فقه النصر (٢)
وابتلاء الله لعباده أنواع وألوان:
ابتلاء للصبر.
وابتلاء للشكر.
وابتلاء للأجر.
وابتلاء للتوجيه.
وابتلاء للتأديب.
وابتلاء للتمحيص.
وابتلاء للتقويم.
وفي قصة نوح - صلى الله عليه وسلم - ألوان من الابتلاء له ولقومه ولأبنائه القادمين.
وسنة الله أن الشر حين يتمحض يحمل سبب هلاكه في ذاته، والبغي حين يتمرد لا يحتاج إلى من يدفعه من البشر.
فحين بغى فرعون على بني إسرائيل، واستطال بجبروت الحكم والسلطان، وحين بغى قارون عليهم، واستطال بجبروت العلم والمال، فكانت النهاية واحدة.
هذا خسف الله به وبداره الأرض، وذلك أخذه اليم هو وجنوده، فلما لم تكن هناك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة فحينذاك نصر الله أولياءه مباشرة فوضع حداً للبغي والفساد، حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد.
فدل هذا على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد، ويقف الخير عاجزاً حسيراً ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال، عندئذ تنزل نصرة الله صريحة متحدية بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حداً للشر والفساد، وتضرب الظلم والطغيان والبغي ضربة مباشرة عندما يعجز عن ضربها البشر، وتنصر المستضعفين الذين لا حول لهم ولا قوة، وتمكن للمعذبين الذين لا حيلة لهم ولا وقاية: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)} [الحج: ٣٨، ٣٩].
إن هذا ما يجب أن يعلمه كل مجاهد في سبيل الله وكل داع إليه، وهو ما تجهله الكثرة المشركة الباغية الطاغية.
ففرعون طغى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)} [القصص: ٣٩، ٤٠].
أما قارون فقد جاء أمر الله مباشرة في إهلاكه، فخسف الله به وبداره الأرض، ولم يغن عنه ماله ولا علمه، كما أغرق الله فرعون، فألقاه في اليم هو وجنوده: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)} [القصص: ٨١].
وهكذا انتهى سلطان العلم والمال مع البغي والبطر والاستكبار بالبوار، كما انتهى سلطان الحكم والجبروت والعلو في الأرض.
هذا ابتلعه الماء، وذلك ابتلعته الأرض، وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، فبعداً لقوم لا يؤمنون.
فأخذ الله كل أمة من الأمم المكذبة بذنبها، وعاقبها على قدر جرمها كما قال سبحانه: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)} [العنكبوت: ٤٠].
وما كان وما ينبغي وما يليق بالله تعالى أن يظلم أحداً؛ لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق، ولكن هؤلاء ظلموا أنفسهم فمنعوها حقها التي خلقها الله من أجله، فهي مخلوقة لعبادة الله وحده، وهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي عن الإيمان والطاعات، فضروها أعظم الضرر من حيث ظنوا أنهم ينفعونها.
فهذه نصرة الله لأوليائه حين يتمحض الشر، ويقف الخير عاجزاً.
أما حين يقف الإيمان القوي في وجه الطغيان الباغي فإن الله جل جلاله ينصر أهل الإيمان، ويخذل أهل الطغيان، ويظهر قدرته، ولكن تحت ستار من الخلق كما قال سبحانه: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)} [التوبة: ١٤].
وقال سبحانه: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)} [الأنفال: ١٧].
إن في هذا الكون إله واحد لا شريك له وهو الله وحده.
وفيه قوة واحدة هي قوة الله وحده.
وفيه قيمة واحدة للإنسان هي قيمة الإيمان بالله.
فمن كان الله وحده هو إلهه ومعبوده فهو أسعد الناس في الدنيا والآخرة، ومن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ولو كان مجرداً من كل مظاهر القوة، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى في الكون كله.
فمن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلاً.
ومن هنا تقعد قيمة الحكم والسلطان عن قيمة الإيمان والأعمال الصالحة، كما تقعد قيمة العلم والمال عن قيمة الإيمان والأعمال الصالحة: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)} [السجدة: ١٨ - ٢٠].
