الخزانة السابعة..
• فقه التوكل:
التوكل من أعظم مقامات الدين وأجلها وأفضلها، وقد أمر الله أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين بالتوكل عليه، وحثهم عليه في جميع أحوالهم، وفيما أمرهم به، وفيما تعبدهم به،فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وأخبر سبحانه أنه يحب المتوكلين، كما يحب الشاكرين والمحسنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وأخبر سبحانه أن كفايته للناس مقرونة بتوكلهم عليه، وأنه كافِ من توكل عليه.
وجعل سبحانه لكل عمل من أعمال البر جزاء معلوماً، وجعل نفسه جزاءًا للمتوكل عليه، وكفايته كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
ثم قال في التوكل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٣].
فالتوكل أقوى السبل عنده، وأحبها إليه.
والتوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
وقد خاطب الله بالتوكل أحب الخلق إليه، وأقربهم إليه، وأكرمهم عليه، وهم المؤمنون، وأمرهم به، وجعله شرطاً في صحة إيمانهم، فمن لا توكل له لا إيمان له، فقال سبحانه:﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
وأخبر سبحانه عن رسله أن التوكل على الله ملجأهم، و معاذهم في جميع أحوالهم فقال ﷿: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٦].
فالتوكل أصل لجميع مقامات الدين من الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، ومنزلته منها منزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وينشأ التوكل من علم العبد أن الأمور كلها بيد الله وحده، والخلائق كلها في قبضة الله وحده، وهي موكولة إليه سبحانه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وأن العبد لا يملك شيئاً منها، فهو لا يجد بداً من اعتماده على ربه، وتفويض أمره إليه وثقته به من الوجهين:
الأول: من جهة فقر العبد إلى ربه، وعدم ملكه شيئاً البتة.
الثاني: ومن جهة كون الأمر كله بيد الله، والتوكل ينشأ من هذين العلمين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ومقصود التوكل على الله تسليم الأمر إلى من هو له، وعزل نفسه عن منازعة مالكه، واعتماده عليه فيه، وخروجه عن تصرفه بنفسه وحوله وقوته، وكونه، به إلى تصرفه بربه، وكونه به سبحانه دون نفسه، كما قالسبحانه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾ [إبراهيم: ١٢].
فالأنبياء وأتباعهم يتوكلون على ربهم في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم؛ لعلمهم بتمام كفايته، وكمال قدرته، وعموم إحسانه، وسعة رحمته: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وتوكل الأنبياء في أعلى المطالب، وأشرف المراتب، وهي التوكل على الله في إقامة دينه، ونصره، وهداية عبيده، وإزالة الضلال عنهم، وهذا أكمل ما يكون من التوكل: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة: ٤].
ومجموع الدين أمران:
الأول: أن يكون العبد على الحق.
الثاني: وأن يكون متوكلاً على ربه الحق: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ [النمل: ٧٩].
والإنسان آفته: إما من عدم الهداية، وإما من عدم التوكل، فإذا جمع مع الهداية التوكل، فقد جمع الإيمان كله.
والناس في التوكل متفاوتون:
فمن متوكل على الله في حصول الملك.
ومن متوكل على الله في حصول رغيف.
ومن متوكل عليه في جلب مصلحة دينية أو دنيوية، أو دفع مفسدة دينية أو دنيوية.
ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٣].
فإن كان محبوباً لله، مرضياً له، كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطاً مبغوضاً كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه.
وإن كان مباحاً حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه، إلا إذا استعان به على طاعة الله.
والتوكل عمل القلب، وعمل القلب كفاية الرب للعبد، و انطراح القلب بين يدي الرب يقلبه كيف يشاء.
والمتوكل من رضي بالله وكيلاً، ورضي بكل ما يفعل الله،وتعلق بالله في كل حال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والتوكل: أن لا يظهر في العبد انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقته إليها، ولا يزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفه عليها.
