الخزانة الرابعة..
فقه الدعوة إلى الله:
الدعوة إلى الله أعظم الأعمال بعد الإيمان بالله، فيجب علينا إيجاد الساجد قبل بناء المساجد، وإخراج الأبرار من الفُجّار، وأهل التقوى من أهل الفجور، والدنيا يصلحها اتباع الهدى، وترك الهوى، ويفسدها اتباع الهوى، وترك الهدى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣].
والدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
لأن جهد الدعوة لمصلحتي أنا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
أما فرض الكفاية: كتغسيل الميت، والصلاة عليه، فهو من أجل غيري.
والدعوة إلى الله تقوم على أربعة أصول:
الأول: بيان قدرة الله ﷿، والاستفادة من قدرة الله بامتثال أوامره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
الثاني: بيان قصص الأنبياء والرسل للاقتداء بهم في دعوتهم، وتوحيدهم، وإيمانهم، وأخلاقهم، لأنهم قدوة للخلق: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الثالث: بيان التأييدات الغيبية للصحابة ﵃، لأنهم قدوة لنا: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
الرابع: بيان الإيمان، وعلاماته، وأركانه، وشُعَبِه،ليكمل الإيمان في حياتنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فهذه الأسباب تقوي الإيمان في القلوب، وإذا زاد الإيمان قويت الأعمال، وإذا زاد الإيمان، وقويت الأعمال، فاز العبد برضوان الله والجنة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وهذا الكون العظيم بحرٌ من الأدلة على وحدانية الله، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، ومشحونٌ بالبراهين الدالة على عظمة جلال الله وجماله، وكمال قدرته، وسعة علمه ورحمته: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
ببصرك ترى السماء والأرض، وببصيرتك ترى خالق السماوات والأرض، ببصرك ترى الجبال والبحار، وببصيرتك ترى الخالق الذي خلق الجبال والبحار، ببصرك ترى الأرزاق والنعم، وببصيرتك ترى الرزاق الذي خلق الأرزاق والنعم، ببصرك ترى الملوك والحكام،وببصيرتك ترى الذي ملَّكهم المُلك: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
بالبصر ترى المخلوقات والأشياء، وبالبصيرة ترى الخالق الذي خلقها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
كل سكران بحب الدنيا، وكل سكران بعبادة الهوى، وكل سكران بعبادة الشهوات؛ لا يمكن له ان يعرف ربه، ويعبده بالحب والتعظيم والذل له حتى يطهّر قلبه من هذه الحجب، والموانع، والعوائق، ثم يزكيها بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وكلُّ الناس في كلِّ صباح يُنفّذ صفقةً مع الرحمن أو مع الشيطان، وهو في ذلك إما رابحٌ أو خاسرٌ: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال النبي ﷺ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدو، فَبائعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُها أَوْ مُوبِقُها» أخرجه مسلم.
أيها المسلم اقرأ أكثر تعرف ربك أكثر، تتعلم أكثر، تُكرِم أكثر، تتقي الله أكثر، تقوى أكثر، تُكبّر الله أكثر،تحب الله أكثر: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
أيها المسلم اقرأ القرآن قراءة البحث والعِرفان، وقراءة الشكر والعرفان، وقراءة التسليم والإذعان، تزداد إيمانا وهداية وتقوى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وابتلاءات الله لعباده نوعان:
الأول: ابتلاءات كبيرة؛ كابتلاءات الأنبياء كابتلاء أيوب بالمرض، وابتلاء يونس في البحر، وابتلاء إبراهيم بالنار وذبح الولد، وابتلاء محمد ﵌ بأذى قومه له،فصبر حتى أظهره الله عليهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
قال النبي ﷺ: «أشدُّ النَّاسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ يُبتَلى الرَجُلُ على حسَبِ دِينِه».
أخرجهالترمذي الثاني: ابتلاءات صغرى؛ كالابتلاء بالأموال والأولاد، وحب الشهوات، والأمراض، ونحو ذلك من الفتن والابتلاءات التي يُبتلى بها الخلق، كما قال ﷾:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
ومن علم الله من قلبه حُبَّ الحق هداه إليه، ومن علم منه عدم حُبِّ الحق تركه وما اختار: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
والعلم شيء، والمعرفة درجةٌ فوق العلم، وبها يرى ويعرف الإنسان حلاوة العلم ماثلًا بين عينيه.
وحُجُب الشهوات والمعاصي تمنع القلب من رؤية الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، فالله قريبٌ شهيدٌ لكل شيء: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩].