وقد جعل الله سبحانه انتصار الحق سنة كونية كخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، سنة لا تتخلف، قد تبطئ لحكمة يعلمها الله، وقد تأتي في موعدها حسب سنة الله.
والله تبارك وتعالى هو القوي العزيز وحده، وقوة الرب هي القوة، وما عداها من قوة الخلق فهو هزيل واهن، من تعلق به أو احتمى به خذله الله به، فهو كالعنكبوت الضعيفة تحتمي ببيت من خيوط واهنة واهية، فهي وما تحتمي به سواء كما قال سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)} [العنكبوت: ٤١].
إنه لا بدَّ للبشر من معرفة حقيقة القوى في هذا الوجود، ليعرف الناس أين يتوجهون؟، وعلى من يتوكلون؟، ومن يعبدون؟.
فلا تخدعهم قوة الحكم والسلطان، ويحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضونها ليكفوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها.
ولا تخدعهم قوة المال، فيحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس، وأقدار الحياة، فيسعون للحصول عليها، ليستطيلوا بها، ويتسلطوا على الرقاب كما يحسبون، ولا تخدعهم قوة العلم الإنساني، فيحسبونها أصل القوة، وأصل سائر القوى التي يصول ويجول بها من يملكها.
فلا تخدعهم هذه القوى الظاهرة، سواء كانت في أيدي الأفراد أو الجماعات أو الدول، فيدورون حولها ويتهافتون عليها كما يتهافت الفراش على النار.
إن المؤمن لا بدَّ أن يعلم أن القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة والكبيرة، وتملكها وتوجهها، وتسخرها حيثما تريد كما تريد، إنما هي قوة الله وحده: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)} [هود: ٦٦].
ولا بدَّ كذلك أن يتيقن المؤمن أن الالتجاء إلى تلك القوى مهما كانت كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت.
فالعنكبوت حشرة ضعيفة رخوة واهنة، لا حماية لها من تكوينها الرخو، ولا وقاية لها من بيتها الواهن، وليس هناك إلا حماية الله، وإلا ركنه القوي، فهو سبحانه القوي، وكل قوة في العالم العلوي والعالم السفلي من قوته.
وبهذه الحقيقة الإيمانية العظمى، والتي رسخت في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم كانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها، وداست بها على كبرياء الجبابرة والطغاة في الأرض، ودكت بها المعاقل والحصون.
لقد استقرت هذه الحقيقة في كل نفس، وعمرت كل قلب مؤمن، قوة الله وحدها هي القوة، وولاية الله وحدها هي الولاية، وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل والإرهاب، إنها أضعف من العنكبوت وبيتها الواهن: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} [العنكبوت: ٤١].
وإن المؤمنين عامة، والعلماء والدعاة والمجاهدين خاصة، الذين يتعرضون في كل وقت للفتنة والأذى، وللإغراء والإغواء، لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة، ولا ينسوها لحظة وهم يواجهون القوى المختلفة من بين أيديهم ومن خلفهم:
هذه تضربهم وتحاول أن تسحقهم.
وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم، وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله، والقوة كلها لله جميعاً: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)} [البقرة: ١٦٥].
والمؤمن دائماً يسأل ربه ألا يجعله فتنة للكفار، ويسأله مغفرة ذنوبه كما قال خليل الرحمن: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)} [الممتحنة: ٥].
أي لا تسلط الكفار علينا فيكون في ذلك فتنة لهم، إذ يقولون لو كان الإيمان يحمي أهله ما سلطنا عليهم وقهرناهم، وفتنة لنا بتسلطهم علينا.
وهي شبهة كثيراً ما تحيك في الصدور حين يتمكن الباطل من الحق، ويتسلط الطغاة على أهل الإيمان لحكمة يعلمها الله في فترة من الفترات.
والمؤمن يصبر للابتلاء، ولكن هذا لا يمنعه أن يدعو الله ألا يصيبه البلاء الذي يجعله فتنة وشبهة تحيك في الصدور.
ثم يقول إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: واغفر لنا، إدراكاً منه لمستوى العبادة التي يستحقها منه ربه، وعجزه ببشريته عن بلوغ المستوى الذي يكافئ به نعم الله وآلاءه، ويمجد جلاله وكبرياءه، فيطلب المغفرة من ربه، ليكون في شعوره وفي طلبه أسوة لمن معه، ولمن يأتي بعده: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: ٤].
