الخزانة الأولى..
النعم كلها من الله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
والنعمة تكون كاملة بثلاثة أمور:
١ - أن تكون منفعة.
٢ - أن تكون خالية من شوائب الضرر.
٣ - أن تكون آمنة من خوف الانقطاع.
والنعمة الكاملة لا تحصل إلا من الله ﷿ فوجب ألا يستحق الحمد الكامل، والشكر الكامل إلا الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
والشكر في القرآن يصدر من جهتين:
الأولى: شكرًا من الرب لعبده، ومعناه أن يثيبه الثواب الجزيل على عمله القليل، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
الثانية: شكرًا من العبد لربه على عظمته وجلاله وجماله وعلى عظيم نعمه وإحسانه، ومعناه أن يستعمل العبد جميع نعم الله فيما يرضي الله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
والفرق بين الحمد والشكر:
أن الحمد يكون بالثناء على الله بصفات الجلال والجمال، وصفات المجد والعظمة والقدرة والكبرياء والعلم والرحمة.
أما الشكر فيكون بالثناء على الله بالمعروف والإحسان الذي أسداه إلى العبد، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
وأعظم الشكر هو شكر الله ﷿ على نعمة الإسلام،فالإسلام أعظم نعمة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
والشكر على نعمة الإسلام أعظم شكر: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
ولهذا طلب الله من جميع الأنبياء والرسل والمؤمنين أن يشكروا الله ﷿ على هذه النعمة، كما قال سبحانه:﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، والشاكر هو من شكر الله فأقام الدين في حياته، وقام بجُهد الدين وإبلاغ غيره: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
والشكر لله هبة من الله فهو الذي أنعم بالنعم، وهو الذي أعان على شكرها: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فالحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا ملء السماء وملء الأرض ومليء ما شئت من شيء بعد أن خلقتنا من عدم وأمددتنا بالنعم فلك الحمد والشكر، والحمد لله على ما أعطاني من الخير وصرف عني من الشر، والحمد لله الذي أنعم علي بنعمٍ لا تعد ولا تُحصى، وأنعم على غيري بصنوف النعم، والحمد لله على كمال أسمائه وصفاته وأفعاله وعظمة ملكه وسلطانه وجمال دينه وشرعه وحسن ثوابه وعقابه.
والحمد لله الذي خلق كل شيء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
والحمد لله على الفضائل التي خصني بها من الإيمان والهداية والخَلق الحسن: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
فأنت يا الله أهل أن تُعبد، وأهل أن تُحمد، وأهل أن تُشكر وأهل أن تُطاع: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
لك الحمد والشكر على جمال ذاتك وجمال أسمائك وصفاتك وجميل نعمك وإحسانك، أردت منا أن نتصف بالصفات التي تحبها فأنزلت إلينا الدين الحق الذي من اتبعه تجمل بالصفات التي تحبها: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
والحمد لله مع أنه مُكلف لعباده بالأوامر دليل على عظمة نعمة الهداية والعبادة التي خص بها أولياءه، وأما نعمة الربوبية فهي عامة لكل الخلق: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].
الله ﷻ هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، فوجب على الخلق أن يشكروه لكماله وجلاله وجماله: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
هو المنعم بجميع النعم نعمٌ ظاهرة ونعمٌ باطنه، ونعمٌ في الدنيا ونعمٌ في الآخرة، ونعمٌ على من آمن به ونعمٌ على من كفر به، ونعمٌ داخل الإنسان ونعمٌ محيطة بالإنسان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وكما ملأ الله الكون بنعمه العظيمة وسخرها للإنسان فيجب على العباد أن يشكروه بقدرها ليزيدهم من فضله، ولكنه كريمٌ يرضى بالقليل من الشكر، ويعطي الجزيل من الثواب على العمل القليل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٨].
ونعم الله على خلقه عظيمة لا تعد ولا تُحصى، والبشر عاجزون عن شكر نعمة واحدة منها، فكيف بشكرها كلها:﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
فنعم الله كثيرة لا يمكن للعقل إحصاءُها وإذا لم يمكن إحصاءُها لم تمكن القدرة على حمد الله على الوجه اللائق بها، سواءً كانت هذه النعم نعمٌ مادية أو نعمٌ روحية وهي الدين.
