الخزانة الثانية..
• أفضل الذكر:
أفضل الذكر كلمة التوحيد لا إله إلا الله، أما الأسماء المضمرة، التي وردت في كلمة التوحيد فهي ثلاثة: أنا، وأنت، وهو.
وأعرف هذه الضمائر أنا؛ لأن كل أحد يشير به إلى نفسه، وأوسطها أنت؛ لأنها خطاب للغير بشرط كونه حاضرًا، وأدناها هو؛ لأنه يدل على الغائب.
وكلمة التوحيد جاءت في القرآن بكل واحدة من هذه الألفاظ الثلاثة.
١ - فلفظ " أنا " جاء في سورة طه، كما قال سبحانه:﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]، وغيرها من الآيات.
٢ - " وأنت " جاء في قوله سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧].
٣ - ولفظ " هو " جاء في سورة البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
، وغيرها.
فقول لا إله إلا أنا، لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا الله، أو من يذكره على سبيل الحكايات عن الله؛ لأنه لا يعرف الله على سبيل التمام، والكمال إلا الله وحده لا شريك له.
والثانية: لا إله إلا أنت، فهذه يصح ذكره بها من العبد، بشرط أن يكون حاضرًا لا غائبا، وذلك عند حضوره عند المناجاة، وغيبته عما سوى الله.
والثالثة: لا إله إلا هو، فهذه يصح ذكر الله بها من الغائبين، ودرجات الحضور بين يد الله مختلفة بالقرب، والبعد، وكمال التجلي، ونقصانه، وكل درجة من درجات الحضور ناقصة، فهي غيبة بالنسبة للدرجة الكاملة.
ومن جاهد شاهد، ومن شاهد صدق، ومن صدق أفلح:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
ويحصل ذلك كله بالمداومة على ذكر الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
والعبد إذا دخل على الملك المهيب، والسلطان القاهر، ووقف بعينه، وعقله على كمال تلك المهابة، والعظمة، حضر بكليته بين يديه، وصار غافلًا عن كل ما سواه،وهكذا يجب على العبد أن يقف بين يدي ربه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وأفضل الذكر، ذكر الله بالثناء الجميل، الخالي عن السؤال،عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ" أَلَا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعمالِكُم، وأَزْكاها عِنْدَ مَلِيكِكُم، وأَرفعِها في دَرَجاتِكُم، وخيرٌ لكم من إِنْفاقِ الذَّهَب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتَضْرِبوا أعناقَهُم، ويَضْرِبوا أعْناقكُم؟!، قالوا: بَلَى، قال:ذِكْرُ اللهِ" أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد.
فإن الفقير إذا قال للغني: يا كريم، فإنما يريد إكرامه:﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والمقصود من جميع الطاعات، والعبادات، استدامة ذكر الله، ومن ذكر الله كثيرًا، أطاعه، ولم يعصه، وأحبه، وحمده،وشكره: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
والحق سبحانه يرغب الخلق، ويدعوهم إلى الطاعات، بمضاعفة أجورها، فتارة يجعل ثمن الطاعة عشرة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وتارة بسبعمائة ضعف، كما قال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وتارة يضاعفها أضعافًا كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥].
وتارة يعطيها للعبد بغير عمل، فيعطى الله المؤمنون أجور عظيمة من لدنه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].
وتارة يعطي الرب الأجر بغير حساب، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وتارة يضاعف الكريم بحسب الأزمنة: كرمضان، وليلة القدر، وأيام عشر ذي الحجة، وساعة الجمعة، ونحو ذلك.
وتارة يضاعف حسب الأمكنة: كصلاة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وبيوت الله ﷿.
والمقصود الأصلي من الكل جذب المكلف إلى الطاعة، وصرفه عن الاشتغال بالدنيا، وتوجيهه لعبادة ربه وحده لا شريك له، وحسن التوكل عليه، والاستغناء به عمن سواه ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال ﷿: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
• حكمة الأذكار:
المقصود من جميع الأدعية، والأذكار، وأنواع العبادات، والطاعات، هو حصول اليقين في القلب على ذات الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأنه بيديه كل شيء، وغيره ليس بيده شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وكذا حصول اليقين على دينه، وشرعه، وعلى وعده، ووعيده:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فقوله لا إله إلا الله يزيد الإيمان في القلب، ودعوة لا إله إلا الله تزيد الإيمان في القلب، وتدمر الباطل في قلب الذي تكلم بها، وفي قلب من يسمعه، لهذا اليقين المطلوب، هو اليقين على ذات الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ودينه، وشرعه، وفقدان رؤية غير الله من القلب، فالذي يرى غير الله يفعل كالذي يمشي خلف السراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩].
فالله ﷿ بيده ملكوت كل شيء، وغير الله ليس بيده شيء، هو-سُبْحَانَهُ-فعال لما يريد، يفعل ما يشاء بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
فالخوف، والأمن مثلًا بيد الله وحده لا شريك له، وأسباب الأمن، أو الخوف لا تخلق ذرة من الأمن، أو الخوف؛ لأن الأمن بيد المؤمن سبحانه، والخوف كذلك بيد الله وحده، وإبراهيم ﷺ ليس عنده من أسباب الأمن، والنجاة شيء، ونمرود، وجنوده عندهم كل أسباب الأمن الحسية، لكن الأمن بيد المؤمن ﷻ يؤمن به من يشاء من عباده ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
فقوة لا إله إلا الله أعظم سهم في كبد الجاهلية؛ لهذا أمر الله بالإكثار من ذكره، حتى يرسخ في القلب أن القوي هو الله، والكبير هو الله، والعزيز هو الله، والغني هو الله،والقادر وحده هو الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
• وأنواع الذكر ثلاثة:
الأول: الذكر باللسان فيما بين العبد، وربه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
الثاني: الذكر باللسان فيما بين الناس بالدروس العلمية، التي يعلم فيها العلماء أحكام الشريعة: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال النبي ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
متفق عليه.
