الخزانة التاسعة..
• التفكر في قدرة الله ﷻ:
الله ﷿ هو الملك القادر علي كل شيء، الذي خلق سبع سماوات، وخلق سبع أراضين، الذي تتنزل أوامره الملكية الكونية، وأوامره الإلهية الشرعية، وأوامره الملكية الجزائية،بين السماوات والأرض بين السماء العليا إلى الأرض السفلى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
ففي كل سماءٍ من سماواته، وفي كل أرضٍ من أرضه، خلق من خلقه، وأمرٌ من أمره، وقضاءٌ من قضائه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
له الأوامر الكونية، والأوامر الشرعية، والأوامر الجزائية، أحاط علمًا بالكليات والجزئيات، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
ومن هذا خلقه، وهذه قدرته، وهذا علمه، فهو الرب حقًا، الملك حقًا، الإله حقًا، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فسبحان من خلق هذا الكون العظيم بما فيه، وجعل فيه سننًا تعمل.
والله سبحانه لو أظهر قدرته للناس في كل وقت، لفُتن الناس، وإنما تظهر قدرة الله ﷿ بلا أسباب يوم القيامة.
والله ﷿ له الكمال المطلق في أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، والله يظهر قدرته لخلقه بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب، وبقلة الأسباب، وبكثرة الأسباب: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فيظهر قدرته بالأسباب يُنزل الغيث من السماء إلى الأرض، فتنبت من كل زوجٍ بهيج، ويظهر قدرته بدون الأسباب:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
ويُظهر قدرته بضد الأسباب كما جعل الله ﷿ النار بردًا وسلامًا على إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
فجعلها تشتعل، وأبقى نبيه حيًا يسبح بحمده في تلك النار، وأظهر قدرته مع قلة الأسباب كما نصر المؤمنين في بدر مع قلة العدد والعدة، وأظهر قدرته مع كثرة الأسباب كما دمر فرعون وجنوده.
والله سبحانه في الدنيا أظهر سنته، وأخفي قدرته رحمةً بالعباد، وعيسى ﷺ لما أظهر الله على يديه المعجزات المادية بدل أن يقول الناس عبد الله قالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧].
وقال ﷿ عن عيسى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٤٩ - ٥١].
فبدل أن يقول الناس هو عبد الله، ورسول الله، قالوا: هو الله، وذلك بما أجرى الله ﷿ على يديه من المعجزات العظيمة، فالله ﷿ خلقنا في الدنيا وجعلها دار الأسباب، والنفوس تُفتن إذا رأت خلاف العادة والسنة الكونية، وأبو بكر ﵁ رأى مع الصحابة قدرة الله في سفره مع النبي ﷺ، رأى نبع الماء من بين أصابع الرسول ﷺ، ورأى تكثير الطعام بدعائه، ولكنه ﵁ لم يمشي على ترتيب الكرامات، بل مشى على ترتيب فعل الأسباب، لأننا في دار الأسباب، ولكن لما أمرنا الله في الدنيا بفعل الأسباب، أمرنا بذلك للابتلاء بثلاثة أمور:
الأول: هل نختار السبب الحلال أم الحرام، كما قال سبحانه:﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
الثاني: لكي إذا زاد الخير لا نفرح، وإذا نقص لا نحزن:﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٣].
الثالث: كما فعلت السبب لأمره سبحانه بذلك، هل أتركه امتثالًا لأمره؟.
كما أمرت بفتح الدكان واكتساب الرزق، هل أتركه إذا أذن المؤذن، وأذهب للصلاة؟
هذا هو الابتلاء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
ومن قرأ القرآن وتدبر ما فيه وجد أن الله ﷿، أكرم هذه الأمة وتوجها بأربعة تيجان:
الأول: تاج ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
الثاني: تاج ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
الثالث: تاج ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ [البقرة: ١٤٣].
الرابع: تاج ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى﴾ [البقرة: ١٤٣].
فهذه الأمة الله ﷿ أنعم عليها بنعم كثيرة وأعطاها وظيفة الأنبياء والرسل الدعوة والعبادة.
فقال ﷿ في العبادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال ﷿ في الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فهذه الأمة خير أمة، ذنوبها مغفورة، وأعمالها مُضاعفة، وأعمارها قليلة، وعيوبها مستورة، فالله ﷿ كشف لنا جميع أحوال الأمم السابقة وما أصابهم من العذاب والأخذ فقال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
فهذه الأمة أكرمها الله ﷿ بهذه الكرامات العظيمة، وأنعم عليها بأصول النعم، وجعلها خير أمة أخرجت للناس.
