الخزانة الثامنة..
• فقه التفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله:
كما يعظم الناس عالمًا بسبب معرفتهم بعلمه، ومؤلفاته، فيزدادون بمعرفته توقيرًا له، وتعظيمًا له واحترامًا له.
وكما يعظم الناس صانعًا ومخترعًا بسبب معرفتهم بمصنوعاته ومخترعاته، فيزدادون بمعرفته توقيرًا له، واحترامًا له، وهكذا، فقيمة الإنسان بصفاته لا بذاته:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
فكذلك كلما استكثر الإنسان من معرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة نعمه وإحسانه، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة عجيب صنع الله في مخلوقاته، كانت معرفته بجلاله وعظمته أتم، وتوقيره أعظم، وعبادته أكمل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وهكذا التأمل والنظر في المخلوقات، فكل ما في الوجود من خلق الله وصنعه، والنظر والفكر فيه لا يتناهى، وإنما لكل عبد منه بقدر ما رزق من الفهم والعلم: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله ﷿: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
ومن عود نفسه التفكر في عظمة جلال الله، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة قدرته، والنظر في خلقه وملكه، صار ذلك عنده ألذ من كل نعيم؛ لأن ذلك غذاء قلبه وروحه، لا مانع منه ولا مزاحم فيه، وتلك جنة المعرفة الموصلة إلى جنة الآخرة، وهذه الجنة أعظم من جنة الآخرة؛ لأنها متعلقة بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة دينه وشرعه، والتعبد له بموجب ذلك.
وجنة الآخرة ثمرة جنة المعرفة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
والعاقل حقًا من يطلب نعيمًا، لا زحمة فيه، ولذة لا كدر فيها، ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله تعالى، وعجائب مخلوقاته، والإيمان به، ولذة مناجاته، وحمده وشكره، واستغفاره، والتوبة إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وإنما يحصل الشوق بعد الذوق، فمن لم يذق طعم الإيمان وحلاوته وحقيقته لم يعرف، ومن لم يعرف لم يشتق، ومن لم يشتق لم يطلب، ومن لم يطلب لم يدرك، ومن لم يدرك فهو من المحرومين: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].
فأصل كل حرمان سببه الجهل بالله وأسمائه وصفاته وافعاله، ودينه وشرعه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
وأصل كل طاعة ونجاة وفلاح إنما هو الفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله وخزائنه ووعده ووعيده، وفيما خُلق له الإنسان، وفيما أمر به، وفيما أُعد له من النعيم المقيم أو العذاب الأليم، فتولد تلك المعرفة بالله إقبالًا ونشاطًا بحسب قوتها وضعفها، فيزداد القلب فرحًا وأنسًا بربه، وإيمانًا به، وتتلذذ الجوارح بالطاعة والعبادة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله ﷿ عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فمن ذاق عرف، ومن عرف استقام: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وكذلك أصل كل معصية ما يحصل من جانب الفكر، فإن الشيطان يصادف أرض القلب خاليةً فارغة، فيبذر فيها حب الأفكار الرديئة، فيتولد منه الإرادات الفاسدة، فيتولد منها العمل الذي يغضب الله، ويحبط عمله الصالح،ويكون سببًا لهلاكه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
ومن أعرض عن ذكر الله نال عقوبة الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وإذا تدبرنا القرآن وجدنا أن الله يريد منا في الدنيا أن نكمل الإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، ونحذر الكفر والمعاصي والأقوال السيئة والأفعال والأخلاق المشينة، لندخل الجنة.
والشيطان يريد منا تكميل شهواتنا الآن، وتعطيل الأوامر الشرعية، لنعيش على هوانا ولو دخلنا النار يوم القيامة:﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
التفكر في أحسن حياة:
أحسن حياة وأجمل حياة، وأفضل حياة، حياة الأنبياء والرسل الذين أُمر النبي ﷺ بالاقتداء بهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وأمرنا نحن بالاقتداء بهم بأقوالهم، وأخلاقهم، وإيمانهم، وتوحيدهم، والاقتداء بسيدهم وأفضلهم محمد ﷺ، الذي هو أكمل الناس إيمانًا، وأحسنهم عبادة، وأجملهم أخلاقًا كما قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فنقتدي به ﷺ في توحيده وإيمانه، وفي نيته وفكره، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفي أخلاقه الكريمة:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والله سبحانه يريد منا أن نكمل محبوباته في الدنيا من الإيمان والإحسان، والصدق والصبر، والتوبة والجهاد، والصلاة والزكاة، والصيام والحج، وغيرها من الأعمال الصالحة، وهو سبحانه يكمل محبوباتنا في الآخرة برؤيته، وسكنى دار كرامته، وسماع كلامه، ورضوانه، والتلذذ بألوان النعيم في جنته: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
والدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، فالدنيا دار الإيمان والعمل، والمسلم فيها مقيد بأوامر الله، كما أن السجين مقيد بأوامر السجن، فلا يستطيع السجين أن يأكل ما شاء، أو يتكلم مع من شاء، أو يزور من شاء، بل هو مقيد بأوامر السجن إلى أن يخرج، لكن يعطى من هذه الأشياء بقدر الحاجة.
