الخزانة الخامسة..
• فقه الإخلاص:
الإخلاص:
هو إفراد الله بالقصد في كل ما أمر بالتقرب به إليه، فكل عبادة فقدت الإخلاص فهي مردودة، والذي أمر الله به هو التوحيد الصافي، الخالص من شوائب الشرك: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
وقال الله ﷿: «أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ، وشِرْكَهُ».
أخرجه مسلم.
الإخلاص هو إفراد الله بالقصد في الطاعة، وتصفية العمل عن ملاحظة الخلق، بدوام النظر إلى الخالق.
والإخلاص يكون بتصفية العمل عما يشوبه من شوائب إرادات النفس، إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم، وإما الهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم، أو طلب محبتهم، وقضائهم حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب التي يجمعها إرادة ما سوى الله بعمله كائناً ما كان.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والإخلاص سر بين العبد، وربه، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا عدو فيحسده.
• درجات الإخلاص:
الإخلاص على ثلاث درجات:
الأولى: عدم رؤية العبد عمله وملاحظته، والخلاص من طلب العوض عليه، وعدم رضاه به، وسكونه إليه.
فالذي يخلص العبد من رؤية عمله مشاهدته لمنَّة الله عليه، وفضله وتوفيقه له، وأنه بالله لا بنفسه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والذي يخلصه من طلب العوض على العمل، علمه بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضاً، ولا أجرة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
وما يناله من الأجر والثواب تفضل منه، وإحسان إليه وإنعام عليه، لا معاوضة ولا أجرة.
والذي يخلص العبد من رضاه بفعله، وسكونه إليه، مطالعة عيوبه وآفاته، وتقصيره فيه، وما فيه من حظ النفس، والشيطان، وعلمه بما يستحقه الرب ﷻ من حقوق العبودية، وآدابها الظاهرة والباطنة، وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقها، وأن يرضى بها لربه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].
الدرجة الثانية: خجله من عمله، مع بذل مجهوده فيه، وهو شدة حيائه من الله، إذ لم يرى ذلك العمل صالحاً له، ودون ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فسبحانك ما عبدناك حق عبادتك، ولا شكرناك حق شكرك، ولا حمدناك حق حمدك.
فتوفير الجهد التام لتصحيح العمل، محتمياً عن شهوده له، ورؤية عمله، من عين جوده سبحانه، وأنه منه لا بالعبد ولا منه، كما قال سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
الدرجة الثالثة: إخلاص العمل.
بأن يجعل العبد عمله تابعاً للعلم، موافقاً له، مؤتماً به، يسير بسيره، ويقف بوقوفه.
ناظراً إلى الحكم الديني الشرعي، متقيداً به فعلاً وتركاً، ناظراً إلى ترتيب الثواب والعقاب عليه سبباً وكسباً.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
شاهداً للحكم الكوني القدري، الذي تنطوي فيه الأسباب، والمسببات، والحركات، والسكنات، فلا يبقى هناك غير محض المشيئة، وتفرد الرب وحده بالأفعال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فالله خالق الإنسان، وخالق فعله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
فلا يشهد إلا ربه، نافياً لما سواه، معتصماً به وحده، متوكلاً عليه وحده، قاصداً وجهه وحده كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: «أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلا أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ، وَشِرْكَهُ».
أخرجه مسلم.
والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وسائر الأعمال بدون الإيمان لا تكون شيئاً، ولا تكون عملاً صالحاً، بل هي عمل لا يعبأ الله به، فإذا كانت مع الإيمان، وعلى هدي رسول الله ﷺ، صارت أعمالاً صالحة.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وكذلك الإيمان مقترن بالإخلاص، فهما توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فأول من يدخل الجنة الشهيد، والجواد، والقارئ، وأول من تسعر بهم النار هؤلاء الثلاثة.
فبوجود الإيمان والإخلاص، لهؤلاء الجنة، وبفقد الإيمان والإخلاص، لهؤلاء النار: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قال: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى ألْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأ الْقُرْآنَ، فَأتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قال: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى ألْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأعْطَاهُ مِنْ أصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قال: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ ألْقِيَ فِي النَّارِ».
أخرجه مسلم.
فكل عبادة لا تصح ولا تقبل إلا بالإخلاص لله ﷿،والمتابعة لرسول الله ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• فقه الرياء:
الرياء ضد الإخلاص، وهو مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع.
فالمرائي يُري الناس أو يُسمعهم ما يطلب به الحظوة والمنزلة عندهم، والرياء محبط للأعمال، وسبب لمقت الله تَعَالىَ، وهو أعظم صفات المنافقين.
وأصل الرياء حب الجاه، والمنزلة، وذلك يرجع إلى ثلاثة أصول هي:
حب لذة الحمد.
والفرار من ألم الذم.
والطمع فيما في أيدي الناس.
عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ الله؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله».
متفق عليه.
فهو يقاتل شجاعة، ليُذكر ويحمد، ويقاتل حمية، لأنه يأنف أن يقهر ويذم، ويقاتل رياء، ليرى مكانه، وهذا هو لذة الجاه والمنزلة في القلوب.
فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك الرياء.
• صور الرياء:
الرياء له صور مختلفة:
فتارة يكون الرياء من جهة البدن.
وتارة من جهة اللباس.
وتارة من جهة الكلام.
وتارة من جهة العمل.
وتارة بكثرة الأصحاب والزوار، ونحو ذلك.
وفي إسرار الأعمال فائدة الإخلاص، والنجاة من الرياء.
وفي إظهار الأعمال فائدة الاقتداء، وترغيب الناس في الخير.
ومن الأعمال ما لا يمكن الإسرار به، كالحج، والجهاد، والصلوات الخمس، وصلاة الجمعة ونحوها، فعلى المظهر للعمل أن يراقب قلبه حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي، بل ينوي الاقتداء به.
فمن كان قوي الإيمان، تام الإخلاص، وصغر الناس في عينه، واستوى عنده مدحهم وذمهم، فلا بأس له في الإظهار؛ لأن الترغيب في الخير خير.
والله ﵎ خلق الإنسان للآخرة، وأعطاه الدنيا يستعين بها على طاعة الله، ومن جعل مقصد حياته الدنيا، أعطاه الله من الدنيا ما يشاء، ولا حظ له في الآخرة، كما قال سبحانه:﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: ١٨].
فالذي يجعل مقصد حياته التجارة أو الزراعة أو الصناعة، الله يفهمه سر ذلك، والذي يجعل مقصد حياته عبادة الله، والدعوة إلى الله ﷿، يفهمه سر جمع الأمة على الإيمان،والهدى وأعمال الرسول ﷺ: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩].
فأهل الدنيا الله أعطاهم مقصدهم، وأهل الدين كذلك، لكن أهل الدنيا أخلصوا في عملهم فزادت وزانت دنياهم كما نرى، ولكن الدنيا فانية رامحة متقلبة، فلا يفرح بها إلا جاهل.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
أما الذي يستحق أن يُفرح به، فهو الدين الذي أكرم الله به البشرية، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وأكثر أهل الدين لم يُخلصوا في أعمالهم لله، فلذلك الله لم يعطهم؛ لأن معهم صورة الدين لا حقيقة الدين، ولو أخلصوا أعمالهم لله، واتبعوا رسول الله فيما جاء به، لنصرهم وأعزهم ورفع مكانهم، ووفر أرزاقهم، كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقلب الإنسان يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤه غلًا ودغلًا، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه، بتجريد الإخلاص، والنصح، ومتابعة السنة، كما قال النبي ﷺ: «ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص العمل لله، والنصيحة للْمُسلمين، وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ، فَإِنْ دعوتهم تحيط من ورائهم».
أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح.
فالقلب لا يبقى فيه غلًا ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله، وتنقيه منه، وتخرجه عنه.
والفقه أن يمقت المسلم الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا، فإن من شهد حقيقة الخلق، وعجزهم، وضعفهم، وتفريطهم، وإضاعتهم لحق الله، وإقبالهم على غيره، وبيعهم حظهم من الله بالعاجل الفاني، لم يجد بدًا من مقتهم على إعراضهم عن ربهم ﷿.
ولكن إذا لجأ العبد إلى نفسه وحاله وتقصيره كان لنفسه أشد مقتًا، فكم في النفوس من علل وأمراض، وأغراض وحظوظ، تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة، وأن تصل إليه، فقد يعمل العبد العمل حيث لا يراه بشر البتة، وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه وهو خالص لوجه الله، ولا يعرف هذا إلا أولوا البصائر.
فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب، وفرق شيطانية مستعدة لإزهاق روح العمل قبل أن يصل إلى القلب، فيكون الرجل كثير العمل، وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوفًا ولا رجاءً ولا زهدًا في الدنيا ولا رغبة في الآخرة، ولا نورًا يفرق به بين أولياء الله وأعدائه، وبين الحق وبين الباطل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
ثم بين الرب وبين القلب مسافة، وعليها قطاعًا تمنع وصول العمل إليه من كِبر وإعجاب وإذلال وفخر، ورؤية العمل، ونسيان منة الله فيه، وعلل خفية لو استقصى العبد في طلبها لرأى العجب، ومن رحمة الله أن سترها الرب على أكثر العمال، إذ لو رأوها لوقعوا فيما هو أشد منها من اليأس والقنوت، وترك العمل، وفتور الهمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
• أقسام الرياء:
الرياء ضد الإخلاص، وهو نوعان:
الأول: الرياء المذموم.
وهو أن يكون الباعث عليه قصد التعظيم والمدح والرغبة فيما عند من ترائيه، أو الرهبة منه، ونحو ذلك، كمن يتصدق أو يصلي أو يذكر أو يعلم أو يجاهد من أجل أن يُرى، ويقال عنه كذا، هذا كله من الرياء المذموم شرعًا:﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
الثاني: الرياء المحمود.
