القسم الثاني (الخزانة الأولى)
مفاتيح تدبر القرآن الكريم:
مفاتيح تدبر القرآن كثيرة يجمعها عشرة مفاتيح:
المفتاح الأول: حب القرآن الكريم
فاللسان آلة الكلام، والرجل آلة المشي، والقلب آلة الفهم والعقل والإدراك، فمن عرف الله آمن به وأحبه وكبره وحمده وشكره وأحب كتابه العظيم وامتثل أمره العظيم ونال ثوابه العظيم ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
وقال الله ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
والقلوب بيد الله وحده يقلبها كيف يشاء يفتح قلب العبد إذا شاء، ويغلقه إذا شاء وهو الحكيم العليم الخبير بمن يستحق هذا وهذا، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته:﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فالقلوب كلها بيد الله والفتح من الله وحده والتدبر وسيلة مأمورٍ بها، وما يحصل من الفهم والتدبر فهو نعمة من الله وحده تستوجب من العبد الشكر لا الفخر للذي فتح لك معان القرآن: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وبيد الله وحده العطاء والمنع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
والقلوب محل الإيمان والكفر ومحل الحب والكره،والقلب إذا أحب شيء تعلق به واشتاق إليه وشغف به وانقطعت عما سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦].
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
والقلب إذا أحب القرآن تلذذ بقراءته وسهل عليه فهم معانيه وزادت رغبته في امتثال أوامره واجتناب نواهيه:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
• وحب القلب للقرآن له علامات منها:
الفرح بلقائه وقراءته وسماعه والجلوس معه للقراءة التدبر أوقاتًا طويلة دون ملل: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٦].
ثانيًا: الشوق إليه: متى بعد العهد به وتمني لقاءه وزالت الموانع التي حالت دونه والبكاء عند سماعه: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩]
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥].
وقال الله ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨].
ثالثًا: الفرح والتصديق بكل أخباره والمسارعة إلى تطبيق أحكامه أمرًا ونهيًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله ﷿: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]
رابعًا: البحث عن حلول المشاكل من خلاله وكثرة مشاوراته والثقة بتوجيهاته: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ [الزخرف: ٤٣].
هذه أهم أمارات وعلامات حب القرآن فمن وجدها فليحمد الله، ومن فقدها فليسأل ربه أن يرزقه وإياها ويفعل الأسباب التي أمر الشر ع بها ويتوب من ذنوبه:﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦].
وحب القرآن علامة حب الله ورسوله ودينه، فما هي وسائل حب القرآن وكيف نحصل عليها؟.
• ذلك يحصل بأمور:
الأول: العلم بأن القرآن الكريم كلام رب العالمين وأرحم الراحمين، كلام الملك الحق المبين الذي فيه سعادة الخلق أجمعين في الدنيا والآخرة: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
فمن أحب الله أحب كتابه وأحب رسله وأحب دينه وقضى أوقاته في مناجاة ربه بتلاوة كتابه وتدبر آياته: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١].
الثاني: القرآن روح ونور، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
فنسأل الله ﷿ أن يرزقنا حب القرآن والإكثار من تلاوته وحسن تدبره والعمل بأحكامه، ومن رزقه الله حب القرآن فقد رزقه الإيمان وفتح له أبواب الهداية إلى الصراط المستقيم، وفتح له أبواب كتابه ورحمته.
فنستعيذ بالله أولًا من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن لأن الشيطان من أعظم مقاصده أن يقطع طريق الوصول إلى القرآن الذي هو صراط الله المستقيم، لعلمه بأنه من أعظم أسباب الهداية والثبات: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
لهذا أمرنا ﷿ أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل مرة نقرأ فيها القرآن بقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩].
ثم نستعين بالله ليمدنا بالعون والبركة عند تلاوة كتابه فنقول بسم الله الرحمن الرحيم ثم نبدأ بسورة الفاتحة التي تضمنت حمد الله والثناء الله وتمجيده على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
ومن أعظمها نعمة الهداية التي أنزل بها كتابه العظيم:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
ونكثر من الدعاء بحب القرآن:
عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ ﷿ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا،قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ:«أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ».