لهذا كل ما خلق الله في السماوات والأرض فهو نعمة مسخرة للإنسان فوجب عليه شكرها في كل حال، وكل طاعة وكل عبادة فهي نعمة من الله على هذا الإنسان؛ ليصير على الصراط المستقيم إلى ربه العظيم الذي أكرمه، لهذا أمرنا الله ﷿ بالاستغفار بعد العبادات الكبار بعد الصلاة وبعد الصيام وبعد الحج، وأمر النبي ﷺ بكثرة الاستغفار في كل حال، لعظيم حق الله وعجز الخلق عن شكر نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
ثم إن الإنسان إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره، إذا أعانه الله وأقدره على ذلك الحمد، وإذا خلق في قلبه داعية إلى فعل ذلك الحمد، وإذا أزال عنه العوائق والموانع وكل ذلك من إنعام الله عليه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
فلا يمكن لأحدٍ من الخلق القيام بحمد الله وشكره على نعمه العظيمة إلا بواسطة نعمٍ عظيمة من الله تعالى عليه،وتلك النعم توجب الحمد والشكر للمُنعم: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
ولما كانت نعم الله على العبد لا تُحصى امتنع عليه الإتيان بحمد الله وشكره على ما يليق به، ولكنه سبحانه كريمُ يقبل القليل من العمل ويعطي عليه الجزيل من الثواب، فالعبد عاجزٌ عن الإتيان بحمد الله وشكره على ما يليق به وعاجزٌ عن حمد الله وشكره حمدًا يقابل نعم الله عليه، ولهذا قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
فحمد نفسه قبل أن يخلق الحامدين له.
فبين سبحانه أن كل الحمد مُلكه وحقه سواءً قدر الخلق على حمده أو لم يقدروا عليه، ولم يقل احمدوا الله ولو قال احمدوا الله لكلفهم بما لا طاقة لهم به، إذ يجب عليهم إحصاء النعم ثم القيام بشكر كل نعمه، والبشر عاجزون عن ذلك قطعًا لهذا حمد نفسه وعلمنا كيف نحمده بقوله:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
شمل ذلك كل حمدٍ أتى به أحد من العالمين وكل حمد سيأتون به، وذلك يشمل جميع المحامد التي ذكرها ملائكة العرش وسكان السموات السبع، وسكان الأراضين السبع وجميع الخلق وجميع الأنبياء من لدن آدم ﷺ إلى محمد ﷺ، وجميع المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قولهم في الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ٩ - ١٠].
فكل حمدٍ أتى به هؤلاء العالمين فهو له وهو مستحقه؛ لأنه لكماله وجلاله وجماله، هو المستحق للحمد والعبادة وحده لا شريك له: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
فسبحان من تسبح السماوات والأرض ومن فيهن بحمده:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
الفرق بين المدح والحمد والفرق بين الحمد والشكر:
أما الفرق بين المدح والحمد
فالمدح قد يكون للإنسان وغيره من المخلوقات، ولكن الحمد للإنسان دون غيره من المخلوقات.
فالمدح أعم من الحمد، فقد أمدح الإنسان وأمدح جمال الزهرة.
أما الحمد فلا يكون إلا للإنسان، والمدح يكون قبل الإحسان وبعده، فقد يمدح الإنسان من يرجو ثوابه قبل أن يناله، أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان، والمدح قد يكون منهيًا عنه كما لو مدح غيره كاذبًا.
أما الحمد فهو مأمور به مطلقًا وأعظم الحمد للمنعم بكل نعمة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
وأما الفرق بين الحمد والشكر فالحمد يعم ما إذا وصل الإنعام إليك وإلى غيرك، والشكر مختصٌ بالإنعام الواصل إليك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
فهذا حمدٌ لنعمة وصلت إليك وإلى غيرك وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
فهذا حمدٌ خاص على ما أنعم به عليك ربك، فالحمد لله ثناء على الله على كل إنعام أنعم به على خلقه سواء وصل إلي أو وصل إلى غيري فالله مستحق للحمد في كل حال سواء أعطاني أم لم يعطني؛ لأن إنعامه واصلٌ إلى كل العالمين:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
فالحمد لله على ما دفع من البلاء والشكر لله على ما أعطى من النعماء، والله وحده هو المستحق لجميع أنواع الحمد بسبب كثرة أياديه، وأنواع آلاءه وإحسانه إلى عباده: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والحمد والشكر والثناء حق الله ومُلكه والله محمود قبل حمد الحامدين وقبل خلق الحامدين وقبل شكر الشاكرين،وحمد الخلق لله أجره عائد عليهم: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ [الإسراء: ٧].
ومعنى الحمد أن تحميد الله ليس عبارة عن قولنا الحمد لله؛ لأن هذا اللفظ إخبارًا عن حصول الحمد لكن حقيقة الحمد: كل فعلٍ يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا عليك.
وذلك الفعل ثلاثة أقسام:
إما أن يكون فعل القلب.
أو فعل اللسان.
أو فعل الجوارح.
ففعل القلب: أن يتيقن القلب أن الله موصوفٌ بصفات الجلال والجمال فيحمده لذاته وجلاله وجماله بقلبه وعظيم إنعامه وإحسانه.
وأما فعل اللسان: فيذكر الله ويحمده ويشكره ويثني عليه بلسانه.
وأما فعل الجوارح: فيؤدي العبادات التي مدارها على تعظيم الله والثناء عليه ويستعمل ما أنعم الله به عليه في طاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
***
مختارات

