باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى (٣)
قصّة داود وَمَا كان في أيامه وذكر فضائِله وَشمائِله وَدَلائل نبوّته وأعلامه
هو داود بن إيشا بن عويد بن باغز بن سلمون بن نحشون بن عميناداب بن إرم بن حضرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس.
قال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبّه: كان داود ﵇ قصيرًا، أزرق العينين، قليل الشعر، طاهر القلب نقيه.
تقدم أنه لما قتل جالوت، وكان قتله له، فيما ذكر ابن عساكر، عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصُّفَّر فأحبته بنو إسرائيل، ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فكان من أمر طالوت ما كان، وصار الملك إلى داود ﵇، وجمع الله له بين الملك والنبوة، بين خير الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط، والنبوة في آخر، فاجتمع في داود هذا وهذا كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: لولا إقامة الملوك حكَّامًا على الناس لأكل قويُّ الناسِ ضعيفَهم.
ولهذا جاء في بعض الآثار: السلطان ظلّ الله في أرضه وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وقد ذكر ابن جرير في "تاريخه" أن جالوت لما بارز طالوت فقال له: اخرج إلي وأخرج إليك، فندب طالوت الناس فانتدب داود فقَتل جالوت.
قال وهب بن مُنبّه: فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر، وخلعوا طالوت، وولوا عليهم داود وقيل: إن ذلك كان عن أمر شمويل، حتى قال بعضهم: إنه ولّاه قبل الوقعة.
قال ابن جرير: والذي عليه الجمهور أنه إنما ولي ذلك بعد قتل جالوت والله أعلم.
وروى ابن عساكر، عن سعيد بن عبد العزيز أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم، وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية.
فالله أعلم.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١].
وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٧٩ - ٨٠].
أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصّن المقاتلة من الأعداء، وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: لا تُدِقَّ المسمارَ فيقلق ولا تُغلظه فيفصم.
قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة.
قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة.
قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح.
قال ابن شوذب: كان يعمل كلّ يومٍ درعًا يبمِعها بستة آلاف درهم.
وقد ثبت في الحديث أن أَطْيَبَ ما أكل الرجل من كسبه، وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠].
قال ابن عباس ومجاهد: الأيد: القوة في الطاعة، يعني كان ذا قوة في العبادة والعمل الصالح.
قال قتادة: أُعطي قوةً في العبادة، وفقهاً في الإسلام.
قال: وقد ذُكر لنا أنه كان يقوم الليل، ويصوم نصفَ الدهر.
وقد ثبت في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ قال: "أَحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللهِ صَلَاةُ دَاودَ وأَحَبُّ الصِّيامِ
إلى اللهِ صِيَامُ دَاودَ، كان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثُلُثه.
وينامُ سُدُسَه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفِرُّ إذا لاقى".
وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾، كما قال:﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أي: سبّحي معه.
قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: عند آخر النهار وأوّله، وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدًا، بحيث إنه كان إذا ترنَّم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يُرجِّع بترجيعه ويسبح بتسبيحه، وكذلك الجبال تجيبه وتُسبِّح معه كلما سبَّح بُكرَةً وعَشِيًا، صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الأَوزاعي حدّثني عبد الله بن عامر قال: أُعطي داود من حسن الصوت ما لم يُعْطَ أحدٌ قَطّ، حتى أن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشًا وجوعًا، وحتى أن الأنهار لتقف.
وفال وهب بن منبه: كان لا يسمعه أحد إلا حَجَل كهيئة الرقص، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله، فيعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعًا.
وقال أبو عوانة الإسفراييني: حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا محمد بن منصور الطوسي، سمعت صبيحًا أنبأنا براد (ح) قال أبو عوانة: وحدّثني أبو العباس المدني، حدّثنا محمد بن صالح العدوي، حدّثنا سيَّار -هو ابن حاتم- عن جعفر، عن مالك قال: كان داود ﵇ إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى.
وهذا غريب.
وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج: سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال: وما بأس بذلك، سمعت عبيد بن عُمير يقول: كان داود ﵇ يأخذ المِعزَفة فيضرب بها فيقرأ عليها، فترد عليه صوته.
يريد بذلك أن يبكي وتبكي.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا مَعْمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سمع رسول الله ﷺصوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال: "لقد أُوْتي أبو مُوسَى مِنْ مَزَامِيْر آل داود" وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه.