وهو أن لا يكون الباعث عليه ما سبق، كمن يحسن صلاته عند من يريد أن يتعلم منه، فيكون محسنًا إليه بالتعليم في عمله، وإلى نفسه بالإخلاص، وتعريف الجاهل، وكمن ينفق ماله جهرًا، ليقتدي به في الخير الأغنياء، فهذا جديرًا أن يحصل له مثل أجور من اقتدى به: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• أركان الإخلاص:
الإخلاص إفراد الله ﷾ بالقصد في الطاعة، والإخلاص من أهم أعمال القلوب، وأعمال الجوارح تبع له، فالنية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد، وكما أنه إذا فارقت الروح الجسد فسد، فكذلك إذا فُقد الإخلاص من العمل فسد: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والإخلاص يقوم على ركنين عظيمين:
o النفي والإثبات
o والهدم والبناء.
فركن الهدم، والنفي ذكره الله ﷿ في سورة الكافرون، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦]
وركن الإثبات والبناء ذكره الله في سورة الإخلاص، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فالأولى: هدمت جميع الأوثان المعبودة من دون الله.
والثانية: جاءت لبناء وإثبات التوحيد لله الواحد القهار.
ولهذا تسمى السورتان بسورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن.
والإنسان بفطرته يحتاج إلى الوالد، ويحتاج إلى الولد، ويحتاج إلى الشبيه، لئلا يستوحش، أما الله ﷿ فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو الغني عن جميع خلقه كلهم، هو الغني عن الزوجة، والولد، والوالد، والشبيه، وغيرهم من المخلوقات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٣].
فالله غني عن كل أحد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
والله سبحانه لا يقبل عملاً من العبد إلا إذا كان مشروعًا وخالصًا لوجه الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• أقسام العمل:
لعمل المسلم ثلاثُ حالات:
الأولى: أن يكون العمل مشروعًا، والقصد موافقًا، كمن يصلى العصر، قاصدًا وجه الله، فهذا العمل مقبول، وفاعله مأجور.
الثانية: أن يكون العمل مشروعًا، والقصد مخالفًا، كمن يصلى الظهر مثلًا، وقصده الرياء والسمعة، فهذا العمل غير مقبول ولا أجر لفاعله، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
متفقٌ عليه.
الثالثة: أن يكون العمل مخالفًا، والقصد موافقًا كمن يحدث بدعة المولد يقصد بها التقرب إلى الله، فهذا عمله مردود عليه، ولا يقبله الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفقٌ عليه.
وكما قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ».
أخرجه مسلم.
فالإخلاص هو أن يكون فعل العبد خالصًا لوجه الله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
فليس القصد إكثار الطاعات، بل المقصود إخلاص العبادة، وحسن الطاعة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
والله سبحانه رؤوف رحيم لم يعط كل ما يقدر عليه، حتى يطلب منك كل ما تقدر عليه بل أعطاك البعض، وطلب منك فعل البعض: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
والعطاء الذي قسمه الله لك لم يرد بفعله سواك، فلا تُرد بفعلك سواه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
فكما جعل الله كل ما فعله لأجلك، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
فاجعل أيها العبد جميع ما تفعله لأجل ربك الخلاق العليم:﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والمخلص هو الذي يأتي بالفعل خالصًا لوجه ربه العظيم، ليس فيه رياءً ولا سمعة، ولا غرضٌ آخر، فلا يجعل العبد طلب الجنة مقصودًا، ولا النجاة من النار مطلوبًا، وإن كان لا بد من ذلك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
فكل عمل أريد به وجه الله فقليله كثير، وما أريد به غير وجه الله فكثيره وقليله باطل غير مقبول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
فالله مقصود، والجنة موعود: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
أما الجنة فهي فضل من ربنا ﷿ لمن آمن به، و أطاعه:﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
الإخلاص أن يفعل العبد الطاعة خالصة لله ﷿ وحده لا شريك له، ويريد بها وجهه ﷿ لا يريد بها تعظيماً من الناس، ولا جلب نفع دنيوي، ولا دفع ضرر دنيوي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
• أسباب الإخلاص:
الإخلاص له رتب منها: أن يفعل العبد الطاعة خالصة لله، خوفًا من عقاب الله، أو رجاء لثواب الله، أو يفعلها حياءً من الله، أو يفعلها حبًا لله، أو يفعلها تعظيمًا لله، ومهابة له، فيعبد الله كأنه يراه، فإن لم يقدر فليعلم أن الله يراه، وينظر إليه، فإن ذلك يحمله على الحياء منه، والخوف منه، والهيبة له، والانكسار بين يديه، والخشوع له: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والإخلاصُ عبادة قلبيه، والإخلاص تصفية القلب من الشك والشرك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
فالعبادة لها ظاهر، وهو إتباع السنة، ولها باطن، وهو إخلاص العمل لله وحده لا شريك له، والمؤمن حقًا من انقاد إلى ربه بقلبه وقالبه، فالإخلاص هو الإيمان كله:﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
والعمل الصالح له ركنان:
الإخلاص.
والمتابعة للشرع فيه
وبذلك يكون مقبولاً عند الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
***
مختارات

