الخزانة الثانية..
• فقه الكذب:
الصدق من الأخلاق المحمودة، والكذب من الأخلاق المذمومة.
والكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، والكذب من كبائر الذنوب.
وهو أنواع:
الأول: الكذب على الله ورسوله بأن يقول قال الله وقال رسوله كذا وهو لم يقل، أو يفسر كلام الله ورسوله بغير ما أراده الله ورسوله، فهذا أعظم أنواع الكذب، وعقوبته النار يوم القيامة.
وأكثر الناس كذبًا على رسول الله ﷺ هم الرافضة والمشركون: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤].
وقال النبيَّ ﷺ: «مَنْ كَذَب عليّ مُتعمِّدًا فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار».
متفق عليه.
الثاني: الكذب على الناس، وهو نوعان:
الأول: كذب النفاق، بأن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهذا أخطر أنواع الكذب، بعد الكذب على الله ورسوله، وصاحبه مخلدُ في النار إن مات ولم يتب منه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
الثاني: الكذب في الحديث بين الناس، كأن يقول قلت لفلان كذا وهو لم يقل، أو قال فلان كذا وهو لم يقل، أو يتكلم في أمر لا يعلمه، فهذا حرام وهو من علامات النفاق،كما قال النبي ﷺ: «آية المنافقِ ثلاثٌ: إِذا حدَّث كذَب، وِإذا وعدَ أَخلفَ، وِإذا اؤتمِنَ خانَ».
متفق عليه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرٍو أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إذا اؤتُمِن خَان، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
متفق عليه.
• درجات الكذب:
الكذب يتضاعف جرمه بحسب ما يؤدي إليه من المفاسد والأضرار، فالكذب على الله ورسوله أعظم أنواع الكذب.
ويليه كذب النفاق وهو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر.
والكذب في المعاملات أشد من الكذب في مجرد الأخبار؛ لأن الكذب في المعاملات يمحق البركة، وما كسبه الإنسان بالكذب سُحت لا خير فيه، ولحم نبت على السحت النار أولى به؛ ولأنه مبني على الكذب، والكذب على الأمراء والعلماء أعظم من الكذب على العامة، والكذب كله محرم؛لأنه يهدي إلى الفجور: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾ [الصف: ٧].
وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَدِيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».
متفق عليه.
والكذب كله محرم، ويباح الكذب في ثلاثة أحوال:
١ - في الحرب بين المسلمين والكفار.
٢ - في الإصلاح بين الناس.
٣ - وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، إذا لم يتضرر بذلك أحد.
فكل مقصود محمود، يمكن تحصيله بدون الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب، ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، كان الكذب مباحًا، وإن كان واجبًا، كان الكذب واجبًا، كإنقاذ معصومِ من ظالم يريد قتله ظلمًا، والأحوط في ذلك كله أن يوري في كلامه.
• من الأخلاق السيئة:
السخرية بالناس، والغدر بهم، والبغي عليهم، والفخر عليهم.
فيحرم على المسلم احتقار غيره من الناس وازدرائه، والسخرية به والاستهزاء به، والحط من قدره؛ لما فيه من العدوان على أخيك المسلم، الذي يجب أن تحبه وتحترمه وتوقره؛ لأنه مؤمن بالله، والسخرية تنافي الإيمان وتنقصه، ومحبته من مقتضيات الإيمان.
كما قال النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
متفق عليه.
وقد حرم الله على الرجال، والنساء جميع أنواع السخرية بالناس.
والسخرية أنواع:
فقد تكون السخرية من هيئة هذا الإنسان، وقد يسخر من طوله أو قصره، أو ضخامته أو نحافته، أو بياضه أو سواده، وقد يسخر بكلامه، وتقليد كلامه استهزاءًا به، وقد يسخر بأهله أو عشيرته، وقد يسخر في معاملته الناس، وقد يسخر بمشيته، أو سيارته، ونحو ذلك مما لا يمكن حصره، وفي كل ذلك ظلمٌ لأخيك المسلم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾ [الهمزة: ١ - ٦].
وقال النبي ﷺ: «حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَكُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».
أخرجه مسلم.
• حكم الغدر:
الغدرُ خيانة الإنسان غيره في موضع الاستئمان، فالوفاء بالعهد من مقتضيات الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
والغدر ينافي الإيمان وينقصه، فيجب على الإنسان الوفاء بالعهد ويحرم عليه الغدر، لما فيه من الظلم والعدوان وإنكار الحقوق، وينصب للغادر ديوان تحت مقعدته يوم القيامة، فيرتفع بين الناس قدر غدرته؛ ليعلم الناس به.
والغدر من صفات المنافقين، والغدر من كبائر الذنوب، لما فيه من ظلم، وأكل أموال الناس بالباطل.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «آية الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ».
متفق عليه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إذا اؤتُمِن خَان، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
متفق عليه.
• حكم الفخر والبغي:
الفخر أن يمدح الإنسان نفسه، ويفخر بما أعطاه الله من نعمة، سواءً كانت نعمة المال، أو العلم، أو الجاه أو الولد، أو قوة البدن، وما أشبه ذلك فخرًا وعلوًا على الناس، فهذا لا يجوز.
وأما التحدث بنعم الله على وجه إظهار نعمة الله على العبد مع التواضع لله فهذا محمود، لقوله سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨].
• وأما البغي فهو العدوان على الغير، بأن يعتدي على بدن الإنسان، أو ماله، أو أهله، أو مقامه، ونحو ذلك، وهو محروم:﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
والبغي محرم، لما فيه من ظلم وعدوان، وانتهاك حرمة أخيه المسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فيجب على المسلم أن يتواضع لله، ويتواضع للحق، ويتواضع للناس، والفخر كذلك محرم، لما فيه من الغلو والتعاظم، وقد نهى الله عن تزكية النفوس على وجه الفخر،فقال سبحانه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى/ ٤١ - ٤٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨].
