبيرة والصغيرة والدينية والدنيوية والعامة والخاصة، وقد أمرنا الله ﷿ أن نؤدي الأمانات إلى أهلها بأن يجعل فيها الأكفاء الأتقياء لأن صلاح الأمور بصلاح الرؤساء المتوليين لها وصلاح المدبرين لها، وفساد الأمور بضد ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
فيجب أن تؤدى الأمانات إلى أهلها الذين يمكن أن يقوموا بها، يؤدوا الأمانة فيها فلا يوضع الطبيب مكان المهندس، ولا قائد السيارة مكان قائد الطائرة، ولا الحداد مكان النجار وهكذا، فلا يوضع مدرس الحساب ليدرس الفقه لأن هذا كله من الخيانة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧]
ويجب تولية الأمثل فالأمثل فصلاح الرعية بصلاح ولاتها، وفسادها بفسادهم، ثم على الولاة الحكم بالعدل بين الناس كلهم، ومن لازم العدل معرفة العدل في كل أمر من الأمور، ومن ذلك طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله ورسوله، فطاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله، فإذا أمروا بطاعة الله أطعناهم وإذا أمروا بمعصية الله لم نطيعهم، وإذا أمروا بأمر ليس فيه طاعة ولا معصية مما فيه تنظيم الحياة في مصلحة الأمة فيجب طاعتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وجميع ما شرعه الله ﷿ من القصاص والحدود على الجرائم، وجميع العقوبات والنكال والتخويف لأهل الشر والفساد، وما فيه صيانة لدماء الخلق وأموالهم وأعراضهم كل ذلك من الشرائع الحسنة المتعلقة بالسياسية الشرعية، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والنصح للأمة في كل حال وتعليم شرع الله كل ذلك من السياسية الشرعية التي تصلح بها الأمة ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وكذا الحكم بالحق والعدل واجتناب الباطل والظلم، فكل إنسان له حرية فيما يملك وللآخرين حرية فيما يملكون فمن اعتدى على حق غيره فهو ظالم، والحرية الكاملة جاء بها القرآن والسنة، والحرية الظالمة هي التي تعتدي على حقوق الناس وتمنعهم من التكلم بالخير والتحذير من الشر، وإطلاق هذه الحرية هو من إطلاق عنان الجهل والفساد والعداون الذي يحصل به فسادٌ للأمة وانحلال أمورها: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والإسلام فتح الباب للأولى، وأغلقه عن الثانية تحصيل للمنافع ودفعًا للمضار: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
• من أعظم مقاصد القرآن:
أن الله ﷿ ميز في كتابه بين حقه الخاص وحق رسوله الخاص، والحق المشترك بين الله ورسوله، وحقوق الناس،فالحقوق التي بينها الله في القرآن أقسام:
الأول: حق الله وحده لا شريك له، وهو عبادته وحده لا شريك له في جميع أنواع العبادات، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
الثاني: حق الرسول ﷺ الخاص به وهو تعزيره وتوقيره والاقتداء به وإتباعه، كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الثالث: حق مشترك بين الله ورسوله، وهو الإيمان بالله ورسوله وطاعة الله ورسوله، ومحبة الله ورسوله مع التفاوت في ذلك، فأما حقه سبحانه وهو العبادة وقد ذكره الله في آيات كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وأما حق رسوله كفاه، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وأما الحق المشترك: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٩].
وقال الله ﷿: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٩].
حق مشترك.
وقال الله ﷿: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
خاص بالرسول ﷺ.
وقال الله ﷿: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٩].
حق الله وحده لا شريك له.
وقال الله ﷿: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
حق مشترك.
وقال الله ﷿: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩].
حق مشترك.
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة ٥٩].
حق خاص بالله وحده.
رابعًا: أما حقوق الخلق، فكما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
حق الله.
وقال الله ﷿: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ﴾ [النساء: ٣٦].
حق للخلق، كالقريب والبعيد والمحتاج.
وجميع ما أمر الله به وحث عليه من القيام بحقوق رسوله وحقوق الوالدين والأقارب والجيران وغيرهم، كله حق لله تعالى يقوم به العبد امتثالًا لأمر الله وتعبدًا له.
والإيمان بالله ورسوله لا يستويان وإن اتفقا في الأصل فإنهما مختلفان فالإيمان بالله، إيمانُ بالله لذاته لأنه الرب، والإيمان بالرسول إيمانٌ به لأن الله أرسله وأمرنا بالإيمان به، وتعظيم الرسول من تعظيم الذي أرسله، ولهذا من أطاعه فقد أطاع الله، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
***
مختارات