أخرجه أحمد وابن حبان بسند صحيح.
فما أعظم هذا الدعاء وما أحوجنا إليه في كل وقت، ومن علامات قبول هذا الدعاء انشراح الصد ر لقراءة القرآن وكثرة القيام به في الليل والنهار، وكثرة الحمد على هذه النعمة العظيمة.
الثالث: القراءة عن قضاء القرآن قراءةً وتدبرًا وعملا والإكثار من تلاوته بقلب حاضر، وذلك طريق ميسر لحب القرآن وتعظيمه والمفتاح الرئيسي لتدبر القرآن وفهمه، وعدم حب القرآن وتعظيمه سببه الجهل بقيمته فمن لا يعرف قيمة القرآن زهد فيه وهجره وبخل عليه بالوقت واشتغل بما هو دونه ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
المفتاح الثاني: استحضار أهداف قراءة القرآن الكريم
فبعض المسلمين يقرأ القرآن بقصد تحصيل الأجر والثواب لكنه غافل عن التدبر والنيات الأخرى، وبعض المسلمين يقرأ القرآن ويكرره بقصد تثبيت الحفظ وتجويده، لكنه غافل عن المعاني العظيمة التي تحملها الآيات التي يحفظ من أخبار وأحكام وقصص، لهذا تجد حافظًا للقرآن غير عامل به وغير متخلقٍ به، والحقيقة أن كل عمل صالح كلما تعددت فيه النيات وكثرت كلما كان العمل أعظم أجرا وأكثر ثوابًا وأكثر تأثيرًا على من قام به، وقراءة القرآن العظيم بالتدبر يجتمع فيها للمسلم نيات ومقاصد عظيمة لا تفوت إلا على محروم.
ويجمعها خمس مقاصد كلها عظيمة نافعة، وكل واحدة منها كافية لدفع المسلم والمسلمة للمسارعة إلى قراءة القرآن وتدبره وصحبته ومدارسته والاعتبار بما ورد فيه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وهذه الأهداف المقصودة من قراءة القرآن هي حصول الثواب وحصول العلم وحصول العمل وحصول الشفاء، ولذة المناجاة والدعاء.
فمن قرأ كتاب ربه الكريم مستحضرًا هذه المقاصد العظيمة والنيات الكبيرة كان انتفاعه بالقرآن الكريم أعظم وأجره أكبر، فالنيات تجارة العلماء يربحون بها على الله أكثر من غيرهم: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال النبي ﷺ «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفق عليه.
فمن قرأ القرآن يريد العلم رزقه الله العلم بأنواعه، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعلم بآياته ومخلوقاته والعلم بأحكامه وأوامره، والعلم بوعده ووعيده وثوابه وعقابه، فالقرآن فيه علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون وما سيكون ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
المقصود الأعظم من إنزال القرآن والأمر بقراءة وترتب الثواب عليه هو العلم وما أنزل الله من آية إلا وهو يحب أن يعلم بها الخلق ويعمل بموجبها تصديقًا للأخبار وتطبيقًا للأحكام: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
وقراء القرآن ثلاثة أصناف:
الأول: صنف اتخذوه بضاعة وتجارة يأكلون به المال.
الثاني: صنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده، واستكبروا به على غيرهم واستدروا به الولاة، وقد كثر هذا الصنف من القراء نسأل الله لهم الهداية.
الثالث: صنف قرأ القرآن بألسنتهم وقلوبهم وسمعوا ربهم يتكلم به ويصف عظمة جلاله وجماله وعظمة ملكه وسلطانه وعظمة إنعامه وإحسانه وجمال أخباره وأحكامه وجزيل صوابه وعظيم عقابه، فهؤلاء خير الناس أنار الله قلوبهم بالإيمان والقرآن، فكلامهم نور وأعمالهم نور ومجالسهم نور يسقي الله بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
والعلم الذي يريده العبد من القرآن هو العلم الذي يحقق السعادة للعبد في الدنيا والآخرة.
• وهو ثلاثة أقسام:
١ - العلم بالله بأسمائه وصفاته وأفعاله.