وقال ﷺ: «مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ، وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ».
أخرجه البخاري.
الثالث: الذكر الاجتماعي، والذكر الاجتماعي يكون بالذهاب إلى الناس؛ لدعوتهم إلى الله، وأمرهم بالمعروف،ونهيهم عن المنكر: «وَمِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أخرجه البخاري.
قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ونحن نعرف الأول: الذكر باللسان فيما بين العبد، وربه.
ونعرف الثاني: الذكر باللسان فيما بين الناس بتعليمهم أحكام الشريعة.
أما الثالث: وهو الدعوة إلى الله، فأصحابه قليل، وهذا أعظم أنواع الذكر، وبه يرفع الله البلاء عن البشرية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١٧].
فهذه أنواع الذكر، الذكر اللساني، الذكر الاجتماعي، والذكر اللساني، والذكر التعليمي، والذكر الدعوي، والداعي كالنحلة تسكن في أعلى مكان، وتأكل أحسن أكل، وتطعم أحسن طعام، فالنحل تسكن في الجبال، والأماكن العالية، والداعي الذي يدعو إلى الله، ويخرج في سبيل الله، يسكن بيوت الله، أو بيوت الصالحين، والداعي لا يأكل إلا الحلال، وكذا النحل يأكل من كل الثمرات الطيبة، والنحل تسلك أحسن الطرق، وتأتي بالعسل، فيسلك سلك ربك زللا، فالنحل تسلك أحسن الطريق، وتأتي بالعسل الذي ينفع الناس، وكذا الداعي يمشي في الناس؛ لينشر الهداية، وينفع الناس:﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
• الإنسان بين الذكر والنسيان.
النسيان من طبيعة البشر، فلا آثم على ناس فمن نسى مأمورًا به شرعًا، فلا يسقط بنسيانه مع إمكان التدارك؛ لأن مقصود الشرع تحسين المصلحة للعباد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فمن نسى من حقوق الله شيئا كصلاةٍ، أو صومٍ، أو حجٍ، أو عمرة، أو نسى من حقوق العباد كدين، أو حق، أو قصاص، أو نذر، أو زكاة، أو صدقة، أو غير ذلك من حقوق الله، وحقوق عباده، فهذا له حالتان:
الأولى: إن كان ما نسى لا يقبل التدارك كالجهاد، والجمعة، وصلاة كسوف، فهذا يسقط وجوبه بفواته.
الثانية: إن كان ما نسيه يقبل التدارك وجب تداركه على الفور لأن تعجيله مسارعة إلى الخيرات، ومبادرة إلى قضاء الديون سواء كان من حقوق الله كصلاة، وزكاة، وصيام، والحج، والنذر، و الكفارات، أو كان من حقوق العباد كالديون، والنفقات، والحقوق الواجبة لأن الله يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
ولمن نسى أن هذا الفعل محرم حالتان:
الأولى: أن يكون المنسي من محرمات العبادة كالكلام، والفعل الكثير في الصلوات، وارتكاب محظورات الإحرام، وملهيات الصيام، والاعتكاف، فهذا يسقط أثمه من غير بدل، ومن صلى ناسيًا طهارة الحدث لم تصح صلاته لأنه نسي مأمور به، فلا أثم عليه لكن عليه إعادة الصلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، والطهارة يمكن تداركها كما قال النبي ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» أخرجه البخاري.
وإنما وجب تدارك المأمورات إذا ذكرت؛ لأن أغراض تحصيل مصلحتها وهو ممكن فالإنسان محتاج إلى وجود هذه العبادات.
الثانية: ألا يختص التحريم بالعبادة، فيسقط أثمه، ويجب ضمانه كمن باع طعامًا ث نسي بيعه، فأكله، أو باع جاريته، فنسى بيعها، فوطأها، فهذا لا أثم عليه في ذلك، ويلزمه ضمان ما أتلفه من منافع لأن الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ومن حلف بالله على شيء كطلاق أو عتاقٍ ثم فعل ما حلف عليه ناسيًا حلفه، فلا أثم عليه، ولا حنث عليه.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فكل صلاة وجب أدائها كالصلوات الخمس والجمعة، فترك العبد متعمدًا لغير العذر، فلا يجب قضائها، وكذا كل عبادة واجبة من صلاة، أو صيام إذا تعمد تركها، فلا يلزمه القضاء؛ لأن القضاء ورد في الناسي والنائم، وهما معذوران،والمتعمد غير معذور كما قال النبي ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» أخرجه البخاري.
والصلاة، والصوم، وسائر العبادات إكرام من الله لعبده،فمن رفضه لا يقضيه لكن يجب عليه التوبة فورًا من ترك أمر الله العظيم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
وقال لله ﷿: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
وقال لله ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
***
مختارات

