فقه كون الحمد كله لله (٥)
ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها، وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير من العمل، في هذه المدة القصيرة بالنسبة إلى البقاء في دار الخلود.
وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشراً، وإن أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم.
وذكرهم بآلائه، وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمةً منه وإحساناً، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حمايةً وصيانةً لهم، لا بخلاً منه عليهم، فله الحمد والشكر حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده.
وفتح لهم أبواب العلم والهداية، وعرف لهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه، فله الحمد والشكر عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته.
وأعلم عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل، وأفضل المنازل، وأجل العلوم والمعارف فقال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
ومن أراد مطالعة أصول النعم المادية والروحية، الظاهرة والباطنة، فليتأمل القرآن من أوله إلى آخره، وسيرى ما عدد الله فيه من نعمه، وتعرف بها إلى عباده، وتوفيقه لأوليائه، وخذلانه لأعدائه، ومنازل هؤلاء، ومنازل هؤلاء.
فقد خلق الله البشر وابتلاهم بإبليس وحزبه، وتسليط أعدائهم عليهم، وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى، لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها.
فلله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة، وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه، وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)} [الجاثية: ٣٦].
والشكر: معناه طاعة المنعم، ويكون في ثلاثة مواضع:
في القلب.
واللسان.
والجوارح.
ومعنى كونه في القلب أن يعترف بقلبه أن هذه النعمة من الله، ويرى لله فضلاً عليه، وأن كل النعم في الكون من الله، وأعظمها نعمة الإسلام.
وشكر اللسان أن يتحدث بنعم الله على وجه الثناء على الله بها، والاعتراف بأنها منه سبحانه، لا على سبيل الفخر والخيلاء.
وشكر الجوارح: أن تستعملها بطاعة المنعم سبحانه في كل حال.
فشكر الله على نعمة الإيمان.
أن تعمل بموجبه الطاعات، وتعلمه الناس.
وشكر الله على نعمة العلم.
أن تعمل به وتعلمه الناس.
وشكر الله على نعمة العافية.
أن تستعمل البدن فيما يرضيه سبحانه.
وشكر الله على نعمة الطعام.
أن تستعمله فيما خلق له، وتستعين به على طاعة الله، وتطعم منه خلقه.
وهكذا في بقية النعم حمد وشكر وثناء ومدح للمنعم، الذي شمل بنعمه عموم خلقه، يعطي بلا سؤال، وإذا أعطى أجزل في العطاء، يأمر بالأمر لمصلحة العبد، ويعين على فعله، ويقبله إذا فعل، ويثيب عليه بالثواب الجزيل الدائم الذي لا ينقطع: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)} [النحل: ٩٧].
وحقيقة الحمد يجب أن توجه إلى الله وإن توجهت إلى غيره مجازاً، لأنه سيؤول إليه، فأنت لا تحمد فلاناً لأنه أعطاك بذاته، وإنما أعطاك لأن الله أعطاه فأعطاك، وأمره أن يعطيك فأعطاك، وحبب ذلك إليه فوضعه في يدك.
فهو سبحانه المحمود على ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المحمود على جماله وجلاله، وهو المحمود على نعمه وآلائه، وهو المحمود على حلمه ولطفه، وهو المحمود على قضائه وقدره، وهو المحمود على دينه وشرعه.
فـ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)} [فاطر: ١].
و: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)} [الكهف: ١].
و: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)} [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
وأصول الشكر وقواعده التي لا يكمل إلا بها ستة:
خضوع الشاكر للمشكور سبحانه.
وحبه له.
واعترافه بنعمه.
وثناؤه عليه بها.
واستعمالها فيما يحب الله.
وعدم استعمالها فيما يكره.
ومتى نقص منها واحدة اختلت قاعدة من قواعد الشكر للرب.
وأسباب الشكر ومنابعه كثيرة:
فحياء العبد من تتابع نعم الله عليه شكر.
والمعرفة بعظيم حلم الله شكر.
والمعرفة بأن النعم ابتداء من الله بغير استحقاق شكر.
والعلم بأن الشكر نعمة من نعم الله شكر.
وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر.
وتلقي النعم بحسن القبول شكر.
واستعظام صغيرها شكر.
ووضعها في مكانها شكر.
وصرفها في طاعة الله حسب أمر الله شكر: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)} [لقمان: ١٢].
والله عزَّ وجلَّ هو المنعم بجميع النعم، والنعم كلها أثر من آثار رحمته.
وتربية الله لخلقه نوعان:
تربية عامة.
وتربية خاصة.
فالعامة: هي خلقه للمرزوقين ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه المؤمنين، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه بالتوفيق لكل خير، وعصمتهم من كل شر.
فله الحمد والشكر على كماله وجلاله وجماله وآلائه وإنعامه وإحسانه: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)} [غافر: ٦٥].
له الملك كله فلا يخرج مخلوق عن ملكه، والحمد كله له: حمد على ما له من صفات الكمال، وحمد على ما خلقه من الأشياء.
وحمد على ما أسداه من جزيل النعم.
وحمد على ما شرعه من الأحكام.
الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)} [التغابن: ١].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، أنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لا إلَهَ إلا أنْتَ، أوْ: لا إلَهَ غَيْرُكَ» متفق عليه (١).
فكل ما خلقه الله هو نعمة، ودليل على قدرة الله، وعلى حكمته.
وكل مخلوق فيه نعمة تستوجب من الخلق الحمد والشكر لله.
والحمد لله على كل حال، لأنه ما من حال يقضيها الله، إلا وهي نعمة على عباده، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
هو المحمود على خلقه.
وعلى علمه.
وعلى رحمته.
وعلى حكمته.
وعلى حلمه.
وعلى نعمه.
وعلى قدرته.
وعلى كماله وجلاله وجماله.
والحمد لله أحق ما قال العبد، يقوله المسلم في كل صلاة، وفي كل خطبة، وفي كل أمر ذي بال، وفي كل حال.
فلله الحمد والشكر على كل حال، لأنه لا يفعل إلا الخير والإحسان.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١١٢٠) واللفظ له، ومسلم برقم (٧٦٩).
مختارات

