الخزانة السابعة..
• أنواع الشرك بالله ﷿:
الشرك بالله أنواعه كثيرة منها:
الأول: أن يعظم الإنسان المخلوق كما يعظم الخالق، فيؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها من أجل تنفيذ أمره، أو يذبح باسمه كما يفعله بعض الناس مع رئيسه أو وزيره أو سيده.
الثاني: أن يحب الإنسان أحد المخلوقين كما يحب الله أو أعظم كما يحصل من بعض المفتونين بعشق وغيرهم، ويحبه حبًا يعصي بسببه ربه.
ثالثًا: الرياء وهو أمر خفي فيزين الإنسان صلاته أو يصوم أو يتصدق ليقال أنه مصلٍ أو عابد أو كريم، والله أغنى الشركاء عن الشرك، كما قال الله ﷿: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
أخرجه ا مسلم.
الرابع: أن تأخذ الدنيا لب الإنسان وعقله، فتجد فكرة وبدنه وعقله كله مسيرٌ في الدنيا، كيف يكسب المال بحلال أو حرام، أو غش، أو كذب، أو خديعة لأن الدنيا استعبدته وملكت قلبه.
قال رسول الله ﷺ «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أَعْطَى رَضِيَ، وَإِنْ مَنَعَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثُ رَأْسُهُ، مُغْبَرَةٌّ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَتِ السِّيَاقَةُ كَانَ فِي السِّيَاقَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْحِرَاسَةُ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشْفَعْ، طُوبَى لَهُ وَطُوبَى لَهُ».
أخرجه البخاري.
• عظمة كلمة التوحيد:
شهادة التوحيد لا إله إلا الله، أعظم الشهادات على الإطلاق، وإذا أراد الإنسان تحصيل شهادة علمية دنيوية، فلابد أن يبذل جهدًا كبيرا، ومالًا كثيرا، ووقتًا طويلا، من أجل الحصول عليها، وشهادة التوحيد أعظم الشهادات على الإطلاق: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وللحصول عليها لابد من بذل الجهد والفكر والمال والوقت من أجل الحصول عليها، والعلم بها يقتضي البحث والدرس والتضحية والعلم والعمل، ومن ثم يأتي اليقين على أنه لا إله إلا الله الذي بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وعلم بلا تضحية يبقى صاحبه في تردد وشك، وهذا ليس بعلم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
فنهاية العلم الإلهي التوحيد، توحيد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده ﷻ بعبادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فنهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل عبادة الله وطاعته وتقواه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وجميع ما في الكون من المخلوقات العظيمة، والتدبيرات العجيبة، يدل على أن الله وحده هو الفعال الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، وبيده وحده الخلق والأمر.
فمن تدبر في هذا الكون العظيم، علم أن الله وحده هو الفعال لما يريد، وهو الذي يدبر الأمر كله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾ [الروم: ١٩ - ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
وأحيانًا لحكمة يريدها الله يظهر الأقوياء والجبابرة وكأنهم يفعلون ما يريدون، كما فعل فرعون ببني إسرائيل، فكان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، أنه كان من المفسدين، ففي هذا امتحان، وفي هذا امتحان، فإذا ظهرت أفعال الله جليه واضحة للناس كأية الشمس والقمر، ونزول الأمطار، والزلازل، والخسوف وغيرها، فهذا يدل على كمال قدرة الله، ويزيد الإيمان في القلوب، ويطمئن النفوس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وأحيانًا يبدو أن فلانًا يفعل ما يريد كأنه يتصرف وحده، فهذا أيضًا امتحانٌ لضعاف الإيمان، يضعف إيمانهم حينًا فيقولون أين الله؟ حين يرون الجبار يبطش بالخلق، وأحيانًا يرون أفعال الله جلية ظاهرة فيقولون لا إله إلا الله.
فالله بيده كل شيء، والأقوياء والأشرار عصيُ بيد الله، ينتقم بها، ثم ينتقم منها، ويسلطها على من أراد تربيته أو عقوبته إن عصاه، كما سلط الله فرعون على بني إسرائيل حين عصوا، ثم انتقم منه.
فالخلق خلقه، والأمر أمره والملك ملكه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
***
مختارات