والله سبحانه يطمئن رسله وأولياءه أنه سبحانه سيتولى حرب هؤلاء الكفار، ويحذر أعداءه وهم كالهباءة المنثورة التي لا تعني شيئاً أمام جبروت الجبار العظيم القهار قائلاً: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)} [القلم: ٤٤، ٤٥].
إن الجبار القهار يكشف عن خطة الحرب مع هذا المخلوق المعاند الهزيل، الضعيف الصغير.
فالله سبحانه يملي لهؤلاء المغترين بالمال والبنين والجاه والسلطان، ويجعل هذه النعمة فخهم.
فهذه سنة الله في الحرب بينه وبين أعدائه المخدوعين، فهو سبحانه يستدرجهم إلى العقوبة، ويمهلهم ويكيد لهم بما شاء.
وبهذا وذلك يخلي الله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعه من المعركة بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، فهي معركته سبحانه، وهي حربه مع أعدائه التي يتولاها بذاته وتدبيره.
والأمر كذلك في حقيقته مهما بدا أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين دوراً في هذه الحرب أصلاً، إن دورهم حين ييسره الله لهم هو طرف من قدر الله في حربه مع أعدائه.
فهم أداة يفعل الله بها أو لا يفعل، وهو في الحالين فعال لما يريد، وهو في الحالين يتولى المعركة بذاته وفق سنته التي يريد، فنعم المولى ونعم النصير.
وهذا النص نزل والنبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة والمؤمنون معه قلة لا تقدر على شيء، فكانت فيه الطمأنينة للمستضعفين، والفزع والخوف للمغترين بالقوة والجاه، والمال والبنين.
ثم تغيرت الأحوال والأوضاع في المدينة، وشاء الله أن يكون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين دور ظاهر في المعركة.
ولكنه سبحانه هنالك أكد لهم كذلك ذلك القول الذي قاله لهم، وهم في مكة قلة مستضعفون.
فقال لهم وهم منتصرون في بدر: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)} [الأنفال: ١٧].
وقال بعد أن أمدهم بالملائكة في بدر: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)} [آل عمران: ١٢٦].
وذلك كله ليقر في قلوب المؤمنين هذه الحقيقة، حقيقة أن المعركة معركته سبحانه، وأنه حين يجعل للمؤمنين فيها دوراً، فإنما ذلك ليبليهم منه بلاء حسناً، وليكتب لهم بهذا البلاء أجراً.
أما حقيقة الحرب فهو سبحانه الذي يتولاها، وأما حقيقة النصر فهو الذي يكتبه، وهو سبحانه يجريها بهم وبدونهم، وهم حين يخوضونها أداة لقدرته، ليست هي الأداة الوحيدة في يده.
وهذه حقيقة تسكب الطمأنينة في قلب المؤمن في حالتي قوته وضعفه على السواء، ما دام يخلص قلبه لله، ويتوكل في جهاده على الله.
فقوته ليست هي التي تنصره في معركة الإيمان والكفر، والحق والباطل، إنما هو الله الذي يكفل له النصر بعد قيام العبد بأسبابه التي أمره الله بها.
وضعف العبد لا يهزمه كذلك؛ لأن قوة الله من ورائه، وهي التي تتولى المعركة، وتكفل له النصر، ولكن الله يملي ويستدرج، ويقدر الأمور في مواقيتها وفق مشيئته وحكمته، ووفق عدله ورحمته.
كما أنها حقيقة تفزع قلب العبد الكافر وتخيفه سواء كان المؤمن أمامه في حالة ضعف أم في حالة قوة، فليس المؤمن هو الذي ينازله ويحاربه، إنما هو الله الذي يتولى المعركة بقوته وجبروته.
فما هذا البائس المتعوس، وما هذه الهباءة المنثورة أمام قدرة الله وجبروته؟.
إن الله يملي له ويستدرجه من حيث لا يعلم، فهو في الفخ الرهيب المفزع المخيف، ولو كان في أوج قوته وعدته، فهذه القوة هي ذاتها الفخ، وهذه العدة هي ذاتها المصيدة: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)} [القلم: ٤٤، ٤٥].