ومن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله بقلبه، وطهَّر قلبه من كل مخلوق، وأقبل على الطاعات الظاهرة والباطنة، واجتنب المعاصي القلبية والبدنية؛ رأى ربه حقًا، كما قال الله ﷿ عن الكفار: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
والله ﷿ أكرم عباده بكرامتين، هما:
الماء الذي به صلاح الأرض، والوحي الذي به صلاح القلوب؛ فالماء مخلوق عظيم، جعله الله سببًا للحياة، وهو مخلوقٌ حرُّ الحركة، سائلٌ شفافٌ لزجٌ، سريع الانتشار،.
منضبط الحرارة الكامنة فيه؛ فالنبات تسعون بالمائة منه ماء، والإنسان والحيوان سبعون بالمائة منه ماء، وكل قطرة من الماء مغلَّفة بغلاف يحفظها، وقطرات الماء متآلفة فيما بينها عند تجمعها أو سيرها، ويصعد الماء إلى أعلى، وينزل إلى الأسفل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
إذا كان الله ﷿ معك فكل ما سواه معك، وإذا كان الله عليك فكل ما سوى الله عليك، لأن الله ﷿ له جنود السماوات والأرض، ينصر بها من يشاء، ويخذل بها من يشاء، وإذا أحبك الله هداك إلى الحكمة، وألقى محبتك في قلوب الخلق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
وإذا أبغضك الله سلَّط الله عليك ما يشقيك، وألقى بُغضك في قلوب الخلق: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله تُخرجك من سجن وجودك الى حلاوة شهود ربك، والأُنس بقربه، وعلم الله واسعٌ لا يحيط به أحد، ورحمة الله واسعة:﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وليس عند العرش، ولا الكرسي، ولا اللوح المحفوظ، ولا أم الكتاب، ولا غير ذلك قابليةً أن يستوعب حدثًا واحدًا من علم الله إلا بمقدار ما هو مُهيَّأ له من علم:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقدرة الله ﷿ واسعة، لا يحيط بها أحد، ورحمة الله واسعة لا يحيط بها أحد، ومغفرة الله واسعة لا يحيط بها أحد، وبصر الله واسع أحاط بكل شيء؛ فلو فتحنا ثقبًا صغيرًا في جدار غرفة ورأينا قلمًا يتحرك بالكتابة، وإذا فتحنا ثقبًا أوسع لرأينا اليد التي تحرك القلم، وإذا فتحنا الباب كله لرأينا الإنسان الذي يحرك اليد بالقلم، وإذا نظرنا إلى الكون العظيم لرأينا الرب العظيم الذي يدبِّر جميع المخلوقات بالتحريك، والتسكين، والحياة، والموت، والعطاء، والمنع: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
خطابات الله للبشر:
إذا خاطب الله الناس في القرآن بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو يريد منهم أن يؤمنوا به.
وإذا خاطبهم بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو يريد منهم أن يطيعوا من آمنوا به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وإذا خاطبهم بـ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ فهو يريد منهم أن يقتدوا بأبيهم آدم ﵌، وغيره من الأنبياء والرسل من أولاده.
أقسام العقول:
عقول الناس ثلاثة أقسام:
عقول كبيرة.
وعقول متوسطة.
وعقول صغيرة.
فالعقول الصغيرة: تفكر في الأشياء الصغيرة، وهي التي تعيش في عالم الأشخاص، ماذا قالوا؟ وماذا فعلوا؟
والعقول المتوسطة: هي التي تعيش في عالم الأشياء من التجارة والزراعة والصناعة.
والعقول الكبيرة: هي التي تعيش في عالم الأفكار الكبيرة، وأعظم الأفكار، وأكبر الأفكار: كيف يحيا الدين في حياتي، وحياة الناس؟ وبهذا بعث الله الأنبياء والرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وأَعرف الخلق بالله أشدهم تعظيمًا له، وأشدهم حبًا له، وأشدهم حياءً منه، وأكثرهم استغفاراً له، وأعظم خشية له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
إن مثل العالم بالله بين الناس كمثل القمر بين الكواكب، ومثل العالم في البلد كمثل عينٍ عذبةٍ في البلد، تسقي الزروع والأشجار، والإنسان والحيوان، والعلم في الصدر كالمصباح في القصر، وكل حكمةٍ من أخيك خيرٌ لك من مالٍ يعطيك؛ لأن المال يُطغيك،والحكمة تهديك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله عزوجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
ومن عُرِفَ بالحكمة لاحظته العيون بالوقار والهيبة، ومن اتخذ العلم إمامًا اتخذه الناس إمامًا، والعالم بالله ﷿ كمثل الغيث أينما حلَّ نفع، وما عُبِدَ الله بمثل العلم والفقه في الدين: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
والعلم الإلهي هو الذي يورثُ خشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
والأقوات ثلاثة:
قوت الأبدان: الطعام والشراب
وقوت العقول: العلوم والحِكَم
وقوت القلوب: التذكير والوعظ الذي يثمر حب الله وتعظيمه وعبادته.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
***
مختارات

