القسم الثاني ( الخزانة الأولى)
• فقه حُسن الخُلق:
حُسن الخلق من البر الذي أمر الله به، بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وحُسن الخلق نوعان:
الأول: حُسن الخلق في عبادة الله.
الثاني: حُسن الخلق في معاملة عباد الله.
فحُسن الخلق في عبادة الله، أن يتلقي المسلم أوامر الله بصدر منشرح، وبنفس مطمئنة، ويفعل ذلك بانقياد تام بدون تردد، ولا شك، ولا تسخط، ولا كراهية، فيصلي ويزكي، ويصوم ويحج، ويعبد الله بانقياد وتسليم، ومحبة وتعظيم لربه، ويعبد الله مستناً بسنن رسوله ﷺ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وفي معاملة الناس، يقوم المسلم ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، ونصح الأمة، وحسن المعاملة، وهو في كل ذلك منشرح الصدر، واسع البال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وأما أهل الفسوق، فأنهم لا يترددون في الآثام، بل لقلة إيمانهم يفعلونها بانشراح: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ، وَالإِثْمِ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ».
أخرجه مسلم.
وحُسن الخلق أحسن لباس يلبسه الإنسان، وهو صبغة الله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
وهو أفضل ثروة في الدنيا، والآخرة، وأثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة.
وحُسن الخلق له ركنان:
الأول: حُسن الخلق مع الله.
الثاني: حُسن الخلق مع عباد الله.
فحُسن الخلق مع الله هو الرضا بحكمه، شرعًا وقدرًا، فإذا قدر الله على العبد مكروهًا، رضي بذلك وسلم وصبر، وإذا حكم الله عليه بأمر أو حكم شرعي رضي وسلم، وانقاد لشريعة الله، فهذا حُسن الخلق مع الله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
أما حُسن الخلق مع الخلق، فيكون بكف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه، وحسن الظن، فهذا حسن الخلق مع الخلق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والنبي ﷺ أحسن الخلق أخلاقاً، وقد أوتيهم معًا، ولهذا قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فنعم الراكب، ونعم المركوب، فصلوات الله وسلامه عليه.
وحُسن الخلق يكون مع كل الناس، وكل الخلق، لكن الأهل أولى بحسن الخلق من غيرهم، كما قال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ، خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».
أخرجه الترمذي بسند صحيح.
فعليك بمحاسن الأخلاق، وعليك بالزهد والورع والتواضع.
• فقه الزهد والورع والتواضع:
فالزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فالزهد أعلى من الورع، فكل زاهدٍ ورع، ولا عكس.
فالأمور ثلاثة:
منها ما ينفع في الآخرة.
منها ما يضر في الآخرة.
منها ما لا يضر، ولا ينفع.
والزهد أخذ ما ينفع في الآخرة، وترك ما يضر، وترك ما لا ينفع ولا يضر: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
ويجب على المسلم أن يتواضع لربه، ولإخوانه المسلمين.
والتواضع للناس بحسب درجاتهم، فيجعل الإنسان من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر منه مثل أبيه،ومن هو مثله مثل أخيه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
فينظر إلى من هو أكبر منه، نظرة إكرام وإجلال، وينظر إلى من هو دونه، نظرة إشفاق ورحمة، وينظر إلى من هو مثله، نظرة مساواة، فلا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ».
أخرجه مسلم.
والبشر وطلاقة الوجه من مكارم الأخلاق التي أمر الله ورسوله بها، فإذا عملت عملًا صالحًا، فبشر نفسك، فأنه سيقبل منك إذا اتقيت الله فيه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].
وإذا دعوت الله، فبشر نفسك أن الله يستجيب لك؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
فبشر نفسك بكل خير، وبشر غيرك بكل خير، وأدخل عليه السرور تؤجر وتسعد وتسر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
وعن أنس أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا».
متفق عليه.
ويحرم على الإنسان أن ينفر الناس من الدين، أو من الأعمال الصالحة، بقوله أو فعله، بل يجب عليه أن يشجعهم ويرغبهم، ويلين قلوبهم، ويلين لهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فيجب على المسلم أن يلين لإخوانه المسلمين ولا يغضب، فالغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان؛ ليفرق بين المسلمين، فيغلي القلب، وتنتفخ الأوداج، وتحمر العين، ثم ينفعل الإنسان، ويفعل شيئًا يندم عليه، من كسر، أو قتل، أو ضرب، أو نحو ذلك من المضار.
والغضب خلق ذميم، يجر الإنسان إلى فعل ما يندم عليه، فينبغي للمسلم ألا يكون سريع الغضب، يستثيره أي شيء، بل يكون حليمًا، متأنيًا، مطمئنًا، وبهذا يكون محسنًا إلى نفسه، وإلى غيره.
عن جرير عن النبي ﷺ قال: «من يحرم الرفق، يحرم الخير».
