الخزانة الثانية..
• حكم الوفاء بالعهد:
يجب على المسلم إذا عاهد مسلمًا، أو كافرًا، أن يفي بعهده معه، سواء كان فردًا، أو حاكمًا، وإذا عاهد الإمام المشركين على ترك القتال فله معهم ثلاث حالات:
الأولى: أن ينقض العهد، فحينئذٍ يبطل العهد الذي بيننا وبينهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [التوبة: ١٢ - ١٣].
الثاني: أن يستقيموا على العهد، فحينئذ يجب علينا أن نستقيم على العهد حتى تنتهي المدة، كما قال سبحانه:﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ [التوبة: ٧].
وقال ﷿: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ٣ - ٤].
الثالث: أن نخشى أن ينقضوا العهد، فهنا ننبذ إليهم العهد، ونقول لهم صراحة أنه لا عهد بيننا وبينكم الآن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٥ - ٥٨].
الأمانة هي حفظ كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وحفظ قلبك وجوارحك عن ما لا يرضي الله ﷿ وحفظ ما اؤتمنت عليه من حقوق الناس، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧٣].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧].
وقد وصف الله المؤمنين بصفات منها رعاية الأمانة، وأدائها، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
والأمانة التي عرضها الله على آدم ﷺ هي التكاليف الشرعية مع ما يتبعها من ثواب، وعقاب، وقد عرضها الله على السموات، والأرض، والجبال، فأبين أن يحملن، وأشفقن منها خوف من عواقب حملها أن يشاء لهن من ذلك عذاب الله، وسخطه، ثم تحمل هذه الأمانة الإنسان الذي هو آدم ﷺ والإنسان ظلومٌ جهول ظلومٌ لنفسه، جهول بعواقب الأمور.
• لهذا انقسم بنو آدم إلى قسمين:
الأول: من تحمل الأمانة، وأداها، وهم المؤمنون.
الثاني: من تحمل الأمانة، وخانها، وهم المنافقون، والمشركون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
والأمانة أنواع:
١ - فامتثال أوامر الله أمانة.
٢ - واجتناب النواهي أمانة.
٣ - والعبادة أمانة.
فالصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والصوم أمانة، والأمانة تحقق الأمان، والطمأنينة في الدنيا، والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]
وكل رسولٍ قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾ [الشعراء: ١٠٧].
والأمين المؤمن في الجنة، والخائن في النار، والولاية أمانة، فيجب أدائها بحق، وإلا كانت سببًا لهلاك الإنسان.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا».
أخرجه مسلم.
فلا دين لمن لا أمانة له، والمؤمن هو من أمنه الناس على دمائهم، وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، ومن علامات الساعة: خيانة الأمانة، فإذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة.
عن أبى هريرة ﵁ قال: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَومَ، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقالَ بَعْضُ القَومِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ،وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إذَا قَضَى حَدِيثَهُ قالَ: أيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ قال: هَا أنا يَا رسُولَ اللهِ.
قال: إذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ قال: كَيفَ إضَاعَتُهَا؟ قال: إذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».
رواه البخاري (١).
ومن خان الله، ورسوله، فهو جديرٌ بخيانة كل أحد: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [الأنفال: ٧١].
• فقه الأمانة:
الأمانة هي: ما يكون للغير عندك من حقوق، وأنت أمين عليها، إن شئت فعلتها، وإن شئت لم تفعلها، وهي شيء تقبله ممن ائتمنك، وليس للغير شاهد عليك إلا أمانتك، وذمتك، إن شئت أقررت، أو أنكرت: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
ولما تحمل الإنسان الأمانة، فمنهم من أداها، ومنهم من خانها: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣].
، وهؤلاء الذين خانوا الأمانة.
وقال الله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: -٧].
، وهؤلاء الذين أدوا الأمانة.
والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢].
فالله أودع فينا أمانات في قلوبنا، وجوارحنا، وأعطانا الاختيار في أداء الأمانة، وعدم أدائها.
• ومن لوازم الأمانة الاختيار:
١ - اختيار الإيمان، أو الكفر.
٢ - اختيار الطاعات، أو المعاصي.