وقال أحمد حدّثنا حسن حدّثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لقد أُعْطي أَبو مُوْسَى مِن مَزامِيْرِ داود".
على شرط مسلم.
وقد روينا عن أبي عثمان النهدي أنه فال: لقد سمعت البَرْبَط والمزمار، فما سمعت صوتًا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري.
وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابه الزبور كما قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "خُفّفَ عَلَى داود القِراءةُ فَكَانَ يأْمُرُ بِدَابَّتِهِ فَتُسْرَج، فَكَانَ يَقْرَأُ القُرآنَ مِن قَبْل أَنْ تُسْرَجَ دَابَّتُهُ، وَكَانَ لا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ".
وكذلك رواه البخاري منفردًا به عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق، به.
ولفظه: "خُفّف عَلَى داودَ القرآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّه فَتُسْرَج فَيَقْرَأُ القرآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّه وَلَا يَأْكُلُ إلّا مِنْ عَمَل يديه) ".
ثم قال البخاري: ورواه موسى بن عقبة، عن صفوان -هو ابن سليم- عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.
وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ في "تاريخه" من طرق عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة.
ومن طريق أبي عاصم، عن أبي بكر السبري، عن صفوان بن سليم، به.
والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الذي أنزله عليه وأوحاه إليه.
وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظًا، فإنه كان ملكًا له أتباع، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تُسرج الدواب، وهذا أمر سريع مع التدبُّر والترنُّم والتغني به على وجه التخشع، صلوات الله وسلامه عليه.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] والزبور كتاب مشهور، وذكرنا في "التفسير" الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان، وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه.
وقوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أي: أعطيناه ملْكًا عظيمًا وحُكمًا نافذًا.
روى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا إلى داود ﵇ في بقر ادَّعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه، فأنكر المدَّعى عليه، فأرجأ أمرهما إلى الليل، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يَقتل المدَّعي، فلما أصبح قال له داود: إن الله تعالى قد أوحى إلي أن أقتلك، فأنا قاتلك لا محالة، فما خبرك فيما ادعيته على هذا؟ قال: والله يا نبي الله إني لَمحق فيما ادعيت عليه، ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا.
فأمر به داود فقُتل، فعظم أمرُ داود في بني إسرائيل جدًا، وخضعوا له خضوعًا عظيمًا، قال ابن عباس وهو قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة، ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، قال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السُّلَمي وغيرهم: فصل الخطاب: الشهود والأيمان، يعنون بذلك البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر وقال مجاهد والسّدي: هو إصابة القضاء وفهمه وقال مجاهد: هو الفصل في الكلام وفي الحكم.
اختاره ابن جرير وهذا لا ينافي ما رُوي عن أبي موسى أنه قول: أما بعد.
وقال وهب بن منبه: لما كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أُعطي داود سلسلة لفصل القضاء، فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس، وكانت من ذهب، فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقًا نالها، والآخر لا يصل إليها، فلم تزل كذلك حتى أودع رجلٌ رجلًا لؤلؤة فجحدها منه، واتخذ عكازًا وأودعها فيه، فلما حضر عند الصخرة تناولها المدعي، فلما قيل للآخر: خُذها بيدك عمد إلى العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلؤة وقال: اللهم إنك تعلم أني دفعتها إليه، ثمّ تناول السلسلة فنالها، فأشكل أمرها على بني إسرائيل.
ثمّ رفعت سريعًا من بينهم.
ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين.
وقد رواه إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب، به، بمعناه.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٣ - ٢٥].
قد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصاً وأخباراً أكثرها إسرائيليات، ومنها ما هو مكذوبٌ لا محالة، تركنا إيرادها في كتابنا قصداً اكتفاءً واقتصاراً على مجرّد تلاوة القصّة من القرآن العظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وقد اختلف الأئمة في سجدة ﴿ص﴾ هل هي من عزائم السجود، أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود، على قولين.
قال البخاري حدّثنا محمد بن عبد الله، حدّثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوَّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابنَ عباس: من أين سجدت؟ فقال أوما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ممن أُمِر نبيُّكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ.
وقد قال الإمام أحمد حدّثنا إسماعيل -هو ابن علية- عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في السجود في ﴿ص﴾: ليست من عزائم السجود.
وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها.
وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث أيوب.
وقال الترمذي: " حسن صحيح ".
وقال النسائي أخبرني إبراهيم بن الحسن المِقْسَمي، حدثنا حجّاج بن محمد، عن عمر بن ذَرّ، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾ وقال: "سَجَدَها دَاودُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُها شُكْراً" تفرد به، ورجاله ثقات.
وقال أبو داود: حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرح، عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّن الناس للسجود فقال: "إنّما هي تَوْبَةُ نَبي ولكنْ رَأَيْتكُم تَشَزنْتُم" فنزل وسجد.
تفرد به أبو داود.
وإسناده على شرط الصحيح.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفان، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا حُميد، حدّثنا بكر -هو ابن عمر- وأبو الصديق الناجي أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ﴿ص﴾ فلما بلغ (إلى) التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكلَّ شيء بحضرته انقلب ساجداً، قال: فقصَّها على النبي ﷺ، فلم يزل يسجد بها بعد.
تفرّد به أحمد.
وروى الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس، عن الحسن بن محمد بن عُبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جُريج: حدّثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: إني رأيت فيما يرى النائم كأني أُصلي خلف شجرة، ففرأت السجدةَ، فسجدت الشجرة بسجودي،فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلْها لي عندك ذُخراً، وضع عنّي بها وِزراً، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود، قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثمّ سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة.
ثمّ قال الترمذي:غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد ذكر بعض المفسرين أنه ﵇ مكث ساجداً أربعين يوماً.
وقاله مجاهد والحسن وغيرهما.
وورد في ذلك حديث مَرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو ضعيف متروك الحديث قال الله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
أي: وإن له يوم القيامة لزلفى، وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة ) قدسه بسببها، كما ثبت في الحديث: "المُقْسِطُوْنَ على مَنَابِرَ مِنْ نُوْرٍ عَنْ يَمِيْنِ الرَّحْمنِ، وَكِلْتَا يديه يمينٌ، الذين يُقْسِطون في أَهليهم وحكمِهم وما وَلوا".
وقال الإمام أحمد في " مسنده ": حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ أَحَبَّ النَاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيامة وأَقْرَبَهُم مِنْه مَجْلِساً إمامٌ عَادِلٌ، وإنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَة وأشَدَّهُم عَذابًا إمامٌ جَائِرٌ".
وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغرّ، به.
وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سيّار، حدّثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: مقام داود ﵇ يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول الله:يا داود مجَّدْني اليومَ بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنتَ تمجَّدني به في الدنيا.
فيقول: وكيف وقد سلبته؟فيقول: إني أرده عليك اليومَ.
قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.
﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
هذا خطاب من الله تعالى مع داود، والمرادُ ولاة الأمور وحُكّام الناس، وأمرهم بالعدل واتِّباع الحق المنزّل من الله لا ما سواه من الآراء والأهواء، وتوعّد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك، وقد كان داود ﵇ هو المقتدى به في ذلك الوقت في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلاً ونهاراً، كما قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]
قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدّثنا صالح المُرَّي، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجَلْد قال: قرأت في مسألة داود أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصِل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي "أن يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ قال: بلى يا رب.
قال: فإني أرضى بذلك منك".
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن بالويه، حدّثنا محمد بن يونس القرشي، حدّثنا رَوح بن عبادة، حدّثني عبد الله بن لاحق، عن ابن شهاب قال: قال داود: الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعزّ جلاله.
فأوحى الله إليه: إنك أتعبتَ الحفَظَةَ يا داود.
ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد، عن الثوري، مثله.
وقال عبد الله بن المبارك في كتاب " الزهد": أخبرنا سفيان الثوري، عن رجل، عن وهب بن منبه قال: إن في حكمة آل داود: وحق على العقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب.
وحق على العقل أن يعرف زمانه، ويحفظ لسانه، ويقبل على شأنه.
وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زاد لمعاده، ومرمة لمعاشه، ولذة من غير محرم.
وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه، فذكره.
ورواه أيضاً عن علي بن الجعد، عن عمر بن هيثم الرقاشي، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه، فذكره، وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته.