٢ - العلم بأركان الإيمان.
٣ - والعلم بأركان الإسلام وأوله العلم المقتضي للاستغفار.
والعلم بالله هو العلم بلا إله إلا الله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
العلم الذي يورث الاستغفار والخشية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
فالعلماء حقا هم العلماء الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الله ﷿: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
فالعالم الحق هو من يخشى الله تعالى، وإن كان لا يعرف كتابة اسمه، الذين ﵁ م ورضوا عنه من الصحابة أكثرهم لا يعرف الكتابة، لكنه يخشى الله ويتقيه ويطيع الله ورسوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
يجب علينا أن نقرأ القرآن باستمرار قراءة تدبرٍ وتفكرٍ، قراءة من يستعد للاختبار فيه، والمسلمون منهم الجاد في قراءة القرآن ومنهم المهمل والمقصر، فمن أراد الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة؛ فليمسك بكتاب ربه ليتعلم منه ويعمل بموجبه ويتخلق بأخلاقه: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وقال الله ﷿: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ [الزخرف: ٤٣].
ومن فعل ذلك نفعه توحيده وكان معه ربه، وحفظه من كل شر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وقال موسى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦٢].
وقال يوسف معاذ الله: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [يوسف: ٢٣].
وكل حدثٍ أو مشكلة في الحياة ففي القرآن حلًا لها وجوابًا عليها، ومن قرأ القرآن بتدبر أوصله الله إليها، فقراءة الألفاظ وسيلة لقراءة المعاني التي هي المقصودة: ﴿الم (١)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢].
ومن أراد السعادة البدنية والقلبية فليطلبها بالقرآن الكريم قراءةً وتدبرًا وعلمًا وعملًا وأدبًا وخلقًا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
والقرآن الكريم كتابٌ عظيمٌ جامع، فهو كتاب الدعوة إلى الله، والنبي ﷺ كان يكتفي بتلاوة القرآن على الكفار فيحدث ذلك أثرًا في نفوسهم، ويشدهم إلى المزيد من سماعه لما فيه بيان الحق ويسر العمل به وحسن ثوابه، وصرف الناس إلى ربهم الذي خلقهم ورزقهم وهداهم بإعلان العبودية له وحده لا شريك له، وهو بهذا مستجيب لأمر ربه الذي أمره بقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق: ٤٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]
وقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ [النمل: ٩٢].
فعلينا دعاة وعلماء ومُصلحين ومُربين وعُبادًا نهتم بهذا الأمر ونقتدي بالنبي ﷺ في كل ذلك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
إن انشغال أكثر المسلمين اليوم بمؤلفات البشر وطلبهم للشفا والعافية بها يشبه الاكتفاء بأطعمة ترضي الذوق والمزاج في حين أنها تهدم الجسد وتفسده، فعلينا أن نستفيد من القرآن الذي كله هدىً وشفاء ورحمه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩].
والقرآن العظيم يحيي الله به القلوب، كما يحيي الأرض بالماء: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
فحياة القلوب تكون بذكر الله وتلاوة كتابه، كالأرض الميتة تكون حياتها بالماء: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
والقرآن ربيع المؤمن يثمر له أنواع الخيرات والبركات، كما أن الماء ربيع الأرض ينبت فيها أنواع النباتات، ولهذا نرى من زكاة القلوب ورقتها ولينها وأنسها في رمضان حين يتوالى عليها سماع القرآن وقراءته ويكثر القيام به في لياليه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وتزكية الإنسان وإصلاح قلبه تكون بأمرين:
الأول: التعلم والتعليم: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الثاني: العمل والسلوك، ومن أراد تغيير فكره وعمله وحياته وأخلاقه للأحسن فعليه بقراءة القرآن: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
استحضار أهداف قراءة القرآن الكريم:
قراءة القرآن بقصد العمل به، ينبغي لحملة القرآن الكريم العمل بموجبه بتصديق أخباره وتطبيق أحكامه، فالعالم حقًا من عمل بما علم ووافق علمه عمله وطابق علانيته سريرته، فأولى الناس بالقرآن من اتبعه وإن لم يكن قرأه.