• حكم مدح الإنسان غيره:
مدح الإنسان لغيره من الناس له أحوال:
الأولى: أن يكون في مدحه خيرًا، وتشجيعًا له على الأخلاق الحميدة، فهذا لا بأس به؛ لأنه تشجيع له على الكرم والإحسان إلى الغير، بل هو حسن ليستمر على ما هو عليه، وهو من التعاون على البر والتقوى، كما قال سبحانه:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
الثانية: أن يمدحه ليتبين فضله بين الناس؛ ليحترموه لما له من الأفعال الجميلة، كما فعل النبي ﷺ مع أبي بكر، وعمر ﵄.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْر ﵁: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
أخرجه مسلم.
وقال النبي ﷺ لعمر: «مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا، إِلا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ».
متفق عليه.
الثالثة: أن تمدح غيرك، وتغلو في إطرائه، وتصفه بما لا يستحق، فهذا محرم؛ لأنه كذب وخداع، وهو ضرر على المادح والممدوح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
الرابعة: أن تمدحه بما هو فيه، لكن تخشى أن الممدوح يغتر بنفسه، ويزهو ويترفع على غيره، فهذا محرم لا يجوز؛ لأنه سبب لحصول المحرم، كما قال النبي ﷺ: «إذَا رَأيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ».
أخرجه مسلم.
والمادح هو: الذي يمدح غيره أحياناً، ومن مدح غيره بحق فالأفضل أن يقول أحسبه كذلك، وحسيبه الله، ولا أزكي على الله أحدًا.
والمداح هو: الذي يكثر من مدح غيره، كلما جلس عند إنسان كبيرٍ، أو أميرٍ، أو عالمٍ، أو قاضٍ، وأمثالهم، قام يمدحه، فهذا حق أن يحثى في وجهه التراب، والمداح غير المادح، ولكل واحد حكمه.
عن المقتاد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذَا رَأيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ».
أخرجه مسلم.
فعلى المسلم أن يجتنب هذه الصفات السيئة، ولا يغلو في مدح إخوانه، ولا يعجب بقوته ولا بعلمه، ولا بماله، ولا بذكائه، ولا بعقله، والغالب أن الإنسان إذا أعجب بذلك فإنه يهزم ويخذل بإذن الله.
إن أعجب بعمله ضل، وإن أعجب بكثرته هُزم، وإن أعجب بعقله تاه، وإن أعجب بقوته خذل، فيجب على الإنسان ألا يعجب بنفسه، ولا بقوة من قواه، بل يستعين بالله، ويفوض أمره إليه، حتى يتم له ما يريد: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].
• صفة أولياء الله، وصفة أولياء الشيطان:
أولياء الله هم الذين آمنوا بالله، واتقوه، واستقاموا على دينه، فأولياء الله يؤمنون بالله، ويتقونه، ويقومون بطاعته على الوجه الأكمل، ولا يزكون أنفسهم، ولا يغرون الناس، ولا يخدعونهم بهذه الدعوة، ولا يدعون أنهم أسياد أو أولياء:﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فكل إنسان يوزن بعمله وإيمانه، فإن كان مدعي الولاية، عمله مبنيًا على الإيمان والتقوى فإنه ولي الله، وإلا فليس بولي، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
وقال الله ﷿: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
وعلامات محبة الله وولايته كثيرة، وأظهرها ما يلي:
الأولى: أولياء الله، وأهل محبته وطاعته، هم أهل الإيمان والتقوى فالإيمان بالقلب، والتقوى بالجوارح، فمن ادعى الولاية، ولم يتصف بهذين الوصفين فهو كاذب: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
الثانية: إتباع الرسول ﷺ، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
الثالثة: الذلة للمؤمنين، وعدم محاربتهم أو إيذائهم، والعزة على الكافرين فيقفون في وجوههم في الجهاد في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، لأنهم لا يخافون في الله لومة لائم، مهما لامهم أحد على ما قاموا به من دون الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦].
• والفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان ما يلي:
أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون الذين يحبون ما أحب الله، ويبغضون ما أبغض الله، ويرضون بما يرضى الله، ويسخطون مما يُسخط الله، ويأمرون بما أمر الله ورسوله به، وينهون عما نهى الله ورسوله عنه، ويفعلون ما أمر الله ورسوله به، ويجتنبون ما نهى الله ورسوله عنه، ويتبعون الرسول ﷺ ظاهراً وباطنًا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
والناس متفاضلون في ولاية الله ﷿ بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، ومتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وأولياء الله على طبقتين:
الأولى: سابقون مقربون: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١].
الثانية: أصحاب يمين مقتصدون.
والجنة درجات متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وهم متفاضلون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم، وأولياء الله ليسوا معصومين، قد يخطئون في بعض أمور الدين، جهلًا أو نسيانًا.
أما الأنبياء فيجب الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله؛ لأنهم معصومون، وتجب طاعتهم في كل ما يأمرون به، أما غيرهم فلا يطاعوا في كل شيء، بل يعرض ما جاء به أحدهم على الكتاب والسنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
أما أولياء الشيطان وهم الذين أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن، وخالفوا الكتاب والسنة، فهؤلاء جنود إبليس وأولياء الشيطان، وهؤلاء أخسر الناس في الدنيا و الآخرة:﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
وأولياء الشيطان قد تكون لهم خوارق من الشياطين، يفتنون بها الناس ويخدعونهم، كما يكون ذلك للكفار والمشركين، وأهل الكتاب وأهل البدع: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].
***
مختارات

