الخزانة السادسة..
حلاوة الإيمان:
خزائن الحُسُن كلها عند الله، وحُسن الله لا يُدرَك، فكذلك حُسن الدين لا يُدرك، وكذا حُسن الدعوة إلى الله لا يُدرك:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
بفضل الله ﷿ الصحابة انتقلوا من شرِّ أمة إلى خير أمة، ومن شرّ القرون إلى خير القرون، ومن الضلال المبين إلى الحق المبين، ومن شرّ الناس إلى خير الناس، ومن الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
والداعي الذي ينظر إلى تضحياته في الدعوة يتأخر، والذي ينظر إلى تقصيراته يتقدم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
وبجهد الدعوة إلى الله نتحصَّل على الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وبالأخلاق الحسنة الهداية تأتي في حياة الناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والأخلاق الحسنة هي ثمرة الجهد، وبالأخلاق يدخل الناس في الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وجهد الدعوة إلى الله هو الحكمة مع الرحمة والموعظة الحسنة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
ودين الإسلام نصفان:
نصفٌ شكر، ونصفٌ صبر؛ والله يحب الشاكرين، ويحب الصابرين.
فالشكر: قيام المسلم بجُهد الدعوة مع الأسباب الموافقة.
والصبر: قيامه بالدعوة مع الأسباب المخالفة، وفي هذا وهذا أجور عظيمة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥].
وحلاوة الطعام تأتي بعد الطهي، وحلاوة الإيمان تأتي بعد المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وبقدر ما تأتي في القلوب عظمة الدعوة إلى الله،تأتي في القلوب خمس كرامات:
عظمة الله، وعظمة أوامره، وعظمة الرسول ﷺ، وعظمة أوامره، وعظمة اليوم الآخر.
والدعوة إلى الله مركبة على العزيمة، والعبادات كلها مركبة على الرُخَص، فالدعوة إلى الله فرضُ عينٍ على كل مسلم ومسلمة، ولا رُخصة فيها لأحد، وجميع الرُخَص من أجل أسفار الدعوة إلى الله،وجميع أسفار النبي ﷺ كلها للدعوة إلى الله:﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
والشيطان عدو مبين للإنسان، يأتيه من جميع الجهات؛ من اليمين والشمال، ومن الأمام ومن الخلف، والشيطان يأتي للإنسان في الظلمة والنور.
فيأتي في الظلمة ليُخرج الإنسان من الطاعة إلى المعصية، ويأتي في النور ليُخرج الإنسان من الكل إلى الجزء، ومن العمل الاجتماعي إلى العمل الانفرادي: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
والله ﷿ استجاب دعاء أشقى الخلق، وهو إبليس حين طلب الإمهال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
فكيف لا يستجيب سبحانه دعاء الداعي، والسائل، والمضطر، والعاصي: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والمؤمن يستفيد من صفات الربوبية؛ فكل نعمةٍ من ربه، ويستفيد من صفات الألوهية؛ من رحمة الله، من عفو الله، من مغفرة الله، من ستر الله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
أما الكافر فيستفيد من صفات الربوبية من النعم المادية فقط، ولا حظ له من صفات الألوهية، ولا حظ له في الآخرة، لأنه لم يؤمن بالله، كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وتكوين البيئة الإيمانية شرطٌ لقيام الدين، وحفظ الدين، وقد منع كفار مكة رسول الله ﷺ من تكوين البيئة عند الكعبة، فأقامها في دار الأرقم، وحين أرسل رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وعبد الله ابن أم مكتوم إلى المدينة تكونت البيئة الإيمانية، فأسلم في يوم واحد من الأنصار ثلاث مائة بيت، فلا يمكن فهم الدين إلا بتكوين البيئة الإيمانية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وهذه البيئة لا بد أن تكون متحركة تجوب العالم بالدين، لينتشر الدين في العالم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وفي البيئة الإيمانية يكرمنا الله بخمس كرامات:
نتعلم الدين.
ونعمل بالدين.
ونثبت على الدين.
ونترقّى في الدين.
وننشر الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وحب النبي ﵌ بغير إتباعه لا ينفع، فأبو طالب عم النبي ﷺ كان يحب النبي ﷺ، ويدافع عنه، لكنه لم يؤمن به، فهو في النار، وفي الشعب أمر النبي ﷺأن ينام في فراشه، ونام هو في فراش الرسول ﷺ، وقال أقتل أنا، ولا تقتل أنت، لكن حبه هذا كان حب عصبية لمحمد، لا لدين محمد فلم ينفعه، فأبو طالب في قلبه العصبية لمحمد لا لدين محمد فلم يهده الله؛أما بلال ففي قلبه العصبية لدين محمد ﷺ لا العصبية لمحمد فهداه الله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
أيها المسلم لا تعظِّم المخلوق فتفقد في قلبك تعظيم الخالق، ولا تعظِّم الدنيا فتفقد في قلبك تعظيم الآخرة، ولا تعظم الأشياء فتفقد في قلبك تعظيم أوامر ربك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وكلما تعلَّق قلب العبد بغير الله من زوجٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ حرمه الله منه، وسلطه عليه، ليرجع إلى ربه الذي بيده جميع مصالحه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
فنتحمل مرارة الدواء من أجل حلاوة الشفاء: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وعلى قدر علمك بالله سيكون حسن ظنك به، وعلى قدر حسن ظنك بالله سيكون كمال توكلك عليه، وعلى قدر معرفتك بربك تكون قوة محبتك له، وعلى قدر محبتك له تكون قوة عبادتك له، وشكرك له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن لم تكن في قلبه حقيقة لا إله إلا الله، فهو في الصورة يعبد الله، وفي الحقيقة يعبد غير الله ممن تعلق قلبه به من دون الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
ومن أعظم النعم على العبد العقل، فأشغل عقلك في فهم الشرع والقدر، وعطِّله عن انتقاد الشرع والقدر،حتى يرضى الله عنك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]
***.
مختارات