فقارئ القرآن يجب أن يكون أول من يعمل به فيسأل نفسه عند القراءة، متى أكون من المتقين، متى أكون من المحسنين، متى أكون من الصادقين، من الخاشعين، من الصابرين، متى أنهى نفسي عن الهوى، متى أزهد في الدنيا، متى أكون مستقيمًا، متى أكون داعيًا إلى الله، متى أكون معلمًا لشرع الله، ومن الناس من يقول قرأت القرآن كله فما أسقطُ منه حرفًا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى القرآن له في خُلقٍ ولا قولٍ ولا عمل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢].
والرسول ﷺ كان خُلقه القرآن يتأدب بآدابه ويحل حلاله ويحرم حرامه ويصدق أخباره ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ويغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ولنا فيه أسوة في نيته وأقواله وأعماله وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وإنما جمع القرآن حفظًا وتدبرًا من سمع له وأطاعه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
فالقرآن كله تربية وإصلاح وتعليم وتوجيه وإرشاد، فنقرأ القرآن بنية هذه الأمور العظيمة، بنية العلم والعمل، بنية البحث عن العلوم والأعمال والصفات التي تزكو بها النفوس: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨].
فالقرآن الحكيم فيه تبيان كل شيء، وإسعاد البشرية في كل شيء، وحل جميع المشاكل على مستوى الأفراد والشعوب والأمم، ومن اهتدى بغير القرآن فلن يهتدي؛ لأن القرآن كتاب الهداية وحده، وتطبيقه في السنة النبوية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وقال الله ﷿: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٧ - ١٣٨].
ومن قرأ القرآن لطلب الأجر والثواب، وبحث عن أسباب السعادة في غيره وعطل القرآن عن العمل بما فيه من أخبارٍ وأحكامٍ وأخلاق، فقد عطل القرآن عن أعظم مقاصده وهو العمل به وضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانا مبينًا ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقال الله ﷿: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
أما قراءة القرآن بقصد طلب الاستشفاء به، فالقرآن كله هدىً وشفا ورحمة وموعظة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والقرآن العظيم شفاءُ للقلوب والأبدان من جميع الأمراض والأسقام والعلل والأدواء.
• والشفاء بالقرآن أربعة أنواع:
الأول: شفاء القلوب من أمراض الشبهات، وأمراض الشك والريب والنفاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧].
الثاني: شفاء القلوب من أمراض الشهوات الحيوانية التي تمنع من الاستجابة لامتثال الأوامر الإلهية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال الله ﷿: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
والقرآن يبين للناس أن الدنيا دار تكميل الإيمان والأعمال الصالحة، مع الأخذ من الطيبات بقدر الحاجة وتكميل الشهوات يوم القيامة في الجنة: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦].
الثالث: شفاء الصدور من الهم والحزن والضيق والقلق والخوف والرعب والوساوس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله ﷿: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤].
الرابع: شفاء الأبدان من الأسقام والعلل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
وكل إنسان يسعى لشفاء قلبه وبدنه، ولا يوجد ذلك إلا في القرآن الكريم، الذي بين الله الهدي من الضلالة والحق من الباطل، وبين فيه الحلال من الحرام والطيبات من الخبائث، والشفاء في هذا وهذا فقط.