فكذلك المسلم في هذه الدنيا مقيد بأوامر الله التي تصلحه وتنفعه في الدنيا والآخرة، فهو يقوم بالعمل، والله يطعمه ويسقيه ويرزقه حسب الحاجة، وبقدر ما يصلحه، إلى أن يخرج من السجن إلى قصور الجنة حيث النعيم المطلق والخلود الدائم هناك: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
والله ﵎ له مُلك السماوات والأرض وما فيهن، فالكون كله مُلكه، والإنسان مُلكه، خلقه الله وشرفه على ما سواه، وكرمه على غيره بكرامات، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فمن أطاع الله سخر له كل شيء، ومن خضع لأوامر الله أخضع الله الكائنات كلها له من البحار، والمياه والرياح وغيرها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
ولكن الإنسان إذا لم يطع الله ولم يكن له فلا يكون الله له، ولا يكون معه فإن الله مع المؤمنين والمتقين والمحسنين ومن كان الله معه فكل شيء معه، ومن لم يكن الله معه فليس معه شيء: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
فأسعد الناس، وأعقل الناس، وأحسن الناس حياة وفلاحًا وفوزًا هم المؤمنون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدةً منهما إلا بمشقة، فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما وأحسنهما، ولكن الناس لضعفهم، وتزيين الشيطان لهم، يؤثرون ما يفنى على ما يبقى لقلة المذكر، وضعف الإيمان: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
والمحب الذي قد ملك المحبوب أفكار قلبه لا يخرج فكره عن تعلقه بمحبوبه وهو ربه سبحانه، أو بنفسه.
وفكره في محبوبه لا يخرج عن حالين:
إحداهما: فكره في جمال الرب وجلاله وعظمة أسمائه وصفاته.
الثانية: فكره في أفعال ربه وإحسانه، وإنعامه وبره ولطفه.
أما فكره بنفسه فكذلك لا يخرج عن حالين.
إما أن يفكر في أوصافه المسخوطة، التي يبغضها محبوبه ﷻ، ويمقته عليها، من الفواحش والمنكرات فيتجنبها.
وإما أن يفكر في الصفات والأفعال والأخلاق التي تقربه من ربه، وتحببه إليه، لكي يتصف بها مثل: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
فالأوليان: توجب له زيادة محبته لربه، وتعظيمه، والخضوع له.
والأخريان: توجب له محبة محبوبه له، وإقباله عليه، وقربه منه، وعطفه عليه وإيثاره على غيره، وإسعاده في الدنيا والآخرة، لأنه أمن به وأطاعه.
فالمحبة التامة مستلزمه لهذه الأفكار الأربعة، ومجال الفكر في صفات نفسه وأفعالها كثيرة، ويمكن حصرها في ستة أجناس.
فيفكر الإنسان في الطاعات الظاهرة والباطنة يتفكر في معرفتها، وأدائها، وتحسينها، ودوامها، والإكثار منها، وترغيب الناس فيها.
والمعاصي الظاهرة والباطنة يتفكر كيف يعرفها، ويحذر الناس منها، ويقلع عنها، ويتوب منها، ويحذر منها:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والصفات والأخلاق الحميدة يتفكر كيف يعرفها، ويتخلق بها، ويدعو الناس إليها، ليتجملوا بها.
والصفات والأخلاق السيئة يتفكر كيف يعرفها، ويحذرها ويحذر الناس منها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وأما الفكر في أسماء الرب وصفاته، وفي أفعاله وأحكامه، فتوجب له التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، ووصفه بما هو أهله من العزة والجبروت، والكبرياء والعظمة، والجلال والإكرام، وتنزيهه عن ما لا يليق به:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وجماع ذلك الفقه في معاني أسماء الله وصفاته، وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر، فيكون ذلك العبد فقيهًا في أسماء الله وصفاته، فقيهًا في أوامر الله ونواهيه، فقيهًا في قضاء الله وقدره فقيهًا في الأوامر الكونية القدرية، فقيهًا في الأحكام الدينية الشرعية، فقيهًا في دنياه وأخراه، فقيهاً في الاستفادة من أوقاته، ومن طلب ذلك ساقه الله إليه ويسره عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن وفقه الله لذلك عرف ربه، وعرف ما يوصل إليه،وعرف ماله من الثواب والإكرام بعد القدوم عليه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
ثمرات التفكر والتدبر في الآيات القرآنية:
لا شيء أنفع للقلب من تدبر كلام الله ﷿، والتفكر فيه، فهو الذي يولد في القلب التعظيم للمعبود، والتكبير له، ويورث المحبة لله ﷿، ويورث الخوف والرجاء، والصبر والشكر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله واستنارته: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
ومن تدبر القرآن علم أنه يشتمل على أمرين:
فالقرآن إما خبر.
