الخزانة العاشرة..
• التفكر في عظمة رحمة الرب ﷻ:
من رحمة الله ﷿ أن خلق السموات والأرض دالة على عظمته، وشاهدة بوحدانيته، ومسبحة بحمده، وخاضعة لأمره: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
ومن رحمته أنه ملأ ما بين السموات والأرض بالشمس والقمر، والنجوم والكواكب، وملأ هذا الكون العظيم بالنور الذي يتمثل في طلوع الشمس نهاراً، وفى طلوع القمر والنجوم ليلاً.
ومن رحمته ﷻ أن ملأ الكون بأنواع رحمته، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
ومن كمال رحمته سبحانه بعباده أنه ملأ سماواته من ملائكته الذين يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لأهل الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في التسبيح بحمده سبحانه، وفى الدعاء لعباده المؤمنين، والاستغفار لهم، ووقايتهم عذاب الجحيم، والشفاعة لهم عند ربهم أن يدخلهم الجنة، كما قال ﷾: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩].
فما أعظم هذه العناية العظيمة من الرب العظيم ﷻ بعباده المؤمنين، وما أحسن هذا الإحسان من المولى الكريم وما أعظم هذه الرحمة من الرحمن الرحيم، وما أجمل هذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد وحسن التلطف بهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
ألا ما أعظم رحمة الله بعبادة، ومع خلقهم، وتأمين أقواتهم، وقسمة أرزاقهم، خلق سبحانه ملائكة يدعون لهم، ويستغفرون لهم، ويشفعون لهم عند ربهم، ومع هذا كله أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، وإنعامه وإحسانه، ليدعوه بها ويسألوه بموجبها.
ومع هذا كُله ينزل سبحانه كل ليلة إلى سماء الدنيا، إكرامًا للمؤمنين، واحتفاءً بهم ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله.
قال النبي ﷺ قال الله تعالى: «ينزل الله ﵎ كل لَيْلَة حِين يبقي ثلث اللَّيْل الآخر إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا من يدعوني فأستجب لَهُ من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ من يسألني فَأعْطِيه»متفق عليه.
والله ﷿ إنما يرسل رسله رحمة بالعباد، فهو الغنى عنهم، وعن إيمانهم وعن طاعتهم، وعبادتهم له، وإذا أحسنوا وامنوا إنما يحسنون لأنفسهم في الدنيا والآخرة، والناس باقون برحمة الله ومشيئته وأمرهم كلهم جميعًا بيده سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧].
إن معرفة العبد لرحمة الله الشاملة لعباده يسكب في القلب الطمأنينة إلى ربه، لا في حال السراء والنعماء فحسب، بل وهو يمر بفترات الابتلاء والضراء والبأساء التي تزوغ فيها القلوب والأبصار، فهو يستيقن أن ﵀ وراء كل لمحه، وكل حالة، وكل وضع، وكل تصرف: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
والله ﷿ هو الرحمن الرحيم وحده لا شريك له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وكل رحمة منه، وكل نعمة منه، ورحمته أكمل من رحمة غيره،ورحمة غيره إنما جاءت منه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فكل أحد غير الله إنما يعطي غيره خيره ليأخذ عوضاً، فيعطي المال لطلب الخدمة، أو طلب الثناء، أو طلب الثواب، أو طلب الجاه.
والجود والعطاء والإحسان المطلق إفادة ما ينبغي لا لعوض، وليس ذلك إلا لله الحق، الغني عن كل ما سواه، المُنعم والرحمن الرحيم وحده لا شريك له: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فإذا حصلت الرحمة من غير الله فهي من الله إلا أن رحمة الله أكمل وأعظم؛ لأن في إنعام الخلق على الخلق منة، فإنعام الخلق على الخلق يوجب علو حال المنعم على المنعم عليه، والتواضع لله أكمل، وعبودية الله أولى من عبودية غير الله:﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وإذا أنعم الله على الإنسان بنعمة في الدنيا طلب منه عملاً صالحاً يوصله إلى نعيم الآخرة، ليسعد في الدنيا والآخرة، وغير الله إذا أنعم على الإنسان بنعمة أمره بالاشتغال بخدمته، والإنعام يوجب المنة، وقبول المنة من الحق أفضل من قبولها من الخلق: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
ورحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه:
ذلك أن نعيم الدنيا إنما يحصل بالمال، وحصول المال لابد له من تعب وجُهد، وإذا حصل من دون تعب، فلعله يموت العبد قبل الغد، وهب أنه بقي الإنسان إلى الغد فلعل المال لا يبقى إلى الغد، وهب أن المال بقي إلى الغد، والإنسان بقي إلى الغد، لكن لعله يحدث حادث يمنع من الانتفاع بالمال من مرضٍ أو ألمٍ أو ابتلاء أو غيرها.
