الخزانة الرابعة..
• فقه تغيير الأخلاق:
التغيير سنةٌ كونية جارية فيها آياتٌ وعبر: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢].
والله يغير في ملكه ما شاء، متى شاء، كيف شاء، ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، حراً وبرداً، صحةً ومرضًا، راحًة وتعبًا، وحركًة وسكوناً، وآمنًا وخوفًا: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]
وقد حّمل الله ﷿ الإنسان أمانة تغيير أخلاقه من بين سائر المخلوقات، ومكّنه من اختيار ما يريد من إيمان وكفر، وعدلٍ وظلم، وحقًا وباطل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩].
والإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، ويكسب أخلاقه من خلالها، فإن كانت طيبة تذكر بالله واليوم الآخر طابت أخلاقه وأعماله، وإن كانت سيئة فيها الفواحش والفجور والشهوات ساءت أخلاقه، وفسدت أعماله، ولهذا أمرنا الله ﷿ بلزوم البيئة الصالحة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وحذرنا من البيئة الفاسدة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].
وأصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طُبعت النفوس عليها، فهي كالنهر المنحدر الذي إن تُرك أغرق الأرض والعمران، فسكره وحبسه لا يجدي؛ لأنه سيجتمع فيكون إفساده وتخريبه أعظم، وقطعه من أصل الينبوع متعذر؛ لأنه كلما سد من موضع نبع من موضع آخر، فلم يزل خطره؛ لكن الأجدى، والأنفع، صرفه عن مجراه المنتهى إلى العمران إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه، ولا يتضررون به، فصرفه إلى أرض قابلة للنبات، وسقيها به، أجدى وأنفع وأسلم.
إذا تبين هذا فالله العليم الحكيم اقتضت حكمته أن ركب الإنسان، والحيوان على طبيعة محمولة على قوتين:
قوة غضبية.
قوة شهوانية.
وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها، وهما مركوزتان في جبلة كل حيوان برحمة العزيز العليم، فبقوة الشهوة يجذب الإنسان المنافع إلى نفسه، وبقوة الغضب يدفع المضار عن نفسه، فإذا استعمل الإنسان الشهوة في طلب ما يحتاج تولد منها الحرص.
وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه تولد منه القوة والغيرة، فإذا عجز عن ذلك الضار أورثه قوة الحقد، وإن عجز عن وصول ما يحتاج إليه، ورأى غيره مستبداً به أورثه الحسد، فإن ظفر بما يحب ويحتاج أورثته شدة شهوته خلق البخل والشح، وإن اشتد حرصه على الشيء، واشتدت شهوته له، ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية، فاستعملها فيه، أورثه ذلك العدوان، والبغي والظلم، ومنه يتولد الكبر والفخر والخيلاء، فالنهر مثال هاتين القوتين الغضبية، والشهوانية، وهو منصب في جداول الطبيعة، ومجراها إلى دور القلب، وعمرانه يخربها وينفعها، ولا بد:
قال النبي ﷺ: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ».
متفق عليه.
فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه، فخرب ديار الإيمان، وهدم عمران الإسلام، وقلع أشجاره الطيبة، وأنبت موضعها كل شجرة خبيثة.
وأما النفوس الزكية الفاضلة؛ فإنها رأت ما يؤول إليه أمر هذا النهر فافترقوا ثلاث فرق:
الأولى: أصحاب المجاهدات، والخلوات، والتمرينات، راموا قطعه من ينبوعه؛ فأبت عليهم حكمة الله، وما طبع الله عليه الجبلة البشرية، ولم تنقد له الطبيعة البشرية، فاشتد القتال، وحمي الوطيس، فانقطعوا،ولم يصلوا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الثانية: الدين أعرضوا عنه، وشغلوا نفوسهم بالأعمال، ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات مع تخليتهم إياها على مجراها، واشتغلوا بتحصين العمران وإحكام بنائه وأساسه؛ فهؤلاء صرفوا قوتهم، وإرادتهم، في العمارة والتحصين، وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها خوفاً من هدم البنيان: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
والفرقة الثالثة: رأت أن هذه الصفات ما خلقت عبثًا ولا سدى، وأنها بمنزلة ماء يسقى الورد والشوك، وأن ما خاف منه أولئك هو سبب الفلاح والنجاة، فرأوا أن الكبر نهر يسقى به العلو والفخر، والبطر والظلم، والشر والعدوان، ويسقى به علو الهمة والأنفة، والحمية والمراغمة لأعداء الله، وقهرهم فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
فأبقوه على حاله في نفوسهم؛ لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع كالخيلاء، فهي مبغوضة للرب، لكنها في الحرب أمام الأعداء، وعند الصدقة، محبوبة للرب.