قال ابن عساكر: وقال عبد الرزاق: أخبرنا بشر بن رافع، حدّثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له: أبو عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه، فذكر مثله.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ أشياء كثيرة مليحة، منها قوله: كن لليتيم كالأب الرحيم.
واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد.
وروى بسندٍ غريبٍ مرفوعاً قال داود: يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها.
وعن داود ﵇ أنه قال: مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغنّي عند رأس الميت.
وقال أيضاً: ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى.
وقال: انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت.
وقال: لا تَعِدنَّ أخاك بما لا تنجزه له فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه.
وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدّثني هشام بن سعد، عن عمر مولى غفرة قال: قالت اليهود لما رأت رسول الله ﷺ يتزوج النساء: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام، ولا والله ماله همة إلا إلى النَّساء، وحسدوه لكثرة نسائه، وعابوه بذلك، وقالوا: لو كان نبياً ما رغب في النساء.
وكان أشدهم في ذلك حُيي بن أخطب،فكذبهم الله تعالى وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه قال ﷾: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني بالناسِ رسول الله ﷺ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] يعني ما آتى الله سليمانَ بن داود، كانت له ألفُ امرأة، سبعمئة مهيرة (١) وثلاثمئة سرية، وكانت لداود ﵇ مئة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة، هذا أكثر مما لمحمد ﷺ.
وقد ذكر الكلبي نحو هذا، وأنه كان لداود ﵇ مئة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمئة سرية.
وروى الحافظ في "تاريخه"في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروي عن ابن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي، عن أبي هريرة الحمصي، عن صدقة الدمشقي: أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام؟ فقال: لأحدثنك بحديثٍ كان عندي في التخت (٢) مخزوناً: إن شئت أنبأتك بصوم داود، فإنه كان صوَّاماً قوّاماً، وكان شجاعاً لا يفرُّ إذا لاقى، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وقال رسول الله ﷺ: "أَفْضَلُ الصَّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ"، وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكون فيها.
وكانت له ركعة من آخر الليل يبكي فيها نفسه، ويبكي ببكائه كلّ شيء ويصرف بصوته الهموم
والحموم.
وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان، فإنه كان يصوم من أوّل الشهر ثلاثة أيام، ومن وسطه ثلاثة أيام، ومن آخره ثلاثة أيام، يستفتح الشهر بصيام، ووسطه بصيام، ويختمه بصيام.
وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى ابن مريم؛ فإنه كان يصوم الدهر، ويأكل الشعير، ويلبس الشعر، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب، وكان أينما أدركه الليل صفن بين قدميا، وقام يصلّي حتى يصبح، وكان راميًا لا يفوته صيد يريده، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم.
وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران فإنّها كانت تصوم يومًا وتفطر يومين.
وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي محمد ﷺ فإنه كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، ويقول: "إن ذلك صوم الدهر ".
وقد روى الإمام أحمد عن أبي النضر، عن فرج بن فضالة، عن أبي هرم، عن صدقة، عن ابن عباس مرفوعاً في صوم دواد.
ذكر كمّيّة حياته وكيفيّة وفاته ﵇
قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء ﵈، ورأى فيهم رجلاً يزهر فقال: أي ربَّ من هذا؟ قال: هذا ابنُك داود.
قال: أي ربّ كم عمره؟ قال: ستون عاماً.
قال: أي ربّ زِدْ في عمره.
قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك.
وكان عمر آدم ألفَ عام، فزاده أربعين عاماً، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملكُ الموت، فقال: بقي من عمري أربعون سنة، ونسي آدم ما كان وهَبه لولده داود، فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مئة سنة.
رواه أحمد عن ابن عباس، والترمذي -وصححه- عن أبي هريرة.
وابن خزيمة
وابن حبان وقال الحاكم على شرط مسلم.
وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم.
قال ابن جرير: وقد زعم بعض أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعاً وسبعين سنة.
قلت: هذا غلط مردود عليهم قالوا: وكان مدة ملكه أربعين سنة.
وهذا قد يُقبل نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه.
وأما وفاته ﵇، فقال الإمام أحمد في "مسنده" حدّثنا قتيبة، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺقال: "كانَ داودُ ﵇ فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيْدَةٌ، فَكانَ إذا خَرَجَ أُغلقت الأبواب فَلَم يَدْخُلْ عَلى أَهْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى يَرْجِعَ.