أخرجه مسلم.
وعن عائشة زوجة النبي ﷺ، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ».
أخرجه مسلم.
وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: أَوْصِنِي يا رسول الله، فقال:«لَا تَغْضَبْ، فقال: زدني، فقال: لَا تَغْضَبْ، فقال: زدني،فقال: لَا تَغْضَبْ».
أخرجه البخاري.
كل شيء لا يتم، ولا يكمل، إلا بتنقيته من الشوائب، وتكميله بالفضائل، فالتكميل بالفضائل نصف، والتنقية من الرذائل نصف آخر، ولهذا قال النبي ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ».
أخرجه مسلم.
وذلك يشمل الطهور بالماء، وطهور التيمم، وطهارة القلب من الشرك والشك، والغل والحقد، والحسد والرياء، ونحو ذلك مما يجب التطهر منه حساً ومعنىً، فالطهور شطر الإيمان، والنصف الثاني هو التحلي بالأخلاق الفاضلة، والإعمال الصالحة، وبالطهارة من الرذائل، وبالتحلي الفضائل، يكمل الإيمان،كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
• فقه السلام:
ومن مكارم الأخلاق، وما يجلب المحبة بين الناس، إفشاء السلام، كما قال النبي ﷺ: «لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ».
أخرجه مسلم.
فالمسلم مأمورٌ بإفشاء السلام على كل من لاقاه ممن يستحق السلام، سواء عرفه، أو لم يعرفه، و الذي يستحق أن يُسلم عليه هو المسلم الذي لا يحل هجره، المسلم الذي سلم قلبه وقالبه لربه، فعبد الله وحده لا شريك له.
أما الكافر، فلا يبدأ بالسلام، لأنه لا يستحقه.
وصيغة السلام على الواحد: السلام عليك، وإن كانوا جماعة رجال، فيقول: السلام عليكم، وإن كن جماعة نساء قال:السلام عليكن، حسب المخاطب.
والسلام تحية ودعاء، فتشعر أنك إذا قلت لجماعة: السلام عليكم، بأن الله يسلمهم من كل الآفات، آفات الذنوب، وآفات القلوب، وآفات الأجسام، وآفات الأعراض، ومن كل آفة، وبلية.
والله هو السلام ﷻ، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
فكل سلامةٍ من السلام ﷻ، أكرم الله بها عباده، وكل أمنٍ من المؤمن ﷻ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
ولو قلت في رد السلام: أهلًا، ومرحبًا، بدل السلام ما أجزأك، لأنها تحية، وتهنئة، ليس فيها دعاء.
والسلام سنة، ورد السلام واجب بمثله أو بأحسن منه،كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
وينبغي للمسلم إذا سلم عليه احد أن يرد عليه بأحسن منها، أو مثلها.
والأحسن ثلاثة أنواع:
الأول: الأحسن نوعاً:
فإذا قال له المسلم: السلام عليكم، رد عليه بقوله:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ولا يكتفي بأهلًا، أو مرحبًا.
الثاني: الأحسن كمية:
فإذا قال له: السلام عليكم، رد عليه بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الثالث: الأحسن كيفية:
فإذا سلم عليك أحدٌ بصوتٍ واضح مرتفع، فرد عليه بمثل ذلك وإذا سلم عليك وقد أقبل إليك بوجهه فرد عليه كذلك ولا تصعر خدك له: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩].
• فقه الغيبة والنميمة:
الغِيبة والنميمة من الأخلاق السيئة التي نهى الله ورسوله عنها، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢].
والغيبة ذكرك أخاك بما يكره، والنميمة نقل الكلام السيئ بين الناس للإفساد بينهم.
والغيبة والنميمة من كبائر الذنوب التي لا تكفرها الصلاة، ولا الصدقة، ولا الصيام، ولا غيرها من الأعمال الصالحة، فتبقى على الموازنة؛ لأنها حق لأدمي، سيأخذه إن لم يسامح.
والغيبة تكون في غيبة الإنسان بالكلام فيه بما يكره، فإن كان ذلك كذبًا فقد اغتبته وبهته، فإن كان ذلك في وجهه سُمي ذلك سبًا وشتمًا ولا يُسمى غيبة، فالغِيبة ذكرك أخاك بما يكره على وجه السب في غيبته.
أما إذا كانت الغيبة للنصح والبيان، فلا بأس بها؛ لأن فيها بيان الحق الواجب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ، وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ».
أخرجه مسلم).
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ».
أخرجه مسلم.
وما يكرهه الإنسان يشمل:
العيب الجسدي.
والعيب الخُلقي.
والعيب الخَلقي.
والعيب الديني.
فالجسدي كما لو اغتبته بأنه أعرج، أو أعور، أو أسود، أو قصير، ونحو ذلك من الأوصاف.
والخُلقي كما لو اغتبته، بأنه ليس بعفيف مثلًا.