وكذلك خلق الحسد مذموم؛ لكن صرفه إلى الحسد المحمود، الذي يوصل إلى المنافسة في الخير الذي يحبه الله، أمر محمود، كما قال النبي ﷺ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».
متفقٌ عليه.
فالأخلاق لها مصرفان:
مصرفُ طاعة، ومصرفُ معصية، مصرفُ خير، ومصرفُ شر، مصرف حسن، ومصرفٌ سيء، فخلق الحرص من أنفع الأخلاق وأوصلها إلى كل خير، وشدة الطلب بحسب قوة الحرص، فلا نقطعها؛ ولكن نوجهها إلى ما ينفع النفس في معادها، ويزكيها بالإيمان، والعبادات، والطاعات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
فقوة الحرص لا تُذم، وإنما يذم صرفها إلى ما يضر الحرص عليه من الشهوات والمعاصي، أو لا ينفع، وغيره أنفع للعبد منه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وكذلك قوة الشهوة من أنفع القوى للعبد، وأوصلها إلى كماله وسعادته، فإنها تثمر المحبة، وبحسب شهوة العبد للكمال، والاستقامة، يكون طلبه.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وصدق الشهوة وقوتها وكمالها يحمل المسلم على بيع مشتهى دنيء خسيس بمشتهى أعلى منه، وأجل، وأرفع، من أنواع الطاعات، والحسنات، والجنات، والدرجات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وكذلك خلق الشح والبخل لهما مصرفان:
الأول: مصرف محمود نافع للعبد، يحمله على بخله وشحه بزمانه ووقته، وأنفاسه أن يضيعها، ويسمح بها لمن لا يساويه، ويشح غاية الشح بحظه ونصيبه من الله أن يبيعه، أو يهبه لأحد من الخلق، ويشح بماله ألا يكون في ميزانه، وأن يتركه لغيره يتنعم به، ويفوته هو أجره وثوابه، فالشحيح بماله المحب له هو الذي يقدمه بين يديه زاداً لمعاده: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
الثاني: أما المصرف المذموم فهو من يشح ويبخل بماله ووقته، أن يصرفه فيما يحب الله ورسوله، وهذه قاعدة مطردة في جميع الصفات، والأخلاق: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فهذه قاعدة مطردة في جميع الصفات والأخلاق، فالرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بصرفها عن مجاريها المذمومة، إلى مجاريها المحمودة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وقال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فجاءوا بصرف قوة الشهوة إلى النكاح والتسري بدلاً من الزنا والسفاح، فصرفوا قوة الشهوة، ومجرى الحرام، إلى مجرى الحلال الذي يحبه الله ﷿
وجاءوا بصرف قوة الغضب من الظلم والبغي إلى جهاد أعداء الله ورسوله ﷺ، والغلظة عليهم، والانتقام منهم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].
وجاءوا بصرف قوة اللهو والركوب، إلى اللهو والرمي، والمسابقة على الخيل، وركوبها في سبيل الله، واللهو في العرس والعيد.
وكذلك شهوة استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا يذم بل يُحمد، وقد وقف النبي ﷺ يستمع إلى قراءة أبي موسى الأشعري ﵁ للقرآن، وأمر ابن مسعود ﵁ أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ عليه وسمع، وتأثر بما سمع وبكى.
وهذا سماع خواص الأولياء، فلا بدَّ للروح من سماعِ طيب تتغذى به، وهو سماع القرآن، وآيات الله المنزلة، فهذا سماع طيب تتغذى به، ولذا قال سبحانه: ﴿(٣)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤].
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لِي رَسُولُ الله ﷺ: «اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قال فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أقْرَأُ عَلَيْكَ! وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قال: إِنِّي أشْتَهِي أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١].
رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيل».
متفق عليه.
والسماع المذموم سماع المكاء، والتصدية، وألفاظ الخنا، وآلات المعازف.
فهذا غذاء، وهذا غذاء، ولكن لا يستوي مَنْ غذاؤه الحلوى والطيبات والعسل، ومَن غذاؤه الرجيع، والميتة، والدم، وما أُهلَّ به لغير الله: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].
تزكية النفوس بالتوحيد والإيمان والتقوى أصعب من علاج الأبدان، ولهذا أرسل الله بها الأنبياء والرسل:﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
فمن زكى نفسه بالرياضة، والمجاهدة، والخلوة، التي لم يجيء بها الرسل، فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، ويترك الطبيب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
والأنبياء والرسل هم أطباء القلوب، والأبدان، وتزكية النفوس مسلَّم إليهم، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، والله ﷿ إنما بعثهم لهذه التزكية، وولاهم إياها، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأِتَمِّمَ صَالِحَ الأْخْلَاقِ».
أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد بسندٍ حسن.
والنفس آية من آيات الله العظيمة، كما قال سبحانه:﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وهي موجودة في كل حيوان، وهي في غاية اللطف والخفة، موجودة في البدن، ولكنها لا تُرى، سريعة التنقل والحركة، سريعة التغير والتأثر، والانفعالات النفسية، من الهم، والإرادة، والقصد والحب، والبغض، ولولاها لكان البدن مجرد تمثال لا حركة فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة، كما قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وللإنسان مع نفسه حالتان:
الأولى: إما أن يطهر نفسه من الذنوب، وينقيها من العيوب، ويرقيها بطاعة الله، ويعليها بالعلم النافع، ويرفعها بالعمل الصالح، فهذا قد زكى نفسه بما يحبه الله، فهو من المفلحين، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٩].
الثانية: ان يهمل نفسه، ويتركها تتقلب في شهواتها،ناسية حقوقها وواجباتها: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ١٠].
والناس متفاوتون في الأعمال والأخلاق تفاوتاً كبيراً، وذلك بحسب تفاوت الإيمان والأعمال، والأخلاق ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هي خالصة لله فتقبل، وتبقى، وتنفع صاحبها؟ أم هي غير خالصة لله فترد، وتبطل، وتفني، وتضر صاحبها؟.
فالناس مختلفون، وأعمالهم وأخلاقهم متفاوتة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ٤].
ولهذا بين الله ﷿ أن العاملين قسمان، ولكل قسم عمل وحكم وجزاء في الدنيا والآخرة:
فالقسم الأول: من قام بما أمره الله به من التوحيد، والإيمان، وأدى ما أمر الله به من العبادات المالية كالزكوات، والصدقات، والنفقات، والكفارات، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم، والمركبة منهما كالعمرة، والحج، ونحوهما، واتقى ما نهى الله عنه من المحرمات، والمعاصي، وصدق بلا إله إلا الله وما دلت عليه، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي.
فهذا يسهل الله عليه أمره، ويجعله ميسراً له كل خير، ميسراً له ترك كل شر؛ لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٤ - ٧].
وأما القسم الثاني: فهو من بخل بما أمره الله به، فترك الإنفاق الواجب، والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، واستغنى عن الله، فترك عبادته، وطاعته، ولم يرى نفسه محتاجة إلى ربه الذي لا نجاة له إلا بعبادته، وطاعته.
وكذب بما أوجب الله على العباد التصديق به من الإيمان، وما يترتب عليه من الأعمال، والثواب، والجزاء.
فهذا ييسره الله للحالات العسرة، والخصال الذميمة، بأن يكون ميسراً للشر أينما كان، مقيضاً له فعل المعاصي؛ لأنه أتى بأسباب التعسير، والهلاك، نسأل الله العافية، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٨ - ١٠].
وأخلاق البشر يمكن تغييرها، وجرها إلى أن تكون حسنة أو قبيحة، حسب التذكير والوعظ، وحسب الإيمان والكفر، وحسب البيئة الصالحة أو الفاسدة إلا أن بعض النفوس، والطباع سريعة القَبول، والتأثر والتأثير، وبعضها صعب يحتاج إلى معالجة، وبعضها غير قابل.
كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أصَابَ أرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ الله، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله للهِ الَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ».
متفق عليه.
ومن سنة الله ﷿ في عباده أن الناس إذا غيروا ما بأنفسهم، فانتقلوا من الكفر إلى الإيمان، ومن معصية الله إلى طاعته، غيَّر الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء والذلة والشدة، إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وكذلك الله ﷿ لا يغير ما بقوم من النعمة والإحسان ورغد العيش، حتى يغيروا ما بأنفسهم، فينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعات إلى المعاصي، ومن شكر النعم إلى البطر بها، فيسلبهم الله عند ذلك إياها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١].
والإسلام كله تغيير العواطف من الأدنى إلى الأعلى، من المخلوق العاجز إلى الخالق القادر، ومن الدنيا إلى الدين والآخرة، ومن الاشتغال بالأموال والأشياء إلى المسارعة للإيمان والأعمال الصالحة، ومن العادات والتقاليد إلى السنن والآداب الإسلامية، ومن الدعوة إلى الأشياء إلى الدعوة إلى الله، وإلى امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وجزاء ذلك كله العزة في الدنيا، والجنة في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
***
مختارات

