الخزانة العاشرة..
نعم الدينٍ والدنيا والآخرة كلها من الله وحده لا شريك له:
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والله سبحانه بالناس رءوفٌ رحيم، يمنح العباد من رعايته وبفيض عليهم من رحمته ويغمرهم بسابغ فضله بتسخير ما في السماوات والأرض لهم، وإرسال رسله إليهم، وإنزال كتبه عليهم واحتمال رسله ما يحتملون من إيذائهم وإعراضهم والسخرية منهم وهم يعفون عنهم ويصبرون على أذاهم:﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج: ٨].
إن الإنسان ليُحار ويدهش من رؤية فضل الله ومنه وكرمه حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر الضعيف العاجز ينال من كرامة الله وعنايته ورعايته، كل هذا القدر الهائل العظيم من النعم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فالإنسان ساكنٌ صغير من سكان هذه الأرض السابحة في الفضاء، والسماء والأرض مملوءة بمخلوقات لا يحصيها إلا الله، ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية والعناية، حيث خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء وجعله في الدنيا خليفة ويوم القيامة جليسه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وكم فضل الله وإحسانه إلى البعاد، خلق الله الإنسان واستخلفه في الأرض ووهبه كل أدوات الخلافة سواء إن كانت في تكوينه وتربيته وتركيبه، أو تسخير القوى والطاقات الكونية الملازمة له في خلافته، من شمسٍ تشرق وهواءٌ يجري في الكون وأرض ممهدة وأرزاق مختلفة، ويظل هذا المخلوق يتبجح حتى لا يشرك بربه أو ينكره.
فإذا ما حصل منه ذلك أرسل الله برحمته إليه الرسل رسولاً بعد رسول وينزل على الرسل الكتب والآيات والمعجزات ويخبرهم عن ذوات أنفسهم وعمن سبقهم ويسوقهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم مما يضرهم، كل ذلك من أجل هذا الإنسان: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والناس خُلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة، ليدركوا مدى فضل الله ورعايته ورحمته بعباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
وليستحيوا أن يقابلوا فضل الله الخالص ورعايته المجردة ورحمته الفائضة بالإعراض والجحود والإنكار: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
فكتاب الله ﷿ فيه تبيان كل شيء، يُلمس بمثل هذه الحقائق الكبرى قلوب البشر لأن الحقيقة حين تُجلى أفعل في النفس، ولأن الله هو الحق وبالحق أنزل كتبه وأرسل رسله، فلا يتحدث إلا بالحق، ولا يُقنع إلى بالحق، ولا يعرض إلا الحق، ولا يشير ويوصي بغير الحق، فما أحوجنا إلى تدبر القرآن بنور الإيمان: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
والله ﷿ لطيفٌ بعباده يرزق من يشاء، يرزق الصالح والطالح والمؤمن والكافر، وهو الغني المالك لذلك القادر عليه: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ [الشورى: ١٩].
فجميع الأرزاق تخرج من خزائنه إلى جميع خلقه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والبشر أعجز من إن يرزقوا أنفسهم شيئًا، وقد وهبهم الله الحياة وكفل لهم أسبابها الأولية، ولو منع الله رزقه عن الكافر والفاسد ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم ولماتوا جوعاً وعطشاً وعرياً وعجزاً عن أسباب الحياة الأولى، ولما تحققت الحكمة من إحيائهم وإعطائهم الفرصة أن يؤمنوا أو يكفروا، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
فالناس في الدنيا إما أن يؤمنوا أو يكفروا، والله ابتلاهم ليعملوا في الحياة الدنيا ما يُحسب لهم في الآخرة أو عليهم:﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
ومن ثم أخرج سبحانه الرزق من دائرة الصلاح والطلاح، ومن دائرة الإيمان والكفر، وعلقه بأسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة، واستعداد الأفراد وجعله فتنة وابتلاءً يجزي عليهما الناس يوم الجزاء، ثم جعل سبحانه الدنيا حرثًا والآخرة حرثًا يختار المرء منهما ما يشاء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠].
فمن كان يريد حرث الآخرة عمل فيه وزاده الله له في حرثه وبارك له في عمله، وكان له مع حرث الآخرة رزقٌ مكتوب له في هذه الأرض لا يحرم منه شيئاً ولا مثقال ذرة، ومن كان يريد حرث الدنيا أعطاه الله من عرض الدنيا رزقه المكتوب له لا يُحرم منه شيئاً.
