الخزانة الثامنة..
فقه العلم والإيمان:
الكون كله آياتٌ كونية، والقرآن كله آياتٌ شرعية، وهذه وهذه آياتٌ تهدي المخلوق إلى خالقه، وتذكّره بعظمة مولاه،وتعرّفه بعظيم نعمه وإحسانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
والكتب السماوية السابقة تحمل منهجًا ربانيًا مؤقتًا لأمةٍ مؤقتة، أما القرآن الكريم فيحمل منهجًا ربانيًا دائمًا إلى يوم القيامة لا يتبدل، ويحمل معجزةً خالدةً إلى يوم القيامة:﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
أما التوراة فتحمل المنهج لأمة موسى؛ والمعجزة لموسى ﵌العصا.
والإنجيل يحمل المنهج لأمة عيسى؛ والمعجزة لعيسى ﵌إبراء الأكمه والأبرص.
والزبور يحمل المنهج لأمة داوود وهكذا.
والقرآن الكريم كتابٌ عظيمٌ، يحمل المنهج للبشرية إلى يوم القيامة، وهو مهيمنٌ على جميع الكتب؛ كما قال سبحانه:﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
وكل ما يقوله الناس في الدين من الأحكام والقواعد شرحٌ للسُّنة، وكل السُّنة شرحٌ للقرآن الكريم، وكل القرآن شرحٌ لثلاثة أمور:
شرحٌ لأسماء الله وصفاته وأفعاله؛ التي ثمرة معرفتها توحيد الله، والإيمان به، وتعظيمه، ومحبته، وحمده، وعبادته وحده لا شريك له؛ وشرحٌ لأحوال اليوم الآخر؛ وبيانٌ لحياة الرسل والأنبياء كيف نصرهم الله، وخذل أعداءهم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والمعصية سواءً تعلقت بحق الله، أو حق آدمي، عظيمة؛ فلا تنظُر إلى عظمة المعصية، وانظر إلى عظمة من تعصيه، والمعصية في مكة أعظم، وفي أشهر الحج أعظم وأعظم؛ لأنها وقعت في حرم الرب، وأمام الرب، وأمام خلق الرب، والله هو الإله الذي تألهه القلوب، وتحبه، وتعظمه، ومحبة الله وتعظيمه يقتضي الذل له وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والشرك تعلق القلب بغير الله، أو تعظيم غير الله كتعظيم الله، وبعد التوحيد أو الشرك تأتي الأعمال بحسب من تتعلق به أو تعظّمه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والتوحيد هو إفراد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده بأنواع العبادة؛ فالتوحيد كالسماء في عُلُّوها وسَعتها، والتوحيد يرفع صاحبه إلى أعلى المنازل، وأرفع الدرجات، وأحسن الأعمال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].
فالذي يسقط من السماء لا شك هالك، والذي يترك التوحيد لا شك هالك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
فالشرك سقوطٌ من العلو إلى السُفُل، فيسقط في أودية الهوى، أو تخطفه الشياطين ويوسوسون له بكل شبهة: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٠ - ٣٢].
فكلمة التوحيد لا إله إلا الله أصلها ثابتٌ في القلب، وفروعها من الأعمال الصالحة في السماء، فهذه الكلمة تُخرج أعمالًا يقبلها الله، وتُثمر حلاوة الإيمان، والثواب العظيم من الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وحبُّ الرئاسة آخر الأمراض خروجًا من القلب؛ لأن حب الرئاسة شديد الخفاء، فإذا خرج استقام القلب لربه، وإبليس أول من أحبَّ الرئاسة، واستكبر عن السجود لآدم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وبالدعوة إلى الله يزيد الإيمان، وبالبيئة الإيمانية يُحفظ الإيمان، وبالمجاهدة يترقى الإيمان في القلب:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وبالهجرة والنُّصرة ينتشر الإيمان، وتحصل الهداية،وترسخ في القلب حقيقة الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
ومن كان في معية من لا تدركه الأبصار، فلن تدركه الأبصار؛ فالرسول ﷺ وأبو بكر ﵁ في الغار في معية الله، في معية من لا تدركه الأبصار، فلم تدركهم أبصار من طلبهم من مشركي مكة: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].