والتوكل على الله لا ينافي القيام بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد، فنتوكل على الله بقلوبنا، ونفعل الأسباب بجوارحنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
والتوكل حال النبي ﷺ، والكسب سنته، فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته، فمن طعن في الحركة فقد طعن في السنة،ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
والتوكل درجته أن يكون بعد التقوى التي هي القيام بالأسباب المأمور بها بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي،فحينئذ إن توكل على الله فهو حسبه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
فالتوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه، مع فعل ما أمر به، والتفويض إليه في كل حال، وقطع علائق القلب بغير الله:﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
• سر التوكل:
التوكل:
هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله مع اعتماده على غيره، وركونه إليه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
فتوكل اللسان شيء، وتوكل القلب شيء آخر، فقول العبد توكلت على الله، مع اعتماد قلبه على غيره، مثل قوله تبت إلى الله، وهو مصر على معصيته، مرتكب لها.
والتوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سبباً في حصول المدعو به.
فإن قيل: المتوكل فيه، المدعو بحصوله، إن كان قد قدَّر حصل، توكل أو لم يتوكل، دعا أو لم يدعُو؟.
وإن لم يقدَّر لم يحصل، توكل أو لم يتوكل، ولو ترك العبد التوكل والدعاء ما فاته شيء مما قدِّر له؟.
فيقال: بقي قسم ثالث وهو الواقع، وهو أن يكون قد قضى الله بحصول الشيء عند وجود سببه من التوكل والدعاء، فنصب سبحانه التوكل والدعاء سببين لحصول المطلوب، وقضى الله بحصوله إذا فعل العبد سببه، فإذا لم يفعل السبب لم يحصل.
كما قضى سبحانه بحصول الشبع إذا أكل، وحصول الري إذا شرب، فإن لم يفعل لم يشبع، ولم يروى، وقضى بحصول الولد إذا جامع الرجل المرأة، فإن لم يجامع لم يُخلق الولد، وقضى بطلوع الحبوب التي تزرع بشق الأرض وإلقاء البذر فيها، فإذا لم يفعل ذلك لم يحصل إلا الخيبة.
وقضى سبحانه بدخول الجنة لمن أسلم، وأتى بالأعمال الصالحة، فإذا لم يسلم ولم يعمل صالحاً لم يدخلها أبداً:﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب، لم يستقم منه التوكل.
ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها، فيفعل الأسباب بجوارحه، ويتوكل على الله بقلبه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته، وقضائه وقدره.
فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
ومن نفى الأسباب فالبهائم أفقه منه؛ لأنها تسعى في السبب بالهداية العامة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
ولا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل: توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك، فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد، تكون صحة التوكل: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فإن العبد متى التفت قلبه إلى غير الله، نقص من توكله بقدر ذلك الالتفات.
ومن هنا ظن بعض الناس أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب، وهذا حق، لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح.
فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب؛ لأن الله بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وتعلق الجوارح بها، فيكون منقطعاً عنها بقلبه، متصلاً بها ببدنه، وتلك سنته ﷺ وفعله وأمره.
فخلع الأسباب من القلوب توحيد، وتعطيل الأسباب إلحاد وزندقة، فخلعها عدم اعتماد القلب عليها وركونه إليها مع قيامه بها، وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح، فالذي أمر بالتوكل بقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
هو الذي أمر بأخذ الحذر بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ [النساء: ٧١].
ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز، واستفراغ الوسع،كما قال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
• أركان التوكل:
فالتوكل حال مركبة من عدة أمور، لا تتم حقيقة التوكل إلا بها:
وأول ذلك: معرفة العبد بالرب وأسمائه وصفاته من قدرته، وكفايته وقيوميته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته، وهذه المعرفة أول درجة يضع فيها العبد قدمه في مقام التوكل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والثاني: إثبات الأسباب على الجوارح، ورفضها عن القلوب، ومن نفاها فتوكله مدخول.
والثالث: اعتماد القلب على الله، وسكونه إليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها.
وعلامة هذا: أن لا يبالي بإقبالها وإدبارها، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها، وإقبال ما يكره؛ لأن اعتماده على الله، وسكونه إليه، واستناده إليه قد حصنه من خوفها ورجائها: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والرابع: حسن الظن بالله، فحسن الظن بالله يدعو العبد إلى التوكل عليه، إذ لا يُتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه.
والخامس: استسلام القلب لله، والانقطاع عما سواه، بأن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد ولا يمتنع منه، ولا يكون له حركة ولا تدبير، بل يستسلم لتدبير الرب، وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل في باب القضاء والقدر، أي فيما يفعله الرب بالعبد، لا فيما أمرك الرب بفعله، فتنبه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
***
مختارات

