القسم الثاني (الخزانة الأولى)
الله ﷻ هو الرب الذي لا إله غيره ولا رب سواه، أنعم على خلقه بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى فهو المُنعِم بجميع النعم الظاهرة والباطنة المادية والروحية، نعمإ على البدن ونعم على الروح ونعمٌ ظاهرة ونعم باطنة، نعمٌ داخل الإنسان ونعمٌ خارج الإنسان، ونعمٌ في حصول محبوب ونعمٌ في دفع مكروه، ونعمٌ في الدنيا ونعمٌ في الآخرة: ﴿أَحْيَاءٍ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
والله سبحانه له في كل ذرة في الكون نعمة، وله فيها حكمة وله فيها أمرٌ بالإيجاد وأمرٌ بالبقاء وأمرٌ بالنفع والضر:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وأجل النعم وأعلاها وأشرفها وأكملها وأعظمها نعمة الإسلام، وهي فضل من الله فهو المان بها ابتداءً بلا سببًا من العبد ولا استحقاق منه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وكل ما وصل إلى العبد من خير فهو لله وبالله ومن الله:﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
والعاقل كلما رأى هذه النعم أحدث له ذلك ذلًا وانكسارًا،وكلما جدد الله له نعمة ازداد له خشوعًا وخضوعًا وذلًا وانكسارًا وخوفًا ورجاءًا ومحبة وحمدًا: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
• وإنما يحصل هذا للعبد بأمرين:
الأول: علمه بربه وكماله وبره وغناه وجوده وإحسانه وفضله ورحمته، وأن الخير كله في يديه، وهو مُلكه يؤتي منه من يشاء ويمنع منه من يشاء، وله الحمد على هذا وهذا أكمل حمدٍ وأتمه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الثاني: علم العبد بنفسه ووقوفه على حدها وقدرها ونقصها وضعفها وظلمها وجهلها وتقصيرها وتفريطها، وأنها ليست بشيء ولا بيدها شيء، ولا تقدر على شيء، فالله بيده كل شيء والمخلوق ليس بيده شيء: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فإذا صار هذان العلمان صبغة لها علمت حينئذ أن الأمر كله لله، وأن الحمد كله لله، وأن الخير كله بيد الله وأنه سبحانه المستحق للحمد والثناء، والمدح دونها وأنها هي أولى بالذم والعيب والفقر والذل واللوم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
ومن أعجب الأشياء أن تعرف ربك ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم لا تجيبه، وأن تعرف قدر نعمة الله ثم لا تشكره، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له بمعصيته، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته.
وأعجب من هذا علمك بأنك راجع إليه حامل أوزارك بين يديه، ومعروضة أعمالك عليه، فسبحان الله كم لعب الشيطان بعقول كثيرًا من الناس وأفسد حياتهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس: ٣٠]
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].
نعم الله على العباد ثلاث:
١ - نعمٌ حاصلة يعلم بها العبد.
٢ - ونعمٌ حاصلة هو فيها لا يشعر بها.
٣ - ونعمُ منتظرة يرجوها إما في الدنيا وإما في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فإذا أراد الله ﷿ إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة، وأعانه على شكرها حتى لا تشرد، فإن النعم تقيد بالشكر وتشرد بالمعصية: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
ووفقه سبحانه لعملٍ يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصره لاجتناب الطرق التي تسدها وتمنع وصولها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وعرفه النعمة التي هو فيها ولا يشعر بها ليشكر ربه عليها، والله ﷿ أعطى ما شاء من خلقه من النعم المادية، كالمُلك أو المال أو الجاه أو الأشياء أو القوة لينظر من يستخدمها كما أمر الله، ومن يضحي بها من أجل الدين، ومن يستعملها في طاعة الله وفي إعلاء كلمة الله ومن يشكره ويحمده عليها ويستعين بها على طاعة الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وليعلم سبحانه من يستعمل هذه النعم في معصية الله ومن يترك الدين من أجلها ومن يشتغل بها عن المُنعِم بها:﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وهكذا الأولاد والزوجات والصحة والأمن وسائر النعم،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٥].
فإن تعارضت هذه النعم مع ما يحبه الله ويرضاه من العبادات أو الدعوة إلى الله أو الجهاد في سبيل الله، تركها من أجل الدين ولا يترك الدين وأعمال الدين من أجلها:﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
ونعم الله على العباد لا تُعد ولا تُحصى؛ لأن الإحصاء إنما يكون لشيء محدود، ونعم الله لا حد لها وخزائنه مملوءة بكل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وظلم الإنسان له صورتان:
إما بأخذ حق الغير
أو الحكم للغير بحقِ ليس له.
• وكفر الإنسان بالنعم له صورتان:
١ - إما بسترها وعدم البحث عنها في خبايا الأرض وذلك هو الكسل أو نسبتها إلى غير المُنعِم بها أو الاستهانة بها وعدم شكرها أو صرفها في ما لا يجوز في محرمات أو معاصي أو إسراف أو تبذير.
٢ - وإما أن يستنبطها ويتملكها ويحجزها على الغير، فذلك هو الظلم: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾ [آل عمران: ٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
وكل إنسان سوف يحاسب على النعم التي أنعم الله بها عليه، ويسأل عن شكرها وعن استعمالها في ما خلقت له، وعن صرفها فيما يرضي الله، وعن أداء حق الله فيها: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
***
مختارات