وأصول النعم ثلاث:
نعمة الخلق والإيجاد.
ونعمة القوت والإمداد.
ونعمة الهداية والإسعاد.
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
لهذا يجب على هذه الأمة ما لا يجب على غيرها؛ لأنها أخذت أفضل وأحسن وظيفة، وهي وظيفة الأنبياء والرسل، فهذه الأمة نائبة عن نبيها ﷺ في القيام بالدعوة إلى الله ﷿، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وحتى يقوم المسلم بأعمال الهداية من عبادة الله، والدعوة إليه، وتعليم شرعه والإحسان إلى خلقه، لابد من العلم بسبعة أمور:
الأمر الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه ووعده ووعيده، حتى يقوى الإيمان، ثم تتحرك الجوارح بأنواع العبادات والطاعات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الأمر الثاني: العلم بالكتاب الذي نتبع، فنعرف من كتاب ربنا ماذا يرضيه، وماذا يُسخطه، ونعرف الحلال من الحرام،ونعرف الواجب والسنة: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وقال ﷿: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].
الأمر الثالث: معرفة الرسول الذي نتبع، لنتبعه في توحيده وإيمانه، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفي أخلاقه الكريمة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الأمر الرابع: معرفة عدو الإنسان، وهو الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
فلكي تكون من جنود الرحمن، لابد أن تعرف عدوك وهو الشيطان، لتتقيه وتحذره: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
الأمر الخامس: معرفة النفس البشرية ماذا يريد الله منها،وماذا تريد هي من الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
الأمر السادس: معرفة الدنيا التي نعيش فيها، ماذا يجب علينا أن نعمل فيها؟
والدنيا الذي خلقها الله قد أخبر عنها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥].
والعمل المطلوب فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الأمر السابع: معرفة الآخرة التي سوف نصير إليها، فالدنيا دار الإيمان والعمل والآخرة دار الثواب والعقاب: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]
التفكر في عظمة رحمة الرب ﷻ:
أنزل الله الرحمن الرحيم برحمته إلى أهل الأرض الماء والوحي، فأنزل الله الماء من السماء، ليحيي به الأرض بعد موتها، وينبت فيها النباتات والزروع والأشجار، ويسقي به الإنسان والحيوان: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ٩ - ١١]
.
وأنزل الله الوحي وهو القرآن على قلوب البشر، لتحيا به قلوب البشر، وتثمر أحسن الثمرات من الإيمان بالله، والتقوى، والخشية، وطاعة الله ورسوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ الشَّيَاطِينَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فإذا أصاب ماء السماء أرضًا طيبة أثر فيها، فأنبتت الزروع والحبوب والأشجار والثمار، وصارت ترفل في حُلل زينتها، وإذا نزل ذلك الماء على أرض سبخة خبيثة لا تقبل النبات كلما ازداد نزول المطر عليها ازدادت خُبثًا، فلا تُمسك ماءً عذبًا يُشرب منه، ولا تنبت مرعى يرتع فيه، ولا ثمارًا ولا زروعاً تؤكل، فقلب المؤمن بالقرآن يثمر كل خير كالأرض الطيبة، تثمر بالماء من كل زوجٍ بهيج: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]
وقلب الكافر كالأرض السبخة، القرآن لا يزيده إلا كفرًا وطغيانًا، كالأرض السبخة لا يزيدها الماء إلا بللًا وملوحة:﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨].
فقلوب البشر بالنسبة إلى علوم القرآن ثلاثة أنواع:
الأول: قلبٌ كالأرض الطيبة، يثمر فيه القرآن ومواعظه كل خيرٍ، فيجمع بين العلم به، والعمل، وتعليم غيره، هذا أفضل الناس وخيرهم وأسعدهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
الثاني: قلبٌ حافظ كالأرض التي تمسك الماء عذبًا، فهي أجادب ليس فيها مرعى، ولكن فيها منافع تمسك الماء، فيأتي الناس إليها، فمنهم من يشرب، ومنهم من يسقي مواشيه، ومنهم من يسقي زرعه وبستانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧].
وهذه الطائفة التي حفظت عن رسول الله ﷺ العلم الذي جاء به من القرآن والسنة الصحيحة في أبواب الفقه المختلفة، فيرويه عنهم العلماء والفقهاء الذين يفهمون معانيه وأسراره، ويستنبطون منه الأحكام: قال النبي ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه.
الثالث: قلبٌ كالأرض السبخة، لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، وهى قلوب الكفار والمنافقين كلما سمعوا القرآن زادهم طغيانًا وكفرًا.
قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال النبي ﷺ: «مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كَمثل غيث أصَاب أَرضًا فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَة طيبَة قبلت المَاء فأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير وَكَانَ مِنْهَا أجادب امسكت المَاء فنفع الله تَعَالَى بهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسقوا وزرعوا وَأصَاب طَائِفَة مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قيعان لَا تمسك مَاء وَلَا تنْبت كلأ فَذَلِك مثل من فقه فِي دين الله تَعَالَى، ونفعه مَا بَعَثَنِي الله تَعَالَى بِهِ فَعلم وَعلم وَمثل من لم يرفع بذلك رأسًا وَلم يقبل هدى الله الَّذِي أرْسلت بِهِ» متفق عليه.
والله ﷿ هو الغني وحده عن جميع خلقه، وجميع خلقه مفتقرون إليه، فهو خالقهم ورازقهم ومالكهم: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ [لقمان: ٢٦].
يأمر ﷻ خلقه وينهاهم، لا لينتفع بطاعاتهم، ولا ليدفع الضر بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو سبحانه الغني لذاته، الغني الغنى المطلق، وكل ما سواه فقير إليه:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والله ﵎ هو الرب الرحمن الرحيم المالك لجميع أنواع الرحمة الذي يملك خزائن الرحمة في الدنيا والآخرة، الذي رحم عباده بإنزال الغيث، وإنبات النبات، وسوق الأرزاق، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وما يفتحه الله للناس من أنواع الرحمة لا يقدر أحد أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من أنواع الرحمة فلا يقدر أحدٌ أن يرسله إليهم: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
وهو الكريم الذي يجود برحمته على من أطاعه وعصاه؛ لأنه الكريم الذي يملك خزائن كل شيء، القوي العزيز الذي لا يبالي بمن أعرض عنه وعصاه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨].
والله ﷿ هو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، ورحمة الله تتجلى على الخلائق عامة، وعلى الإنسان خاصة.
تتجلى ابتداءً في وجود البشر أنفسهم وفي نشأتهم من حيث لا يعلمون، وفي تكريم الإنسان على كثيرٍ من العالمين.
وتتجلى في تسخير ما في هذا الكون العظيم من النعم، والطاقات، والقوى، والأرزاق، والمياه، والهواء، وغير ذلك مما يتقلب فيه الإنسان كل لحظة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وتتجلى رحمة الله الواسعة في تعليم الإنسان ما لم يعلم مما يحتاجه في حياته: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥].
وتتجلى رحمة الله كذلك في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى كلما نسي وضل، وأخذه بالحلم كلما لج في الضلالة والجهالة:﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وتتجلى رحمته كذلك في مجازاته العبد على السيئة بمثلها، وبمجازاته على الحسنه بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، ومحو السيئة بالحسنة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وتتجلى في تجاوز الله عن سيئات العباد إذا عملوها بجهالة ثم تابوا، وبكتابة الرحمة على نفسه، كما قال سبحانه:﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].
وكتب سبحانه كتاباً عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي.
والله ﷻ هو الرحمن الرحيم، وقد وسعت رحمته كل شيء، واستوي على أكبر المخلوقات، وأعظمها، وأوسعها، وهو العرش العظيم بأوسع الصفات وهي صفة الرحمة، فقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وقد أنزل الله في القرآن سوره كاملة باسمه الرحمن ومطلعها: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
والبيان ثلاثة أنواع:
١ - البيان النطقي باللسان.
٢ - البيان الإشاري بحركة الرأس أو اليد أو العين.
٣ - البيان الكتابي بالقلم.
وفي هذه السورة معرضٌ لآلاء الرحمن، ومخلوقاته العظيمة، ومظاهر رحمته التي تبلغ كل عقل، وكل سمع، وكل بصر، وتملأ فضاء السماوات والأرض.
ويبدأ معرض الآلاء بتعلم القرآن بوصفه المنة الكبرى على الإنسان تسبق في الذكر خلق الإنسان ذاته وتعليمه، البيان.
فهذا القرآن العظيم نعمة كبرى، بل هو النعمة الكبرى على البشرية كلها تتجلى فيه رحمة الرحمن بالإنسان، وآلاء الله ومخلوقاته، وهو منهج الله للبشرية الذي يصلهم بربهم، وينظم أحوالهم ومعيشتهم وفق أمر ربهم، ويفتح عقولهم، وحواسهم، ومشاعرهم، على هذا الكون العظيم الجميل، ومبدعه الذي شمل خلقه برحمته الواسعة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
***
مختارات