وإذا استحضر قارئ القرآن هذا الأمر حصل له الشفاءان العلمي القلبي والمادي البدني بإذن الله ﷿، فهو الشافي الذي بيده الشفا وعنده خزائن الشفاء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله ﷿: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
• والاستشفاء بالقرآن يكون بأمرين:
الأول: قراءة القرآن آناء الليل والنهار خاصة القيام به في جوف الليل الأخر وقت نزول الإله إلى السماء الدنيا، ولأن النفوس بعد القيام من النوم تكون صافية حاضرة فيحصل لها فهمٌ عميقٌ للقرآن وحسن التدبر لآياته وفقه لأخباره وأحكامه؛ ليمتلئ القلب بنور الإيمان ويطمئن بذكر الله ويرى ربه ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد،فيسلم قلبه وجوارحه وأوقاته لربه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١ - ٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
والمقصود من قراءة القرآن وسماعه توصيل القرآن إلى القلوب لتهتدي به وتستشفي به من جميع الأمراض البدنية والقلبية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
وقال الله ﷿: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
الثاني: الرقية بالقرآن، فالقرآن العظيم شفاءٌ من كل داء بدني أو نفسي لما فيه من ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وتمجيد الملائكة الكرام المقربين وتحقير المردة والشياطين، والريق الناتج من تلاوة آيات القرآن الكريم له أثر عظيم في القوة والنشاط والطمأنينة والراحة والعافية:﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
فالمسلم يرقي نفسه، أو يرقيه غيره بالسور والآيات القرآنية والأدعية والأذكار القرآنية فيحصل الشفاء بيد الله، فمن قرأ القرآن أو سمعه بنية حصول الشفا والعافية وتقين على ذلك وتوكل على من بيده خزائن كل شيء، شفاه الله من علله وأسقامه البدنية والقلبية ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧].
اللهم رب الناس أذهب الباس أنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك، شفاءً لا يغادر سقمًا: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠].
والاستشفاء بالقرآن ميسر لكل أحد آمن بالله، وصدق بما في كتابه العظيم ولزم تدبره وتلاوة فأرقي نفسه بنفسه بكتاب ربه، وهذا يغنيه إذا نزل به مرض أو ضيق عن أن يجوب الآفاق ويطوف في البلاد ليبحث عن القراء والمعالجين، والأمر أيسر من ذلك ولله الحمد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]
فالله سبحانه حين يبتلي عباده بالمصائب والأمراض فإنما يريد منهم أن يتضرعوا إليه ويتذللوا بين يديه، ولا يذلوا نفسهم لأحد سواه، فما ابتلى سبحانه إلا ليعافي وما منع إلا ليعطي، وما قبض إلا ليبسط.
وقد شرع لنا الدعاء والتوبة والاستغفار ليزول عنا البلاء ويحصل الشفاء، والقيام الطويل بالقرآن هو من أهم صور التذلل لله سبحانه والتضرع بين يديه، كما يحصل في قرآن الفجر وصلاة الكسوف، القيام بالقرآن قراءة وتدبرًا من أقوى أسباب العافية والشفاء: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
وقال الله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
استحضار أهداف قراءة القرآن الكريم:
قراءة القرآن بقصد مناجاة الله السميع البصير، فالله ﷿يحب كلامه ويحب من ناجاه ويحب من وقف بين يديه تاليًا لكتابه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وقال تعالى: وقال تعالى: وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤].
ومن أراد الانتفاع بالقرآن فليجمع قلبه عند تلاوته أو سماعه ويلقي سمعه ليفهم خطاب ربه، ويحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وتذكر يا قارئ القرآن أنه يجتمع لك في المناجاة بالقرآن خمس معانٍ عظيمة وهي:
١ - أن الله يحبك حين تقرأ القرآن
٢ - وأنه يسمعك إذا قرأته
٣ - وأنه يراك حين تقرأ
٤ - وأنه يمدحك ويثني عليك في الملأ الأعلى
٥ - وأنه سيعطيك ما تسأل
كما قال النبي ﷺ «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَجْهَرُ بِالقُرْآنِ» متفقٌ عَلَيْهِ.
ومعنى أذن أي استمع، فعلينا حين نقوم بالقرآن نتلوه بين يدي الله في الصلاة وخارجها أن نستحضر هذه المعاني العظيمة، ونستحضر عظمة من تكلم به، وعظمة من أنزله ويسر لنا تلاوته، ومن رزقه الله هذا الفهم شعر بلذة قراءة القرآن، ولم يشبع من قراءته وتكراره وحلاوة ألفاظه ومعانيه، خاصةً إذا أيقن أن الله يراه ويستمع لقراءته ويمدحه ويثني عليه بحسن ترتيله وخشوع قلبه ويباهي به ملائكته المقربين؛ لأنه قائم يناجي ربه بكلامه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٦].