وإما إنشاء.
والخبر قسمان:
أحدهما: خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
الثاني: خبر عن مخلوقاته ﷻ، من خلق السماوات والأرض، والجبال والبحار، والجماد والنبات، والحيوان والإنسان، وخلق الجنة والنار وغير ذلك من المخلوقات.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
وأما الإنشاء: فهو طلب الفعل أو الترك، فالنفس إذ عرفت ربها بأسمائه وصفاته وأفعاله وعرفت دينه وشرعه، أقبلت على طاعة الله وعبادته، وامتثال أوامره.
وأوامر الله ﷿ على عباده قسمان:
الأول: أوامر يجب فعلها، وهي كل ما أمر الله ورسوله ﷺبه.
الثاني: أوامر يجب اجتنابها، وهي كل ما نهى الله ورسوله عنها.
والمسلم يصدق الأخبار، ويطبق الأحكام.
وكذلك تدبر القرآن يزجر العبد عن جميع الصفات المذمومة، والأفعال السيئة، التي يحصل بها فساد القلب وهلاكه، فعلى الإنسان أن يتفكر في آيات ربه المسموعة وهي القرآن: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
ويتفكر كذلك في آياته المشهودة وهي المخلوقات، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وبالتفكر والتدبر في الآيات المشهودة يرى الإنسان المخلوقات ويذكر الخالق، ويرى الصور ويذكر المصور، ويرى الأرزاق ويذكر الرازق، ويمتثل أوامر الله، ويجتنب نواهيه.
إن النظر والتدبر والتفكر من أعظم أنواع العبادة، فهذا الكون العظيم معرض كبير هائل واسع لعظمة قدرة الله ﷿، وعظمة خلقه، وتذكير بالخالق المبدع الذي خلق كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وذلك يبهر الإنسان، ويشعره بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلًا.
إن الله ﷿ كما ينزل من السماء ماءً فينبت به زرعاً مختلف ألوانه، كذلك أنزل من السماء ذكراً تتلقاه القلوب الحية، فتنفتح له، وتنشرح به، وتتحرك حركة الحياة بكل حسن وجميل من الأقوال والأعمال والأخلاق والآداب: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وتتلقاه القلوب القاسية كما تتلقى الماء الصخرة القاسية التي لا حياة فيها ولا نداوة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢].
وهذه القلوب قاسية كالحجارة أو أشد قسوة.
والله حكيم عليم له ملك السماوات والأرض وله الخلق والأمر، وهو الكريم الذي يجود بكل نعمة على عباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
• وحقوق الله ﵎ على العباد نوعان:
أحدهما: أمره ونهيه الذي هو محض حقه على العباد، ويتم بعباده الله وحده لا شريك له، وطاعته في كل حال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
الثاني: شكر نعمه التي أنعم بها عليهم، فهو سبحانه يطالبهم بشكر نعمه والقيام بأمره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
فمشهد الواجب على العبد لا يزال يشهد فيه تقصير وتفريط، وأنه محتاج إلى عفو الله ومغفرته، فإن لم يتداركه بذلك هلك، وكلما كان الإنسان أفقه لدين الله كان شهوده للواجب عليه أتم، وشهوده لتقصيره أعظم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
فينشأ من ذلك التشمير للعمل الصالح، ودوام الاستقامة على أوامر الله، وكثرة التوبة والاستغفار، كما قال النبي ﷺ:«منْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه.
فما أعظم نعم الله على عباده، وما أحسن ما دعاهم إليه من النظر إلى الآيات الكونية، والنظر الى الآيات القرآنية، وفي النظر فيهما يكمن الإيمان ويزيد، ويقوى التوحيد ويثبت، وتكمن الأعمال الصالحة، وتحسن الأخلاق، ويكمن اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى دينه وشرعه، وعلى وعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وأفضل الناس توفيقاً، وأكملهم توحيداً، وأحسنهم تقوى، من قرأ وعلم، وسمع وأبصر، وتفكر وتدبر، وتذكر وعقل، ونظر وتأمل، في آيات ربه المشهودة والمسموعة، واستقام على دينه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
***
مختارات

