الخزانة السابعة..
فقه الهجرة والنصرة:
الهجرة هي ترك كل الدنيا من أجل إقامة كل الدين في العالم إلى الأبد.
وهذه هي هجرة الصحابة الذين تركوا كل دنياهم لأعدائهم في مكة، فالمهاجرون ضحوا بأوقاتهم، وأموالهم، وأنفسهم، وديارهم، وأهلهم، وشهواتهم من أجل دين الله ﷿.
والنُصرة: هي ترك دنياك من أجل إخوانك المؤمنين المهاجرين في سبيل الله لإعلاء كلمة الله.
فالأنصار تركوا أموالهم من أجل الدين، وبذلوا أموالهم من أجل الدين، كعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص، وغيرهم، … فالمهاجرون تركوا أموالهم لأعدائهم، والأنصار تركوها لإخوانهم المؤمنين، فالمهاجرون أعلى تضحية، لأنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].
والدعوة إلى الله لا يمكن أن تقوم في العالم إلا بالهجرة والنصرة، وروح الهجرة الترك لكل شيء من أجل إقامة الدين، وروح النصرة البذل.
والتربية لا تكمُل أبداً إلا بالهجرة والنصرة، وإذا جاءت الهجرة والنصرة من أجل دين الله، قام الدين،وحصل رضوان الله ﷿ لأوليائه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
ومقصود الدعوة:
تحصيل معيّة الخالق، ومعيّته سبحانه تحصل بالصفات التي هي ثمرة الدعوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وأفضل الخلق بعد الأنبياء هم المهاجرون والأنصار الذين اكتملت فيهم الصفات، وشهدوا بدرًا، فلما استغاثوا بربهم جميعًا نصرهم الله جميعًا، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
وبجهد الدعوة إلى الله، وقيام الصحابة بالهجرة والنصرة، ألَّف الله بين قلوبهم حتى صاروا إخوةً كالجسد الواحد: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
والطاعة ثمرة المعرفة، والله سبحانه يأمر وينهى، والرسول ﷺ يأمر وينهى، ولكن لن يطاع الله حقًا، حتى يُعرف حقًا؛ ولن يطاع الرسول حقًا حتى يُعرف حقًا؛ والله سبحانه في القرآن المكي يعرِّف بنفسه وأسمائه وصفاته وأفعاله، قبل أن يطلب من الناس أن يطيعوه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
بيَّن الله كيف عظمته، كيف قدرته، كيف قوته، كيف سمعه، كيف بصره، كيف ملكه، كيف خلقه، كيف علمه، كيف حلمه، كيف رزقه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والله ﷿ يجعل الداعي الى الله سببًا لهداية البشرية إذا تعب ليستريح الناس، وجاع ليشبع الناس، إذا ضحى بكل شيء ليهتدي الناس، إذا بذل ما يملك لينتشر الدين، ويهتدي الناس، إذا ترك ما يملك من أجل أن ينتشر دين الله ﷿: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]
والداعي إلى الله حقًا هو الذي يغار على الناس أن يدخلوا النار، فيصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، من أجل هداية الناس: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والفراغُ باب المعصية، وأكثر ما يصطاد الشيطان الإنسان عند الفراغ والتقلب في الشهوات: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
والنُّصرة بيد الله وحده، ونصرة الله لرسوله محمدٍ ﵌ فضلٌ عليه من ربه، فقد مات أبوه وهو حمل، وماتت أمه وهو ابن ست سنين، ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، ومات عمه أبو طالب الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة التي كانت تواسيه بنفسها ومالها، في عامٍ واحد، وليس له أخٌ أو ابنٌ ينصره؛ وذلك ليعلم الناس أن نصرته في السماء لا في الأرض، ومن رب البشر، لا بعون البشر: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢].
والنصرة من الناصر النصير وحده، وعبادة الله لا بد أن تكون مقرونةٌ بطاعته، ولن تكون عبده إذا كنت تطيع غيره، فالعبادة له وحده، والطاعة له وحده،وعبادته وطاعته لا تكون إلا بعد معرفته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وكمال حياة المسلم تكون بسبعة أمور:
o تعلم الدين.
o والعمل بالدين.
o والثبات على الدين.
o وإخلاص الدين لله.
o وحفظ الدين.
o وأداء الحقوق.
o وكف العبد عما لا يعنيه، وإلا أُخذت حسناته يوم القيامة منه
قال الله تعالي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وكل شيءٍ قرينه الجهل فهو ظلمةٌ، وفسادٌ، وضياع، وكل شيءٍ قرينه العلم فهو نورٌ، وهدايةٌ، وفلاحٌ، وطمأنينة:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وأركان الجاهلية التي تهلك الأمة وتمزقها أربعة:
o ظن الجاهلية.
o وحكم الجاهلية.
o وتبرج الجاهلية.
o وحمية الجاهلية.
وكل هذه ذكرها الله في القرآن الكريم.
فظن الجاهلية يسبب فساد قلوب الأمة، وحكم الجاهلية يسبب فساد حياة الأمة، وتبرج الجاهلية يسبب فساد النساء والرجال، وحمية الجاهلية يسبب فساد القبائل، وإذا استفحلت هذه الأمراض الأربعة أدت إلى ذل الأمة وهوانها، وهلاكها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
ولا يغرَّنك أيها المسلم أماكن الاجتماعات والمؤتمرات الفاخرة المزخرفة، فإن أعظم اجتماعٍ في التاريخ كان تحت شجرة، وأثمر ذلك الاجتماع عن رضوان الله ﷿، ونزول السكينة على قلوب المؤمنين، وحصول نصر الله لهم، ووقوع الغنائم من أعدائهم بأيديهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩].
فالنصر من النصير وحده، والرزق من الرزاق وحده،والأمن من المؤمن وحده: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
***
مختارات

