الخزانة الرابعة..
• وصف الله ﷿ من لم يحكم بما أنزل الله بثلاث صفات:
الكفر.
الظلم.
الفسق.
فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
فالظلم صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله، فهو كافر باعتباره رافض للألوهية الله سبحانه، واختصاصه بالتشريع لعباده وحده، وهو ظالم بحمل الناس على شريعة، غير شريعة الله الصالحة المصلحة لأحوالهم، وهو ظالم لنفسه بإيرادها موارد الهلكة، وتعرضيها لعقاب الكفر، وتعريض حياة الناس، وهو معهم للفساد.
وصفة الفسق، صفة ثالثة تضاف إلى صفة الكفر، والظلم من قبل، فمن رد الأمانة، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فهو فاسقٌ بخروجه عن منهج الله، وإتباع غير طريقه.
فالكفر برفض ألوهية الله مثلًا في رفض شريعته، والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله، والفسق بالخروج عن منهج الله، وتجاوزه إلى غيره.
لقد ربى الله ﵎ هذه الأمة بمنهج القرآن، وقوامة رسول الله ﷺ، حتى وصلت إلى المستوى الذي تؤتمن فيه على دين الله في نفوسها، وحياتها، وقوامتها على البشرية، لقد رباها الله ﷿ بشتى التوجيهات، وشتى المؤثرات، وشتى التشريعات، وشتي الابتلاءات: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقد حقق الله ما يريده بهذه الأمة، فقامت في واقع الحياة الأرضية، في عهد ﷺ تلك الصورة المضيئة من دين الله، حين كان دين أولئك سمعنا، وأطعنا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وبأداء هذه الأمانة، وتحقيقها في واقع النفس، وفي واقع الحياة، صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، ونقلها الله ﷿ من شر القرون إلى خير القرون، ومن شر البرية إلى خير البرية، فنقلها من الشرك إلى التوحيد، ومن الظلم إلى العدل، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الجهل إلى العلم، فكانت خير أمة أخرجت للناس، وكانت أبرها للأمة قلوبا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وتملك البشرية ذلك اليوم حين تعود إلى ربها، وتجاهد لبلوغ رضاه، فيعينها الله، والله غالب على أمره، وبيده مقاليد الأمور.
• والناس في أداء الأمانة قسمان:
القسم الأول: قسم خلقه الله لجهنم، وهؤلاء هم الذين خانوا الأمانة، الذين ينكرون الحق، ويكذبون به، فلهم جنهم.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
القسم الثاني: قسم متمسكون بالحق، ويدعون الناس إليه، ويحكمون به، ويدافعون عنه، ولا ينحرفون عنه، وهم الذين أدوا الأمانة، كما قال سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١].
فهذه الأمة ثابتة على الحق، العاملة به في كل حين، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، فهم يهدون بالحق، ويدعون إلى الحق، ويعملون بالحق، فهم لا يقتصرون على معرفة الحق، والعمل به، إنما يتجاوزونه إلى الهداية به، والدعوة إليه، ويتجاوزون معرفة الحق، والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس، والحكم بينهم تحقيقًا للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق.
فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علمٍ يعرف، ويدرس، ولا مجرد وعظٍ يهدى به، ويعرف، إنما جاء هذا الحق؛ ليحكم أمر الناس كله بلا استثناء.
قال الله تَعَالىَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
يحكم اعتقادهم، ويحكم شعائرهم التعبدية، ويحكم حياتهم الواقعية، ويحكم أخلاقهم، وسلوكهم، ويحكم أفكارهم، وعلومهم، يصبغها بلونه، ويضبطها بموازينه.