٣ - اختيار الخير، أو الشر ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
والله سبحانه لما خلق آدم ﷺ أخرج من صلبه جميع ذريته، وأشهدهم على أنفسهم، ألست ربكم، قالوا: بلى، ثم أعادهم إلى صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق، من أصلاب الرجال، وأرحام النساء فإذا اكتملوا،أذن الله بقيام الساعة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢].
والدين كله أمانة، فقد ائتمن عليه آدم، وذريته، وائتمن عليها الجن، والإنس، فالدين أمانة، وكلمة الحق أمانة، والدعوة أمانة، والعبادات كلها أمانة، والمعاملات أمانة، والحكم بما أنزل الله أمانة، والأخلاق العالية أمانة، والأمر بالمعروف أمانة، والنهي عن المنكر أمانة، وتعليم شرع الله أمانة، والجهاد في سبيل الله أمانة، والنصيحة أمانة، والتواصي بالحق أمانة، وعقد، وعهد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
وخيانة الأمانة من أعظم الجرائم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٩].
• والحكم بما أنزل الله أمانة، والحكام ثلاثة أقسام:
الأول: حاكم يحكم بشرع الله، ويتقيه، فهذا يجب محبته، ومعاونته، ويحرم الخروج عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
الثاني: حاكم يحكم بشرع الله، ولكن فيه فسق، وجور، وظلم، فهذا الذي ينبغي أن نصبر عليه، كما قال النبي ﷺ:«عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إِلا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَمَنْ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ عَلَيْهِ وَلا طَاعَةً».
أخرجه مسلم.
الثالث: الحاكم المبدل لشرع الله، الخارج عن شرع الله، الكافر بدين الله.
• فهذا يجوز الخروج عليه بشرطين:
الأول: أن يأتي بكفر بواح.
الثاني: أن يغلب على الظن أن الخروج عليه سوف يزيله.
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
لم يخلق الله عباده عبثًا، ولم يتركهم سدى لا أمر ولا نهى،كما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]
بل خلقهم الله ﷿ لأمرٍ عظيم هو عبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادات من سواه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فالله ﷿ خلق العباد لأمرٍ عظيم عرضه على السموات، والأرض، والجبال، فأبين أن يحملهن، وأشفقن منه، وحملها الإنسان على ضعفه، وعجزه عن حمله؛ لظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم؛ لشدة مئونته عليهم، وثقله، فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة لا ينظرون إلى معرفة موجدهم، ولا إلى حقه عليهم، ولا في المراد من إيجادهم، وإخراجهم إلى هذه الدار التي هي معبرٌ إلى دار القرار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في هذه الدنيا الفانية، وسرعة رحيلهم إلى الدار الآخرة الباقية ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني الباطلة، فآثروا ما يفنى عن ما يبقى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
فما أشد غفلة الإنسان عن ربه!
ما أجهله بربه، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملكه، وسلطانه، ودينه، وشرعه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فما أعظم غفلة الإنسان عن ربه وعن ما يراد به، فأنفاسهم معدودة، وأيامهم محدودة، ومطايا الليل، والنهار تسرع به، ولا يتفكر إلى أين يحمل، ولا يدرى إلى أي الدارين ينقل إذا نزل به الموت اشتد قلقه؛ لخراب ذاته، وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته، وسلف من تفريطه أجير إن ربى غفور رحيم.
كأنه لم ينبأ بأن عذاب الله هو العذاب الأليم يبيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر في أبدٍ لا يزول بأضغاث أحلام، وباع جنة عرضها السموات، والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات باع لذة النظر إلى وجهه العزيز الرحيم بالنظر إلى الناقص الفاني ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣].
فالأمانة هي التكليف، والإلزام بما يجب، وقد عرضها الله على السموات، والأرض، والجبال، فأبت حملها لما فيها من المشقة، ولما تخشى من إضاعتها، وحملها الإنسان بأمرين:
العقل.
والرسل.
العقل الذي أعطاه الله للإنسان؛ ليعقل به الأمور يعرف به ما ينفعه، وما يضره: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
والرسل الذين أرسلهم الله للناس يبينون لهم الحق من الباطل، فلم يبقى للناس عذر: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
***
مختارات