أما متى يكون النصر؟.
ومتى تتوفر أسبابه؟.
فذلك في علم الله المكنون.
فعلينا الدعاء، وعلى الله الإجابة.
وعلينا الجهاد، وعلى الله النصر.
وعلينا العمل، وعلى الله الأجر.
وعلينا الدعوة، وعلى الله الهداية.
{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)} [الجمعة: ٤].
وأمام هذه الحقيقة يوجهنا الله إلى الصبر والتقوى، الصبر على الدعوة، والصبر على الجهاد، والصبر على أوامر الله، والصبر على أقدار الله، والصبر عن معاصي الله، والصبر على التواءات النفوس، والصبر على الأذى والتكذيب.
والصبر على السخرية والاستهزاء.
الصبر في هذا كله حتى يحكم الله في الوقت المقدر كما يريد، فيحصل للمؤمنين الفوز والفلاح: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)} [آل عمران: ٢٠٠].
وقد وعد الله المؤمنين إذا نصروا الله بالقيام بدينه والدعوة إليه وجهاد أعدائه أن ينصرهم على عدوهم ويثبت أقدامهم كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)} [محمد: ٧ - ٩].
فعلى المؤمنين بالله أن يقوموا بنصرة دينه، وإعلاء كلمته، والدعوة إليه، وجهاد من عانده ونابذه بالأنفس والأموال كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)} [الصف: ١٤].
فيا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كونوا أنصار الله، ودعاة دينه، ينصركم على عدوكم كما نصر من قبلكم، ويظهركم على عدوكم كما أظهر من كان قبلكم.
إن جميع الأنبياء دعوا أممهم إلى ثلاثة أشياء:
التوحيد.
والإخلاص.
والنصيحة.
وضحوا بكل ما يملكون من أجل الدين تضحية كاملة، فالاستقامة الكاملة والتضحية الكاملة معها نصرة كاملة من الله، وذلك خاص بالأنبياء وأتباعهم من المؤمنين، وهي سنة جارية لا تتبدل.
فنصرة الله دائماً إلى يوم القيامة لأهل الإيمان والتقوى، سواء كان نبياً أو خليفة أو من سائر الناس، فرداً أو جماعة أو أمة.
وبعد بذل كل شيء، وكمال الاستقامة، وكمال التضحية، الله يفصل بأمرين:
نصر أوليائه المؤمنين.
وخذلان أعدائه الكافرين.
فنوح - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله، ونصحهم بطاعة الله ورسوله، فلما لم يستجيبوا ولم يؤمنوا جاء أمر الله بنجاة المؤمنين، وإهلاك الكافرين كما قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)} [هود: ٤٠].
وهود - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه عاداً كذلك، ولما لم يستجيبوا له جاء أمر الله بإهلاكهم كما قال سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)} [هود: ٥٨ - ٦٠].
وصالح - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه إلى الله، ولما لم يستجيبوا له أهلكهم الله كما قال سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)} [هود: ٦٦، ٦٧].
وإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه إلى الله فأبوا وأشعلوا النار لإحراقه فأنجاه الله من النار، وجعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)} [الأنبياء: ٦٨ - ٧١].
ولوط - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه إلى الله، ولما لم يستجيبوا رفع الله ديارهم إلى السماء وقلبها عليهم كما قال سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)} [هود: ٨٢، ٨٣].
وشعيب - صلى الله عليه وسلم - قال لقومه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)} [هود: ٨٤].
ولما لم يستجيبوا له وسخروا منه نزل بهم أمر الله كما قال سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)} [هود: ٩٤، ٩٥].
وموسى - صلى الله عليه وسلم - دعا فرعون وملأه إلى الله، ولما لم يستجب أغرقه الله وقومه في البحر كما قال سبحانه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ
فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)} [الشعراء: ٦١ - ٦٦].
وعيسى - صلى الله عليه وسلم - دعا بني إسرائيل إلى الله والاستقامة على الدين، فلما لم يستجيبوا له أظهر الله من آمن به على من خالفه كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)} [الصف: ١٤].