وتزول عن العبد جميع العوائق الداخلية إذا دعا بقوله سبحانه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ [طه: ٢٥].
وتزول عنه جميع العوائق الخارجية إذا دعا بقوله سبحانه: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ [طه: ٢٦].
فكن ذاكرًا لله، حامدًا له، مكبرًا له، في كل أوقاتك،واجمع ما تريد من ربك في ثلاث كلمات: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
ثم استغفر الله من كل أعمالك، ولا تثق إلا برحمة ربك:﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وإذا صَلُحَت الأخلاق، والمعاملات، والمعاشرات، بين المسلمين، فتح الله أبواب الهداية لدخول غير المسلمين في الإسلام، فغير المسلمين يتأثرون من حسن الأخلاق، وحسن المعاملات، وحسن المعاشرات أكثر من التأثّر بالصلوات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
ومقصود الهجرة والخروج في سبيل الله؛ ليقلَّ حب التعلُّق بالمال، والأهل.
والله سبحانه ذكر جهد خمسة وعشرين نبيًا في القرآن في مجال الدعوة إلى الله، ولم يذكر عبادة الأنبياء لأن شرائعهم منسوخة بالقرآن، أما جُهدهم فهو باقٍ ذكره، ذكره الله في القرآن الكريم في عدة سور لتقتدي به هذه الأمة، كما قال الله ﷿ لنبيه ﷺ:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وكل القرآن لا توجد فيه قصة عابدٍ واحدٍ، ولا ذاكرٍ، ولا زاهدٍ؛ بل كل القرآن يُبين قصص الدعاة إلى الله من الأنبياء والرسل وغيرهم، لأن الله يريد لهذه الأمة أن تتربى تربية الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الله:﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فضل الإكثار من ذكر الله ﷿:
أفضل الذكر وأنفعه وأحسنه وأتمه ما وطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار الشرعية، وشهد الذاكر من يذكر بأسمائه وصفاته وأفعاله، وفهم معنى الذكر ومقاصده.
والمقصود من الذكر إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وإفراده بالحب، والتعظيم، والذل له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
ومن أراد أن يذكر الله حقًا فعليه الاتصاف بخمس صفات:
الأولى: تفريغ القلب من كل ما يُشغله عن الله
الثانية: والتوبة إلى الله
الثالثة: ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله
الرابعة: وتذكُّر لقاء الله يوم القيامة
الخامسة: والتقرُّب إلى الله بالأعمال الصالحة
فإذا خلا القلب من غير الله استعدَّ لذكر الله؛ فلا يذكر غير الله، ولا يرجو غير الله، ولا يفكر في غير الله، ولا يتعلق بغير الله، ولا يخاف إلا الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وأما التوبة فهي رجوع العبد عما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا؛ والله سبحانه توابٌ، يحب التوابين، ويفرح أشد الفرح بمن تاب إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال النبي ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُم وَقَعَ علَى بَعيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فلاةٍ».
أخرجه مسلم.