لكن ليس له في الآخرة من نصيب فهو لم يعمل في حرث الآخرة شيئاً ينتظر عليه ذلك التنصيب: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢٢].
فاللهم فقهنا في الدين واجعلنا هداه مهتدين، وما أحمق الذين يريدون حرث الدنيا فقط فالله بفضله يمد هؤلاء وهؤلاء، ولكل إنسان نصيبه من حرث الدنيا وفق المقدور له بعلم الله، ثم يبقى حرث الآخرة خالصاً لمن أراده وعمل فيه:﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
أرزاق العباد كلها في السماء:
أرزاق العباد كلها في السماء، ومكان الاستلام في الأرض،كما قال سبحانه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢].
ولو كانت الأرزاق في الأرض لتقاتل الناس عليها.
إن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض حيث يكد فيها الإنسان ويكدح وينتظر من وراءها الرزق والنصيب، ولكن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء إلى الغيب إلى الله ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم والخط المرسوم من الله الرزاق ذي القوة المتين.
أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة فهي آيات للموقنين، آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله ويتخلص من أثقال الأرض وأوفاق الحرص والأسباب الظاهرة للرزق، فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى من أنشأ هذه الأرزاق وأنشأ هذه الأسباب:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فالقلب المؤمن بربه يدرك هذه اللفتة ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها، فهو مكلفٌ بالخلافة فيها وتعميرها، وإنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بالأرض وألا يغفل عن الله في عمارتها، ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء، وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه فرزقه مقدرٌ في السماء وما وعد الله لابد أن يكون في مكانه وزمانه ومقداره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
وبهذا ينطلق قلب الإنسان من آثار الأسباب الظاهرة في الأرض ويراها آيات تدله على خالق الأسباب ويعيش قلبه موصولاً بربه، موصولاً وناظراً إلى السماء وقدماه على الأرض، والإيمان هو الوسيلة التي تجعل الإنسان مفضلاً على العالمين.
وإذا استقام الناس على الدين أفاض الله عليهم الرزق والرخاء وابتلاهم به لينظر أيشركون أم يكفرون، فإذا آمنوا واتقوا فتح الله عليهم بركات السماء والأرض وتدفقت عليهم الأرزاق، وإذا حادوا عن الطريق اُستلبت منهم الخيرات وما يزالون في نكد وفي شظف حتى يعودوا إلا الله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٦ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وإذا كانت هناك أممٌ لا تستقيم على دين الله، ثم تنال الوفرة والغنى فإنها تعذب بآفات أخرى في إنسانيتها أو آمنها أو قيمة الإنسان وكرامته فيها، فتلك النعم الظاهرة تسلب عن ذلك الغنى والوفر معنى الرخاء والطمأنينة، وتحيل الحياة إلى تعاسة وترديٍ في الأخلاق: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
والرخاء كالشدة ابتلاءٌ من الله لعباده وفتنه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
والصبر على الرخاء والقيام بواجب الشكر عليه والإحسان فيه، أشق على النفس من الصبر على الشدة، فكثيرٌ من الناس يصبر على الشدة ويتماسك لها بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة ومن ذكره لله والتجاء إليه واستعانة به حين تسقط الأسناد في الشدة فلا يبقى إلا ستره عونا، وعونه ﷻ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فأما الرخاء فيُلهي ويُنسي ويُطغي: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
فالنعيم والرخاء فيلهي ويُنسي ويُطغي ويرخي الأعضاء ويقيم عناصر المقاومة في النفس ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان والكبر والطغيان.