ومحمد - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه قريشاً إلى الله فلم يؤمن منهم إلا القليل، ولما أعرضوا عنه وسبوه، ثم آذوه وأرادوا قتله حفظه الله وهاجر إلى المدينة فأعز الله دينه ورسوله والمؤمنين، ثم أظهره الله على جميع أعدائه ودخل مكة فاتحاً معه المهاجرون والأنصار، ودخل الناس في دين الله أفواجاً كما قال سبحانه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)} [النصر: ١ - ٣].
ولما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وانشغل الناس بموته، ومن يكون خليفة بعده، وقف جهد الدعوة فنقص الدين، وحصلت في الإسلام خمس مصائب:
اشرأب النفاق.
ومنع قوم الزكاة.
وترك قوم الصلاة.
وارتد كثير من قبائل العرب.
واجتمع الأعداء لغزو المدينة.
ونزل بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها.
ولكن لكمال إيمانه ويقينه على ربه وكمال تضحيته ثبته الله، فوقف لهذه الفتن العظام موقف المؤمن الواثق من نصر الله.
فأمر الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه - بإنفاذ جيش أسامة - رضي الله عنه -، على الرغم من مخالفته الأحوال الظاهرة.
وأمر جميع الصحابة رضي الله عنهم أن يخرجوا لحرب المرتدين ومانعي الزكاة، وإقناعهم بالرجوع إلى دينهم، فخرجوا جميعاً ولم يبق في المدينة إلا الأطفال، والنساء، وأمهات المؤمنين.
إن حراسة أمهات المؤمنين مهمة، لكن حفظ الدين من النقصان أهم وأعظم.
وشرح الله صدر أبي بكر - رضي الله عنه - لجهاد المرتدين فعقد الألوية، وجهز الجيوش إلى كل ناحية، وخرج الصحابة لإكمال ما نقص من الدين بسبب الردة، وبعد ثلاثة أشهر تم القضاء على هذه الفتن، ورجع الناس إلى الدين عابدين لله، ممتثلين لأوامره، مجاهدين في سبيل الله، وبعد توبتهم ورجوعهم إلى حظيرة الإسلام جاءت في نفوسهم الرغبة في الجهاد في سبيل الله؛ تكفيراً لما سلف منهم من المعاصي، فأرسلهم أبو بكر فوراً لفتح العراق والشام، فسارعوا لامتثال أمره، وكانت في صحائفهم مع بقية الصحابة جميع فتوحات العراق والشام وخراسان والسند وغيرها من بلاد ما وراء النهر.
فبسبب تضحية أبي بكر - رضي الله عنه - وكمال إيمانه أكمل الله به ما نقص من الدين، ورد به المرتدين إلى المؤمنين، وجعلهم من المجاهدين في سبيل الله.
وهكذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لكمال إيمانه وتقواه، وكمال تضحيته فتح الله به الفتوح، ومَصَّر الأمصار، وجعله سبباً للهداية وإقامة العدل.
وهكذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله بسبب استقامته، وصدق تضحيته، ورغبته في أن يطاع الله، أصلح الله به أحوال الأمة، فعم الأمن في البلاد، واستقام الناس، واستغنى الفقراء والأغنياء، وامتلأت الخزائن بالأموال من صدقة وزكاة حتى لم يجد من يأخذها.
بل أصلح الله به ما بين السباع والبهائم، وتمت النصرة الكاملة مع التضحية الكاملة مع أن حكمه كان سنتين تقريباً، فلما مات تغيرت أحوال الأمة، وعدت السباع على البهائم.
وكل رجل ذو همة يحيي الله به أمة.
والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ضحى بنفسه من أجل الدين، وإحياء السنة، فحفظه الله، ونشر به السنة، وقمع البدعة.