وهب أنه لم يحصل له حادث ولا ابتلاء، فإن لذات الدنيا مشوبة بالآلام والأحزان والأكدار، وهب أن تلك المنافع حصلت خالصة عن الشوائب فإنها لا تدوم، بل تنقطع وتفنى، وكلما كانت اللذة أقوي وأكمل كان التأسف والتحسر عند فواتها وفقدها أشد وأعظم: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
وهب أنها بقيت تلك المنافع مع الإنسان حتى مات، فإن لذات الدنيا حسية يشاركه فيها الإنسان والحيوان والكفار، أما اللذات الأخرى، لذات الآخرة فهي حسية وروحيه تتمثل بدخول الجنة، ورؤية الرب، ورضوانه، والابتهاج بكل ذلك: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
فالدين و الجنة ورحمة الله ومغفرته خير من الدنيا بلا دين:﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وشهوات الدنيا مُعَجلة تعقبها الحسرة، والطاعات تعقبها الطمأنينة والسرور، ويظهر ذلك جلياً بعد الموت: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران: ١٥٧ - ١٥٨].
والذي خلق هذه الدنيا وما فيها من اللذات والشهوات، هو الذي أخبر عنها، وأمرنا باجتنابها، وأمرنا بالاشتغال بعبادة الله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].
فهذه الدنيا جسد وروحها الدين ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
التفكر في سعة رحمة الله:
رحمة الله ﷿ وسعت كل شيء فهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
ورحمة الله نوعان:
الأولى: رحمة عامة لجميع الخلائق.
الثانية: رحمة خاصة بالمؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وهو أرحم بخلقة من الأم بولدها، ورحمته سبحانه سبقت غضبه، وحب الله لخلقه أعظم من حب الأم لأولادها، وعدل الله وغضبه له نهاية؛ لأنه ينتهي بحساب الخلائق والقصاص منهم يوم القيامة.
والغضب مغلوب برحمة الله، كما قال ﷿ في الحديث القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» متفق عليه.
أما فضله ﷻ وإحسانه وعفوه ورحمته فلا نهاية له؛ لأن ذلك من لوازم ذاته، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، فبعد حساب الخلائق يوم القيامة والقِصاص، تدرك الناس رحمة الله ﷿؛ لأنها زالت ذنوبهم بالعقوبة، وعادوا إلى الفطرة التي خلقهم الله عليها.
وأعظم صفات الرب:
الرحمة التي استولى على عرشه الكريم بها، لأنه يريد أن يرحم عباده مهما كانت ذنوبهم إذا انكسروا بين يديه، وتابوا إليه، وتضرعوا إليه، وهو الرحمن الرحيم الذي حمد نفسه، لأنه الرحمن الرحيم فقال ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
والله يرحم عباده في الدنيا وهم على معاصيهم برحمة واحدة، فكيف في الآخرة إذا ﵏ بمائة رحمة، كم تكون سعة رحمة الله ﷿، فإن الله ﷿ خلق مائة رحمة، وأنزل منها واحدة في الدنيا، ويوم القيامة تضاف هذه الرحمة إلى تلك الرحمات فيرحم الله ﷿ بها عباده.
وأسعد الناس بهذه الرحمة الأنبياء والرسل والمؤمنون،وأسبقهم وأفضلهم في الاتصاف بها محمداً ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وأوذي فِي اللَّهِ ما لم يؤذي أحد، فكم أذله كفار مكة، وكم شتموه، وكم سبوه، فما انتقم منهم يوم قدر عليهم عام الفتح بل عفا عنهم: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ورحمة الله ﷿ لا بداية لها ولا نهاية، ولا أول لها ولا آخر:﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فكل رحمة في هذا الكون، في الدنيا والآخرة، فهي من الله الرحمن الرحيم، الذي كل ما سواه فمن جوده وكرمه،وإحسانه ورحمته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
ورحمة الله بعبادة أنواع كثيرة:
فأولها: ما يحصل في قلب الإنسان من التوحيد والإيمان،ومعرفة الله التي فطر الناس عليها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وثانيها: ما يحصل في جوارح الإنسان وأعضائه من نور العبودية والطاعة والاستقامة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وثالثها: ما يحصل للعبد في الدنيا من سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية والطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
ورابعها: ما يحصل عند الموت من سهولة سكرات الموت، وما يحصل في القبر من سهولة السؤال، كما قال سبحانه:﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠].
وخامسها: ما يحصل في القيامة من سهولة الحساب، وغفران السيئات، وترجيح الحسنات، فالمؤمن يُحاسب حساباً يسيرًا، والكافر يحاسب حساباً عسيراً: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ٦ - ١٢].
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
***
مختارات