قال الله تَعَالىَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق وحده: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
والأموال، والأولاد فتنة، قد تقعد الناس عن استجابة الله، والرسول؛ خوفًا، وبخلا، والحياة التي يدعو إليها رسول الله ﷺ حياة كريمة، لابد لها من تكاليف، ولابد لها من تضحيات، ولقلب هذا الحرص، ينبه الله عبادة إلى فتنة الأموال، والأولاد، فهي موضع فتنة، وابتلاء، ويحذرهم من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان، ومن التخلف عن دعوة الجهاد، وعن النقوص عن تكاليف الأمانة، والعهد، والبيان، واعتبار هذا كله خيانة لله، والرسول، وخيانة للأمانات التي تطلع بها الأمة المسلمة في الأرض، والتي تميزها عن سائر البشر، وهي إعلاء كلمة الله في الأرض، وتقرير ألوهيته وحده للعباد، والوصاية على البشرية بالحق، والعدل، وتنفيذ أوامر الله في عباده على مدار الزمان، ومع هذا التحذير، التذكير بما عند الله من أجر عظيم، يرجح بالأموال، والأولاد التي تقعد الناس عن التضحية، والجهاد في سبيل الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]
فعلى الأمة المسلمة، التي آمنت بالله، أن تجاهد لتقرير عقيدة الإيمان في القلوب، وإقامة منهج الله في خلقه، وبذلك تكون قد أدت الأمانة، التي حملتها.
الإسلام ليس كلمة تقال باللسان فقط، وليس مجرد عبادات، وأدعية، وأذكار فقط، إنما هو مع ذلك منهج حياة كاملة، شاملة؛ لبناء واقع الحياة الإنسانية، على قاعدة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وذلك برد الناس إلى العبودية لربهم الحق، ورد المجتمع كله إلى حكمه، وشرعه، ورد الطغاة المعتدين على ألوهية الله، وسلطانه، من الطغيان، والاعتداء، وتأمين الحق، والعدل، ومكارم الأخلاق للناس جميعًا، وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت، وتعمير الأرض، والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن الله بمنهج الله، وفق سنة رسول الله ﷺ.
قال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وكل هذه أمانات عظيمة، من لم ينهض بها فقد خانها، وخان عهد الله الذي عاهد الله عليه، ونقض بيعته التي بايع بها رسوله، وأداء ذلك كله يحتاج إلى الصبر، والتضحية، وإلى الاستعلاء على فتنة الأموال، والأولاد، وإلى التطلع إلى ما عند الله من أجر عظيم، لمن أدى الأمانة، واعلموا:﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٥].
فقد وهب الله عباده الأموال، والأولاد ليبلغهم بها، ويفتنهم بها، فهي من زينة الحياة الدنيا، التي تكون موضع امتحان، وابتلاء، ليرى الله فيها صنع العبد، وتصرفه، أيشكر الله عليها، ويؤدى حق النعمة فيها؟ أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها، أمانة الله الذي أتمنه الله عليها، فإذا انتبه القلب لموضع الامتحان، والاختبار، كان ذلك عونًا له على الحذر، واليقظة، لئلا يخفق في الامتحان، ثم لا يدعه الله بلا عون منه، ولا عوض.
فقد يضعف الإنسان بثقل الأمر، خاصة في موطن الضعف في الأموال، والأولاد، فيلوح الله له بما هو خير له من ذلك، وأبقي؛ ليستعين به على مقاومة الفتنة، ويتقوى، ويثبت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦].
وبعض الناس يظن أن الاعتراف بألوهية الله في ذاته، والإيمان، وأن الناس متى اعترفوا بأن الله إلههم، فقد بلغوا الغاية، دون أن يربتوا على الألوهية مقتضاها، وهو العبودية، فيطيعونه، ويخضعون له في كل شيء، فلا يتقدمون بالشعائر التعبدية إلا له، ولا يحكمون في أمرهم كله غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وبعضهم يظن أن العبودية، تتحقق بمجرد تقديم الشعائر لله، ويحسبون أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده، من صلاة، وذكر، وتلاوة قرآن، فقد عبدوا الله وحده، بينما كلمة العبادة اشتقت من عبد، وعبد تقيد ابتداء، وهو عبد تفيد ابتداء دان، وخضع، وما الشعائر إلا مظهر واحد من مظاهر الدينونة، والخضوع لله، وهذا لا يستغرق كل حقيقة الدينونة، ولا كل مظاهرها.
