الخزانة الأولى..
فقه الصبر:
الصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن إساءة الأدب.
والصبر تجرع المرارة من غير تعبس، والرضا بالمكتوب من دون تسخط.
الصبر لزوم التقوى، والبعد عن مخالفة المولى، والوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وترك الشكوى، وإظهار الغنى مع حلول الفقر.
والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج: ٥].
والصبر من خواص الإنسان، ولا يُتصور ذلك في البهائم، والملائكة.
أما البهائم؛ فلنقصانها، وأما الملائكة؛ فلكمالها، فالبهائم سلطت عليها الشهوات، وليس لشهواتها عقلٌ يعارضها.
والملائكة عقولٌ مجردة، للشوق إلى حضرة الربوبية، والتسبيح، والتقديس، والابتهاج بالقرب من الرب، ولم يسلط عليهم ربهم شهوات تصرفهم عن ذلك: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
وأما الإنسان فقد خلقه الله ناقصًا في الصبا كالبهيمة، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء لحاجته إليه.
فإذا بلغ ظهرت فيه شهوات، تدعوه إلى طلب اللذات العاجلة، والإعراض عن الدار الآخرة، وعقلًا يدعوه إلى طلب اللذات الروحانية، والإعراض عن الشهوات العاجلة؛ لهذا احتاج إلى مذكر مكرر؛ ليقدم العمل للباقية، ويعرض عن الفانية.
قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦].
وما من طاعة إلا وأجرها مقدر، إلا الصبر، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].
والصبر من أعظم ثمرات الهداية.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
والدين ركنان:
o نصف صبر
o ونصف شكر.
والناس اثنان:
o غنيٌ شاكر
o وفقيرٌ صابر.
فإذا ادلهمت الأمور، واسودت الحياة، وأظلمت الدنيا، فالصبر ضياء، وإذا انسدت المطالب، وعظمت المصائب، فالصبر دواء، وإذا عظم الجزع، واشتد الخوف، فالصبر جلاء، وإذا نزل المكروه، وحل الأمر المخوف، فالصبر النجاء، وإذا أصبح الدين في غربة، والإسلام في كربة، وغلبت الشهوات، وعظمت الشبهات، فالصبر عزاء.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، ومن يتصبر يصبره الله، والصبر دليلٌ على عظمة الإرادة، وبرهان على قوة العزيمة: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
جزاء الصابرين:
الأول: الصابرون تُفتح لهم الأبواب، ويوفون أجرهم بغير حساب، إذا استكملوا معاني الصبر الثلاثة:
o صبرٌ على الطاعات، حتى يؤديها.
o وصبرٌ عن المعاصي، حتى يتركها.
o صبرٌ على الأقدار المؤلمة، حتى يرضى بها، ثم يحمد الله عليها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
الثاني: الصابرون يعطون جزاءهم، بأحسن أعمالهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].
الثالث: الصابرون تُزف لهم أعظم البشارات.
قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
الرابع: الصابرون لهم الفوز بالجنة، والنجاة من النار، وتمام المنة، كل ذلك ينالونه بالصبر.
قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
الخامس: أن أهل الصبر يرثون الإمامة في الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
السادس: الحفاظة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠].
السابع: الفلاح في الدنيا، والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
أقسام الصبر:
الصبر: حبس النفس عن التسخط؛ لرؤية حكمة القادر العليم الخبير.
والصبر نوعان:
الأول: صبرٌ لا غريم لك فيه، كمن مرض، فلا غريم له.
الثاني: صبرٌ لك فيه غريم، كمن جرحك، أو سرقك،فالنفس تطلب الانتقام ممن ظلمها: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
والصبرُ له أسباب، وأبواب:
١ - صبرٌ على الطاعات.
٢ - صبرٌ عن المعاصي.
٣ - صبرٌ على المكروه.
٤ - صبرٌ على ما يصيب المسلم من الأذى؛ في سبيل الدعوة إلى الله.
٥ - صبرٌ على البلاء في النفس.
٦ - صبرٌ على الكيد والمكر من القريب والبعيد.
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
والصبر المحمود:
هو الذي لا يشغلك عن الطاعات، فمن أقعده الصبر عن العمل، فقد أباح الله له أن يأخذ حقه، فلا يكون صبرك على من أذاك، شاغلًا لك عن طاعة مولاك، وسببًا لملء قلبك بالغل والحقد والعدوان، ولئلا يشغلك هذا، فقد أباح الله لك الانتقام.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩].
فالصبر من أجل رؤية حكمة القادر الذي قدر، ومن أجل امتثال أمر الله في الصبر، ومن أجل الحصول على عظيم الثواب، وتسليم القلب لكل ذلك من أعظم مقامات الدين.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
والصبر من أعظم المقامات، إذا استكمل أنواعه.
والأخلاق درجات، الانتقام، وأعلى منه الصبر، وأعلى منه كظم الغيظ، وأعلى منه العفو حتى لا يبقى منه آثرٌ في القلب، وأعلى منه الإحسان إلى المعتدي.
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والإحسان هو:
بذل الندى، وكف الأذى، وأعقل الناس من أحسن إلى من أساء إليه؛ لأنه يحسن إلى من جعل الله بجانبه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
ومن أحسن في عبادة ربه، وأحسن إلى خلقه، وأحسن إلى من أساء إليه، كان في أعلى مقامات الدين، وفاز بحب الله، والناس أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]
***.
مختارات