وبهذه المناجاة يرى العبد أن ربه يخاطبه مباشرة، وأنه يستمع له فإذا مر بآية فيها تسبيح سبح ربه، وإذا مر بآية فيها سؤال سأل، وإذا مر بآية فيها وعيد استعاذ بالله، وإذا مر بآية فيها أمر أجاب، وإذا مر بآية فيها نهي اجتنب، وهكذا تكون المناجاة بالقرآن بقراءة حية يعي فيها القارئ لمن يقرأ، وماذا يقرأ، ولماذا يقرأ، ومن يخاطب بقراءته، وماذا يحتاج منه وما يجب له نحوه من التعظيم والتكبير والحمد والشكر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣].
وقال الله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
وأما قراءة القرآن بقصد الحصول على الثواب العظيم، فالقرآن متعبد بتلاوته، ومتعبد بتدبره، ومتعبد بالعمل به فقراءة الحرف الواحد بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وترتب الأجور العظيم على قراءة القرآن للترغيب في قراءته وتدبره، ثم العمل به وإبلاغه للناس: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وقال الله ﷿: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ».
رواه الترمذي بسند صحيح.
قال ﷺ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ويُتَعْتِعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌ لَهُ أَجْرَانِ».
متفق عليه.
وقال ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
أخرجه البخاري.
وقال ﷺ: «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ».
أخرجه مسلم.
وقال ﷺ: «إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ».
أخرجه الترمذي بسند صحيح.
وقال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ».
متفق عليه.
وقال ﷺ: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».
أخرجه مسلم.
فهنيئًا لمن تلا كتاب ربه بالنفع عظيم والعلم الكبير والأجر الكريم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وإذا امتلأ القلب بحب القرآن والعلم بما فيه، والعمل به وحسن مناجاة الله به، وطلب الثواب بتدبره وقراءته بكى القلب حبًا لله وتعظيمًا له وحمدًا لله وأكثر اللسان من ذكره وحمده وشكره والتوبة إليه واستغفاره، وإذا خلا القلب من المعاصي بكت العين إجلالًا وتعظيمًا وحبًا للملك الكريم الوهاب: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩]
وقال الله ﷿: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
المفتاح الثالث: أن يقرأ المسلم القرآن حفظًا من قلبه، فالقلب العامر بحفظ القرآن لا يقربه شيطان، كما قال سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت: ٤٩].
فالقلوب أوعية الإيمان والقرآن، وكما أن البيت الخرب مأوى الشياطين، فكذلك القلب الفارغ من القرآن مأوى الشياطين: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦].
وعن ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ».
أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح (١).
والمؤمن الحافظ لكتاب الله ﷿ أو الحافظ لبعضه جنته وبستانه في صدره، أنى ذهب فهي معه يأخذ منه ما شاء متى شاء، ويزداد بها ثباتًا ويقينًا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
ومثل حافظ القرآن وغير الحافظ كاثنين في سفر، أحداهما زاده التمر، والثاني زاده الدقيق، فالأول يأكل متى يشاء وهو على راحلته، والثاني لابد له من النزول والعجن وإيقاد النار والخبز: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله ﷿: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فحفظ القرآن الكريم أحد مفاتيح التدبر؛ لسهولة استحضاره بشكل سريع ومباشر، وتدبر معانيه في كل وقت، والعلاقة بين الحفظ والتدبر لآيات القرآن أن حفظ القرآن وتكرار قراءته وترديده وهو محفوظ أفضل من تكرار قراءة نظرًا؛ لأن التفكر في المحفوظ مستمر.
أما غير المحفوظ فيقف التفكر فيه عند إغلاق المصحف، وحفظ القرآن الكريم وسيلة لا غاية، وسيلة لحفظ المعاني والانتفاع بها، والمقصود الأعظم من حفظ القرآن تدبر معانيه وحفظ ما تضمنه من العلوم والأخبار والأحكام، وأعظمها العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم العلم بدينه وشرعه والعلم باليوم الآخر، ثم التعبد لله بمقتضى ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
وحفظ القرآن وتكرار قراءته أعظم وسيلة للثبات أمام الأزمات: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [الفرقان: ٣٢].
***
مختارات