فتُب إلى الله في كل وقت، وفي كل حال، وقبل الطاعة، وأثناء الطاعة، وبعد الطاعة، وبعد المعصية تنجو وتُفلح وتسعد: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله تُثمر كثرة ذكره، وحمده، وتكبيره، وتعظيمه، وأن تعبد الله كأنك تراه، والاستحياء منه، ولزوم الاستغفار والتوبة في كل حين: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فالله سبحانه هو الإله الذي يستحق أن يُؤْلَه، ويُحَبْ، ويُعبَد، ويُطاع وحده لا شريك له؛ لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظيم نعمه وإحسانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
والله ﷿ هو الغني وأنت مفتقرٌ إلى الله من جميع الوجوه؛ في خلقك، في بقائك، في إمدادك، في حفظك، في جميع حوائجك، في هدايتك، وفي عبادتك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
ومن علم أن جميع الخلق راجعون إلى ربهم؛ سارعَ إلى كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، وأكثرَ من ذكر ربه، وشكره بقلبه ولسانه وجوارحه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
ومن عرف الله حقًا آمن به حقًا، وعبده حقًا، وأكثر من ذكره وعبادته، والتقرب إليه بجميع أنواع الطاعات والقُربات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والله ﷿ قريبٌ من كل خلقه، لا يخفى عليه مثقال ذرة في ملكه، وقريبٌ من عابديه بالإجابة والقَبول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
فمن توفرت له هذه الصفات الخمس ذكر ربه حقًا في كل أحيانه، وخشي ربه واتقاه، ولم يتعلق بأحد سواه، واستأنس بربه، واستوحش من غيره: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
والإجابة من الله مقرونةٌ بحسن الاستجابة من العبد؛ بالإيمان بالله، والانقياد لأوامر الله ونواهيه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
والحدث حدثان:
الأول: حَدَثُ اللسان؛ ويكون بالكذب، وشهادة الزور، والغيبة، والنميمة، والسب والشتم، ونحو ذلك من الدعوة إلى الباطل والشر والفساد.
الثاني: حَدَثُ الفرج؛ ويكون بخروج البول والغائط، وحصول الجماع، والاحتلام، ونحو ذلك.
فالأول يوجب التوبة، والثاني يوجب الطهارة، والله يحب من عباده التوبة من الأول، والتطهر من الثاني:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
المؤمنات الصالحات التقيات:
خديجة ﵂ زوج النبي ﵌، عاشت مع رسول الله ﷺالأحوال المخالفة في مكة، وعائشة ﵂ عاشت معه الأحوال الموافقة في المدينة، وارتفع مقامها معه، فهي زوجة نبي، وطالبة علم، وابنة الصديق، وتسمى أم المؤمنين.
وخديجة ﵂ لها مكانة، وذات مال، تزوجت النبي ﵌أمينًا صادقًا، ولم تتزوجه نبيًا، ولا غنيًا، ولا أميرًا.
وآسية زوج فرعون قبل إيمانها كانت سيدة مصر الأولى، ولما آمنت بالله صارت المعذبة الأولى من أجل أن ترضي الله ﷿، فعذبها زوجها فرعون، ووضع لها الأوتاد، وأمر الجلادين بضربها، فقالت وهي تُعذَّب،كما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم: ١١].
فطلبت الجوار في الآخرة قبل طلب النجاة من فرعون.
ومن هؤلاء؛ فاطمة بنت محمد ﵌ فقد شهدت الأحوال المخالفة في مكة، والأحوال الموافقة في المدينة، وصبرت على ما جرى لأبيها أعظم أنواع الصبر.
والمرأة لا تُهنَّى بزوجها، وإنما تُهنَّى بجهدها وأخلاقها، وإذا اجتمع لها الأمران فذلك نورٌ على نور، كما حصل لأزواج النبي ﷺ خديجة، وعائشة ﵄، اجتمع لهن جمال الزوج، وجمال الجهد.
ومريم ابنة عمران نذرتها أمها وهي في بطنها للدين، فما عاشت دقيقةً واحدةً للدنيا؛ بل عاشت من أجل الدين في خدمة بيت المقدس: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢].
فهؤلاء سيدات نساء العالم؛ خديجة عربية، وعائشة عربية، وفاطمة بنت محمد قرشية، وآسية قبطية، ومريم إسرائيلية، فمريم رزقها الله الولد من غير زوج فتحملَّت كلام الناس، وصبرت، وقامت بما أمرها الله ﷿: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ١٦ - ٢٦].
فكر الداعي إلى الله نشر الهداية في العالم في كل زمان ومكان: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
ومِزاجُ الداعي إلى الله التنازل عن كل شيء، وبذل كل شيء من أجل جمع الأمة على الدين؛ فالداعي الحق يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عن من ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، لتأليف قلوب الأمة، وجمعها على كلمة سواء.
ونمشي بجهد الدعوة إلى الله بأحسن الصفات؛ بالرحمة والشفقة، واللين والصبر، والعفو وحسن الظن، وحسن التوكل على الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
***
مختارات