والديني كأن تقول أنه مبتدع، أو لا يصلي مع الجماعة.
وتزداد الغِيبة والنميمة قبحًا وإثمًا بحسب ما تؤدي إليه، فغيبة العامي من الناس، ليست كغيبة الملك، أو الأمير، أو العالم، أو ما أشبه ذلك ممن لهم شأن؛ لأن غيبة ولاة الأمور أشد من غيبة من ليس له أمر، فغيبة ولاة الأمر تسقط مهابتهم عند الناس، وتسبب الفوضى، وليس فيها فائدة.
وغيبة العالم تشكك الناس في علمه وأمانته، فيسقط من أعين الناس ولا يقبلوا قوله، وهذه جناية على العلم الشرعي الذي يحمله.
والعجيب أن من يغتاب ولاة الأمور والعلماء، لا يأتي بحسناتهم مع أنه يعلم أن الله أمر بالقسط، والعدل، كما قال سبحانه: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].
ولا تجدهم في الغالب يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ لأنهم مشغولون بسقطات الناس، وزلاتهم، وهذه أمراض في بعض الناس، يتتبع العورات والسقطات والزلات، ويشيعها بين الناس، فيضطرب الأمن، ويحصل الخلاف وتحصل الفتن.
فعلينا أن نجتنب الغيبة والنميمة؛ لأنها نقص في حسناتنا،وزيادة في حسنات من نغتاب: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
الغِيبة من كبائر الذنوب، لما فيها من كشف العورات والسوءات والزلات، ومن تتبع عورة أخيه؛ ليفضحه، تتبع الله عورته، لكن الغيبة إن كانت للنصح والبيان فلا بأس بها، كما لو أردت أن تعامل فلانًا، فلا بأس أن تسأل عنه غيرك، فإذا أجابك هذا الغير بما فيه من خيرِ أو شر، فلا يعتبر غيبة له؛ لأن هذا من باب النصح والبيان، لا من باب بيان العيب والفضيحة.
وكذلك الفاسق إذا ذكرنا فسقه على وجه العيب والسب فإن هذا غِيبة، وإذا ذكرناه على وجه النصيحة والتحذير منه، فلا بأس به بل قد يجب.
أما الكافر فلا غيبة له، فإن كان له أقارب من المسلمين، فلا نغتبه، لئلا نسؤهم.
والأسباب المبيحة للغيبة:
أن الغيبة من كبائر الذنوب، ولا تباح إلا لغرض صحيح، لا يمكن الوصول إليه إلا بها.
وهو ستة أسباب:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يقول لقادرِ على إنصافه، ظلمني فلان بكذا، وكذا.
الثاني: الاستفتاء، فيقول للمفتي ظلمني أبي، أو أخي، أو ابني، أو جاري، أو زوجي بكذا، فهل له ذلك؟.
الثالث: الاستعانة على تغيير المنكر، فيقول الإنسان لأخيه لمن يعلم قدرته على إزالة المنكر فلان يعمل كذا فازجره عنه؛ لأن هذا من التعاون على البر والتقوى.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر، ونصحهم مثل جرح المجروحين من رواة الحديث، أو الشهود في القضاء، أو المشاورة في مشاركة إنسان، أو مصاهرته، أو مجاورته، فلا بأس من ذكر المساوئ، بنية النصيحة لأخيه، أو يكون مثلًا مهملًا في عمله، لا يقوم به على الوجه الأكمل، ونحو ذلك من الأسباب.
الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته، فيجوز ذكره بما يجاهر به، من باب النصيحة، لا من باب الفضيحة؛ لأنه لا غيبة لفاسق.
السادس: التعريف، كما لو كان الإنسان معروفًا بلقب:كالأعمش، والأعرج، والأصم، فلا بأس من تعريفهم به، على وجه التعريف لا التنقص، ولا السخرية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٣].
والنميمة هي نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد بينهم، وهي من كبائر الذنوب، لما تسببه من الفساد، والفرقة بين الناس، فإن كان من باب النصيحة فلا بأس، كأن يحذره من فلان، ويقول أنه يقول فيك كذا، وكذا؛ليحذره منه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١].
وقال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».
متفق عليه.
فالغِيبة والنميمة معصية عظيمة، لكن إذا دعت الحاجة والمصلحة إلى نقل كلام الناس، إلى ولاة الأمور؛ لدفع مفسدة، أو حصول مصلحة، فإنه لابد من نقله إليهم؛ لتردع ولاة الأمور أهل الشر والفساد؛ ولأنه من باب التعاون على البر والتقوى، وقد قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وأما إذا لم يكن فيه مصلحة، ولا دفع مفسدة، فإنه لا ينبغي نقل الكلام إلى ولاة الأمور، لما يسببه من العدوان، والكراهية بين ولاة الأمور ورعيتهم، وحصول الشر، وظهور الفتن: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
***
مختارات