والله سبحانه الذي أعطى النعم للإنسان قادرٌ عل أخذها، فهو الذي أعطاها وهو القادر على أخذها، لأنه بيده المُلك:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
ولذلك فأول الأشياء في بقاء النعم نسبة الفضل إلى الله في حصولها للعبد، وشكر الله عليها واستعمالها في طاعته،وأداء حق الله فيها من الزكاة وإخراج حق ما أوصى الله بهم من الفقراء والمساكين وذلك الذي يحفظها ويزيدها بركة ونماءً: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
فإن أنكر الإنسان قدرة الله في حصول النعمة ونسبها إلى نفسه، عاقبه الله بتلفها وزوالها كما حصل لقارون حيث خسف الله به وبداره الأرض: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
وإذا منع العبد حق الفقراء والمساكين منه عاقبه الله كذلك بزوالها وانتقم لحق الفقراء منه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
الله ﷿ هو الرزاق ذو القوة المتين الذي تكفل بأرزاق الخلائق كلها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]
وليس المقصود هنا أن هناك رزقاً فردياً مقدراً لا يأتي بالسعي ولا يتأخر بالقعود ولا يضيع بالسلبية والكسل، وإلا فإن الأخذ بالأسباب التي أمر الله بالأخذ بها، فللدنيا أسباب من الكد والكدح، وللآخرة أسباب من المجاهدة والأعمال الصالحة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
إن لكل مخلوقٍ رزقه علم الله كميته ونوعيته وحدد زمانه ومكانه، وهذا الرزق مدخورٌ في هذا الكون مقدرٌ من الله في سنته التي ترتب الإنتاج على الجهد، فالدنيا دار الإيمان والعمل والآخرة دار الثواب والعقاب، فلا يقعدن أحدٌ عن السعي وابتغاء فضل الله، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
ولكن السماء والأرض تذخران بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات، فالله ﷿ له خزائن السماوات والأرض وعنده خزائن كل شيء: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون: ٧].
فالسماء والأرض مملوءة بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات حين تطلبها هذه المخلوقات حسب سنة الله التي لا تحادي أحداً ولا تتخلف أو تحيد، إنما هو كسبٌ طيب وكسبٌ خبيث وكلاهما يحصل من عمل وجهد، فالأول له ثواب والثاني عليه عقاب.
فالإسلام نعمة الله الكبرى على البشرية، فهل من يأخذها ويشكر المُنعِم بها ويتقرب إلى الله بها ويمشي بها في الناس: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والإنسان مغمورٌ بنعم الله السابغة الوافرة التي لا يدرك مداها ولا يحيط بقدرها ولا يحصي أنماطها، فهل ذكرته بربه؟ وهل جعلها عونًا له على طاعته؟ وهل دفعته إلى إخلاص العبادة للمنعم الشاكر؟.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
واستمرار النعم تطرأ على العباد مع معاصيهم دليلًا أن المُنعِم غفورٌ رحيم ومن رحمته أنه لا يعطي النعمة للشاكرين وحدهم أو للمؤمنين وحدهم بل غمر بها المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والبر والفاجر، ومن رحمته سبحانه أنه لا يحرم من يعصيه من نعمه.
ولو لم يكن الله ﷿ رحمنًا رحيمًا لمنع نعمه عمن عصاه،ولو لم يكن الله عفوًا غفورًا لمنع نعمه عمن كفر به ونعم الله لا تُعد ولا تُحصى وخزائنه مملوءة بكل نعمه وهي لا تنقص ولا تفنى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والله سبحانه تارة يعرض نعمه الواسعة على الخلق، ثم يعرض بعد ذلك ما فعل الإنسان بهذه النعم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وتارة يذكر نعمه على الخلق ثم يذكر عموم مغفرته ورحمته لمن أطاعه وعصاه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
ولولا رحمة الله ولولا عفو الله ولولا مغفرة الله ما بقيت لنا نعمة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
الله حكيمٌ عليم غنيٌ كريم، فقبل أن ينزل الإنسان إلى الأرض خلق الله له النعم وهيأ له ظروف الحياة وقسم لكل إنسان رزقه سواء إن كان مؤمنًا أو كافراً، فالنعمة سبقت المُنعِم عليه، فالله خلق الإنسان فوجد الكون مهيأ له من ربه، الشمس تدفئه وتعطيه الحياة والأرض تطعمه وتعطيه الثمر والمطر ينزل عليه فيسقيه، والهواء موجود أينما كان ليتنفسه بسهوله، والنهار مسخرٌ له ليعمل وينتج والليل مسخرٌ له لينام ويستريح.
فكل هذه الأشياء خلقها الله ليجدها الإنسان في الكون في خدمته قد سبقته: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].
فالحمد لله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه:﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
***
مختارات