وهكذا الغلام الذي تعلم الإيمان على يد الراهب، ثم ضحى بنفسه من أجل الدين تضحية كاملة، فجعله الله سبباً لهداية الناس، وترك دين الملك الضال، وبكمال تضحية من آمن به وأطاعه أزال الله الباطل وأحق الحق كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلامًا أعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ، إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلامَهُ، فَأعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أعْلَمُ آلسَّاحِرُ أفْضَلُ أمِ الرَّاهِبُ أفْضَلُ؟ فَأخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ، حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأتَى الرَّاهِبَ فَأخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أيْ بُنَيَّ، أنْتَ الْيَوْمَ أفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أمْرِكَ مَا أرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الْغُلامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أجْمَعُ، إِنْ أنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لا أشْفِي أحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَإِنْ أنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللهِ، فَشَفَاهُ اللهُ، فَأتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلامِ، فَجِيءَ بِالْغُلامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أيْ بُنَيَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقَالَ: إِنِّي لا أشْفِي أحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَوَضَعَ
الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلامِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ! اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ! اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَأتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أرَأيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللهِ! نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأمَرَ بِالأخْدُودِ فِي أفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأحْمُوهُ فِيهَا، أوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أمَّهِ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ» أخرجه مسلم (١).
فحتى تحصل الأمة على النصرة والعزة لا بدَّ من التضحية الكاملة لتحصل النصرة للأمة، والهداية للبشرية.
والشيء الذي لا يكمل لا يثمر، والذي لا يثمر لا خير فيه، فالشجرة لا تثمر إلا بعد كمالها، والبنت لا تنكح وهي بنت سنتين.
فإذا كمل إيمان العبد كانت معه نصرة الله.
والعابد والقاعد قد يُقتل من قِبَل الكفار، ولكن الداعي لا يُقتل حتى يُجري الله على يديه شيئاً يبقى بعده كما آمن الناس بعد مقتل الغلام، فهو وإن مات فصحائفه تملأ بحسنات هؤلاء.
ونصرة الله تكون لمن نصر الله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)} [محمد: ٧].
والمؤمنون ينصرون الله بأمرين:
الأول: أن تتجرد نفوسهم لله وحده، فلا تشرك به شيئاً ظاهراً أو خفياً، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها وشهواتها، وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها فهذا نصر الله في ذوات النفوس.
الثاني: أن لله عزَّ وجلَّ شريعة ومنهاجاً للحياة، ونصر الله يتحقق بنصر شريعته ومنهاجه، وتحكيم أمره في كل شيء.
فهذا نصر الله في واقع الحياة.
وغزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده، وإنما كانت كذلك معركة في ميدان النفس البشرية.
والمعارك الحربية في الإسلام ليست معركة أسلحة وخيل ورجال فحسب، فتلك معركة جزئية، إنما المعركة الكبرى في عالم القلب، عالم الإيمان، عالم السلوك، عالم الأخلاق، لتتعلق القلوب والنفوس بالله وحده، وتتلقى منه ومن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتُؤْثر طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما يحبه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على كل شيء مهما كان.
والنفوس لا تنتصر في المعارك الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية، وتُؤْثر طاعة ربها على كل ما سواه.
والذين تولوا يوم التقى الجمعان في أُحد إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب، والذين انتصروا في معارك العقيدة مع الأنبياء هم الذين بدؤوا المعركة بالدعاء والاستغفار من الذنوب، وصدق اللجوء إلى الله وطاعته فتلك عُدَّة النصر.
وقدر الله وراء أفعال البشر، ففي غزوة أحد نصر الله المؤمنين في البداية، وما أن ضعف المسلمون وتنازعوا وعصوا وانصرفوا لجمع الغنائم إلا وصرف الله قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين، وصرف الرماة عن ثغرة الجبل، وصرف المقاتلين عن الميدان فلاذوا بالفرار، ووقع كل هذا مرتباً على ما صدر منهم كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)} [آل عمران: ١٥٢].
وما حدث لهم مدبَّر من الله ليبتليهم لتمحيص النفوس، وتمييز الصفوف فصرفهم عنهم ليبتليهم، ولقد عفا الله عن المؤمنين لضعفهم وعدم إصرارهم على الخطيئة، وحسن نيتهم، وثباتهم على دينهم، والله ذو فضل على المؤمنين.
والصحابة رضي الله عنهم وإن كانوا خير أمة أخرجت للناس إلا أنهم بشر فيهم الضعف والنقص، ولذلك حصل منهم ما حصل في أُُحد؛ لأنهم في دور التربية والتكوين، وفي أوائل الطريق، ولكنهم جادون في أخذ هذا الأمر، مسلمون أمرهم لله مولاهم.