يا حسرة على العباد من سوء الفهم! وسوء الظن! وسوء الجهل!.
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس: ٣٠].
إن الجاهلية ليست فترة من الزمان مرت فقط، إنما هي انحصار معنى الألوهية، والعبادة على هذا النحو، هذا الانحصار الذي يؤدي بالناس إلى الشرك، وهم يحسبون أنهم على دين الله، كما قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
فهل يليق بالمسلمين أن يؤدوا الشعائر لله، بينما أربابهم في الحياة غير الله يشرعون لهم ما لم يأذن به الله، فيطيعونهم، وتلك عبادتهم إياهم.
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١: ٦٠].
والله ﷿ هو الذي خلق هذا الكون، وله الأمر، والحكم فيه، وحده لا شريك له، فهو الذي يحكم لعباده بسلطانه، وشريعته، وهو الذي يدينون له وحده، ويخضعون لأمره، ولنهيه وحده، ويتبعون ما شرعه لهم في جميع أحوالهم، ولا يجوز لهم أن يشركوا معه أحدًا سواه.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
إن على المصلحين، والدعاة إلى الله، والعلماء، أن يعملوا لإعادة هذا الدين في حياة الأمة إلى الوجود الفعلي في مختلف شعب الحياة، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ حلت شرائع البشر محل شريعة الله، في أغلب بقاع الأرض، وخلى وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام، وإن بقيت المآذن، والمساجد، والأدعية، والشعائر، تخدر مشاعر الباقيين على الولاء العاطفي، الغامر، لهذا الدين، وتوهمهم أنه لا يزالوا بخير، وهو يمحى من الوجود محوًا، وتطرد شرائعه، وأحكامه من واقع الحياة طردًا، وتهمد أركانه، وواجباته، وسننه كل حين: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١٠٩ - ١١٠].
إن مجتمع التوحيد، والإيمان قد وجد في مكة قبل أن توجد الشعائر التعبدية من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وغيرها.
وقبل أن توجد المساجد، وجد من يوم قيل للناس:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
ومن حين قيل للناس: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف: ٦٥].
فعبدوه، ولم تكن عبادتهم حين إذا ممثلة في الشعائر، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة لله وحده في كل شيء قبل نزول الشرائع.
وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطانٌ ماديٌ، فالأرض تنزلت الشرائع، والشعائر، وأدان الناس لربهم بهذا، وهذا على حدا سواء.
إن الناس لا تتحول أبدًا من الجاهلية، وعبادة الطواغيت إلى الإسلام، وعبادة الله وحده إلا عن طريق ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة من أول يوم فأفلحت.
ذلك الطريق الذي بدأ بفرد وهو الرسول ﷺ ثم تتبعه طليعة مؤمن، ثم تتحرك هذه العصبة في وجه الجاهلية، وتعانى ما تعانى حتى يحكم الله بينها، وبين قومها بالحق، ويمكن لها في الأرض، فتقيم الشعائر، والشرائع في جميع أحوالها، ثم يدخل الناس في دين الله أفواجًا.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وهذه الأمة التي اختارها الله لحمل أمانة الدين، والدعوة إليها لها صفات، وعليها واجبات، ولها مكانة عند الله، ومكانة عند الناس.
وقد جمع الله المنهاج الذي رسمه لهذه الأمة، ولخص التكاليف التي ناطها به، وقرر مكانها الذي قدره لها بقوله:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].
إن الله ﷿ يناديهم بالصفة الذي ميزهم بها عن غيرهم، وهى الإيمان، ثم يأمرهم بالركوع، والسجود، وهم ركنا الصلوات البارزات، ثم يأمرهم ثالثًا بالأمر العام بالعبادة، وهى أشمل من الصلاة، فعبادة الله تشمل الفرائض كلها، وتزيد عليها كذلك كل عمل، وكل حركة، وكل نية يتوجه بها العبد إلى ربه ثم يختم بفعل الخير عامة بالتعامل مع الناس بعد التعامل مع الله فالصلاة، والعبادة.
***
مختارات

