الخزانة الثالثة..
ومن مخلوقات الله العظيمة الدالة على وحدانيته، وكمال قدرته، المكان والزمان، والمكان والزمان ظرفان مخلوقان، فالمكان ظرف للأجسام، والزمان ظرف للأعمال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
والمكان هو الفضاء والحيز وجهاته ست:
١ - الفوق.
٢ - والتحت.
٣ - والأمام.
٤ - والخلف.
٥ - واليمين.
٦ - والشمال.
والزمان هو المدة التي تحصل فيها الأعمال كالصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، واليوم والشهر والسنة، وتحصل فيهما الأعمال القولية والفعلية، والقبلية والبعدية، والزمان ليل ونهار، يتعاقبان على الأرض كلها.
والمكان أربعة أقسام:
١ - السموات.
٢ - والأرض.
٣ - والفضاء.
٤ - والبحار.
والزمان سبعة أيام، واليوم أربعة وعشرون ساعة، والشهر ثلاثون يوماُ، والسنة أثنا عشر شهرًا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
وقد بعث الله الأنبياء والرسل يأمرون الناس بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والمجوس هم الزنادقة الذين قالوا لهذا العالم إلهان، أحدهما فاعل الخير، والثاني فاعل الشر، فعندهم الله فاعل الخير، وإبليس فاعل الشر، والله وإبليس أخوان، نعوذ بالله العظيم من هذا القول والافتراء العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
ويقولون عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين، فالله خالق الخير والنور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الشر والظلام والسباع والحيات والعقارب تعالى الله عما يقولون علواً كبيرًا: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾ [الأنعام: ١٠٠].
سبحانه أن يكون له شريك أو مثيل، أو أن يحتاج إلى أحد بل كل أحد محتاج إليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
واليهود والنصارى أثبتوا لله البنين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].
ومشركوا العرب أثبتوا لله البنات، وقالوا الملائكة بنات الله.
والمجوس أثبتوا لله شريكاً وهو إبليس الذي يزعمون أنه إله الشر: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١].
فلا إله إلا الله ما أحلم الله على على الكفار والمشركين:﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فنعوذ بالله من القول على الله بغير علم، ونعوذ بالله من شرك المشركين، وكفر الكافرين، وظلم الظالمين، وجهل الجاهلين، والحمد لله على نعمة التوحيد والإيمان: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
• سر العبودية:
خلق الله الإنسان ضعيفاً، ليتوجه دائماً إلى القوي،ويستفيد من قوته: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
وخلق الله الإنسان فقيراً ليقف دائماً بباب الغني، ليكرمه من فضله، فكل إنسان إما عابدٌ لله، أو عابدٌ لعبد لله من حجرٍ أو شجرٍ أو صنمٍ أو شمسٍ أو قمر: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
فالمؤمن عابدٌ لله وحده، وكل ما سواه من كافر أو مشرك عابدٌ لعبد الله من الأصنام والأوثان التي لا تملك لنفسها ولا لغيرها ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
وكل من وحَّد الله فهو أعقل العقلاء، وكل من أشرك بالله فهو أسفه السفهاء: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠].
وكل من دعا مع الله غيره فهو مشرك: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
وحقيقة شرك المشركين، أنهم يشعرون أنهم مذنبون، فاتخذوا الأصنام من أحجارٍ وأشجارٍ وسائط تشفع لهم عند الله، لأنها لا ذنوب لها، فيطلبون منها الشفاعة عند الله كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣].
فحقيقة الشرك طلب التوسط والشفاعة، لا أنهم يعتقدون أن حجراً أو شجراً، أو شمساً أو قمراً، أو حياً أو ميتاً، يشارك الرب في الخلق والتدبير والتصريف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥].
وكذا كانوا يعبدون تلك الأصنام، لأنه ليس لها أمرٌ ولا نهيٌ، وليس لها منهج تأمر الناس به، وليس عندها ثوابٌ لمن أطاعها ولا عقابٌ لمن عصاها وفي الحقيقة أنهم كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
بل الحقيقة أنهم يعبدون الشيطان بطاعته في معصية الله،واتباع أهوائهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقد غرَّ الشيطان أكثر الخلق وصرفهم من التوحيد وفطرة الله التي فطر الناس عليها إلى الشرك: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
***
مختارات