ومن ثم رحمهم الله وعفا عنهم ولم يطردهم، وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعفو عنهم ويستغفر لهم، ويشاورهم في الأمر؛ تربية لهم.
فعاد إليهم الإيمان في اليوم الثاني، وخرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حمراء الأسد متعقبين كفار مكة فزادهم إيماناً كما قال سبحانه: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)} [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤].
ولما كبروا واكتملت تربيتهم تغيرت معاملتهم، وحوسبوا كما يحاسب الرجال الكبار كما في مؤاخذة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - للنفر الثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك، فالقوم في أُحد غير القوم في تبوك، حيث بلغت فيهم التربية شأواً بعيداً.
وهم مع ذلك فيهم الضعف والنقص والخطأ والنسيان، ولكن كان فيهم دائماً الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله.
والله عزَّ وجلَّ في مواطن التربية والابتلاء لا يعد المؤمنين بالنصر في الدنيا.
ولا يعدهم بقهر الأعداء.
ولا يعدهم بالتمكين في الأرض، ولا يعدهم بشيء من الأشياء في هذه الحياة، إنما يعدهم شيئاً واحداً هو الجنة كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: ١١١].
وهذا هو الأصل في الدعوة، التجرد المطلق من كل هدف، ومن كل غاية، ومن كل مطمع، فهذه العقيدة عطاء ووفاء وأداء فقط، وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض.
ثم يقع النصر والتمكين والعزة والغنائم، ولكن كل هذا ليس داخلاً في البيعة، ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا، ليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء والابتلاء.
على هذا كانت البيعة والدعوة مطاردة في مكة، وعلى هذا كان البيع والشراء، وعلى هذا يسير الدعاة إلى الله إلى يوم القيامة.
فإذا كانت قلوب المؤمنين متوجهة إلى الله.
وأجسادهم مزينة بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفعلوا ما أمروا به من الأسباب.
جاءتهم نصرة الله الغيبية.
فالصحابة رضي الله عنهم في بدر نصرهم الله مع أنهم قلة أذلة، لا أسباب معهم تذكر؛ لأن قلوبهم متوجهة إلى الله بكمال الإيمان والتقوى.
وفي حنين مع كثرتهم هزمهم الله وسلط عليهم الأعداء؛ لأن قلوب بعضهم متوجهة إلى الأسباب حين أُعجبوا بكثرتهم.
ففي بدر اتباع كامل للدين، فجاء النصر كاملاً، وفي حنين اتباع ناقص، وبسببه ارتفعت النصرة، ثم جاء الاتباع، ثم جاء النصر كاملاً.
كما قال سبحانه: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)} [التوبة: ٢٥، ٢٦].
والنصر له أسباب.
والهزيمة لها أسباب.
والعزة لها أسباب.
والذلة لها أسباب.
والنجاة لها أسباب.
والهلاك له أسباب.
فالنصر الكامل.
والعزة الكاملة.
والنجاة الكاملة.
تكون بالإيمان الكامل.
والاتباع الكامل.
والتضحية الكاملة كما قال سبحانه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)} [الحج: ٤٠، ٤١].
ومدار ذلك كله على الصبر واليقين.
والصبر منصور أبداً، فإن كان صاحبه محقاً كان منصوراً له العاقبة، وإن كان مبطلاً لم يكن له عاقبة.
وإذا قام العبد في الحق لله، ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعيناً به متوكلاً عليه مفوضاً إليه، بريئاً من الحول والقوة إلا به، فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك.
فتجريد التوحيد، وصدق اليقين، وكمال الصبر، إذا مَنَّ الله بها على عبده فلا يقوم له شيء البتة، وهو مؤيد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء؛ لأن الله معه، وقد تكفل بنصره، والتمكين له، ومن قام لله حتى أوذي في الله فعليه الصبر ولا ينبغي له الانتقام كما قال لقمان لابنه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)} [لقمان: ١٧].
اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين.
اللهم.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)} [آل عمران: ١٤٧].
(١) أخرجه مسلم برقم (٣٠٠٥).
مختارات