قال:فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ وغلقت الدارُ فأقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَطلع إلى الدَّارِ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ وَسطَ الدَّارِ، فَقَالَت لِمَنْ في البيْتِ: مِنْ أيْنَ دَخَلَ هذا الرَّجُلُ والدَّارُ مُغْلَقَةٌ؟ واللهِ لنَفْتَضِحَنَّ بداود.
فجاءَ داودُ فإذا الرجُلُ قائِمٌ وسطَ الدَّارِ، فقالَ لَهُ داودُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أنا الذي لا أَهَابُ الملوكَ ولا يمتنع من الحجَّاب، فقالَ داودُ: أنتَ واللهِ إذَنْ مَلَكُ الموْتِ، مَرْحَباً بأمْرِ اللهِ.
فَزَمَلَ دَاوُدُ مَكَانَهُ حَتّى قُبِضَتْ نَفْسُه، حتى فَرَغَ مِنْ شَأنِه.
وطَلَعَتْ عَليهِ الشَّمْسُ، فقالَ سُليمانُ لِلطَّيْر:أَظِلّي عَلَى دَاوُد، فأظَلَّت عَلَيه الطيرُ حتى أظلَمَتْ عَلَيهِ الأرْضُ.
فقالَ سُلَيمانُ لِلطَّيْر: اقبضي جناحاً جناحًا".
قال أبو هريرة: يرينا رسول الله ﷺ كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله ﷺ بيده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية.
انفرد بإخراجه الإمام أحمد.
وإسناده جيد قوي، رجاله ثقات.
ومعنى قوله: "وغلبت عليه يومئذ المضرحية" أي: وغلبت على التظليل عليه المضرحية وهي الصقور الطوال الأجنحة،وإحداها: مَضْرحي.
قال الجوهري: وهو الصقر الطويل الجناح)
وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس قال: مات داود نبي الله ﵇ فجأة، وكان بسبت، وكانت الطير تظله.
وقال السدي أيضاً عن أبي مالك، وعن سعيد بن جبير قال:مات داود ﵇ يوم السبت فجأة.
وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة،عن الحسن قال: مات داود ﵇ وهو ابن مئة سنة، ومات يوم الأربعاء فجأة.
وقال أبو السكن الهجري: مات إبراهيم الخليل فجأة، وداود فجأة، وابنه سليمان فجأة، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
رواه ابن عساكر.
وروي عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه، فقال له: دعني أنزل أو أصعد.
فقال: يا نبي الله نفدت السنون والشهور والآثار والأرزاق.
قال: فخرَّ ساجداً على مِرْقاة من تلك المراقي، فقبضه وهو ساجد.
وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا زافر بن سليمان، عن أبي سليمان الفلسطيني، عن وهب بن منبه قال: إن الناس حضروا جنازة داود ﵇، فجلسوا في الشمس في يومٍ صائفٍ.
قال: وكان شيَّع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعاً عليه منهم على داود.
قال: فأذلقهم الحر فنادوا سليمان ﵇ أن يعجل عليهم لما أصابهم من الحر، فخرج سليمان فنادى الطيرَ، فأجابت، فأمرها فأظلمت الناس.
قال: فتراص بعضها إلى بعض من كلّ وجه حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غماً، فصاحوا إلى سليمان ﵇ من الغم، فخرج سليمانُ فنادى الطير: أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنَحي عن ناحية الريح، ففعلت، فكان الناس في ظل تهب عليهم الريح، فكان ذلك من أول ما رأوا من ملك سليمان.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا أبو همّام الوليد بن شجاع، حدّثني الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوضين بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: قال
رسول الله ﷺ: "لَقَد قَبَضَ اللهُ دَاودَ مِنْ بَينِ أصْحابهِ ما فُتِنوا ولا بَدَّلوا، وَلَقَد مَكَثَ أصْحَابُ المسيحِ على سننهِ وهَدْيهِ مئتي سَنةٍ".
هذا حديث غريب، وفي رفعه نظر.
والوضين بن عطاء كان ضعيفاً في الحديث والله أعلم.
(١) المهيرة: غالية المهر.
اللسان.
وهو كذلك في بعض النسخ وفي أصولنا: مهرية، والصواب ما أثبتناه.
(٢) التخت: وعاء تحفظ فيه الثياب.
مختارات

