الخزانة السادسة..
• دلائل وحدانية الله ﷿:
الله ﷿ خلق جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي، وفي عالم الغيب وعالم الشهادة، وفي الدنيا والآخرة، خلق جميع هذه المخلوقات شاهدة بوحدانيته، ومسبحة بحمده، وخاضعة لأمره، ومستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته، سبحانه هو الله الواحد القهار، ودلائل وحدانية الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، ففي كل ذرة، وفي كل كبير، وكل صغير، دليلٌ على وحدانية الله، ودليل على جمال وجلال أسمائه وصفاته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
ودلائل وحدانية الله بينها الله ﷿ في الكون المنظور، والقرآن المسطور، وهذه الدلائل تدل على وجود الله أولًا، وعلى توحيده ثانيًا، وعلى تنزيهه عن الأنداد والأصنام،والمثيل والشبيه ثالثًا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
وقد ذكر الله ﷿ في هذه الآية العظيمة ثمانية دلائل على وحدانية الله ﷻ:
الأول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
خلق السماوات العظيمة وأعدادها وأفلاكها، وشمسها وقمرها ونجومها، وجريانها في الفلك واختلاف ألوانها وأحجامها ونورها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦].
الثاني: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
خلق الأرض وأعدادها واختلاف أشكالها وألوانها وسهولها وجبالها وبحارها وأنهارها ومعادنها وحيواناتها:﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثالث: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
اختلاف الليل والنهار، والذهاب والمجيء، والطول والقصر، والزيادة والنقصان، والظلام والنور والحرارة والبرودة،والمكان والزمان: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
الرابع: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
ففلك السماء اسم لأجواف سبعة، تجري فيها الكواكب، وفلك البحر السفينة سميت فلكًا، لأنها تدور في الماء أسهل دوران، وتحمل الناس والبضائع من بلد إلى بلد، وتجري في البحر كما تجري النجوم في الفضاء.
والبحور التي خلقها الله في الأرض كثيرة، أكبرها المحيط الأطلسي، والمحيط الهادي، والمحيط الهندي، والمحيط المتجمد الشمالي، والمحيط المتجمد الجنوبي، ولها خلجان وبحور وبحيرات وطول وعرض وتصب فيها أنهار ومخلوقات لا يحصيها إلا الله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
الخامس: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية: ٥].
فنزول الماء من السماء آية، وجريانه في الأنهار آية، وحصول النباتات والزروع بسببه آية، وحياة الإنسان والبهائم به آية،وحلاوته ومرارته آية: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
السادس: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤].
فكل ما يدب على وجه الأرض من أنواع الأحياء من الآدميين، والحيوانات، والطيور، والحشرات وغيرها تدل على وحدانية الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
السابع: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
فتصريف الرياح آية، وإرسالها آية، وقوتها وضعفها آية، ونفع الإنسان والحيوان والنبات بها آية.
الثامن: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
فهذا السحاب فيه آيات عظيمة متكررة، هذا السحاب المسخر بين السماء والأرض الذي يسير في الفضاء يحمل الماء، ويسقي الخلق في أماكنهم بمقدار.
فهذه الآيات الثمان العظيمة تدل على وحدانية الله، وعلى كمال قدرته على الخلق والإتقان، وتدل على وحدانية الله ووجوب حمده وشكره وعبادته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
• فقه كلمة التوحيد:
في تقديم النفي على الإثبات في كلمة التوحيد، "أشهد أن لا اله إلا الله" حكم وأسرار:
الحكمة الأولى: أن نفي الربوبية عن غير الله، ثم إثباتها لله وحده لا شريك له آكد في الإثبات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الثانية: أن لكل إنسان قلبًا واحداً لا يتسع لشيئين مرة واحدة، فإذا شغل بواحد لن يتسع للثاني، فلا اله إلا الله، (لا إله) إخراج لكل ما سوى الله من القلب، فإذا خلا عن كل ما سوى الله، ثم حضر فيه سلطان (إلا الله)، أشرق نوره وكمل لمعانه في القلب.
الثالثة: كما أن الطهارة مقدمة على الصلاة، والاستعاذة مقدمة على تلاوة القرآن، ونظافة البيت مقدمة على استقبال الضيف، فكذا لا إله لتنظيف القلب من غير الله، وإلا الله، جلاء الأنوار عن حضرة الملك الجبار، فالأول انفصال عما سوى الحق، والثاني اتصال بالحق، ورؤية الحق:﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والناس في قول هذه الكلمة (أشهد أن لا اله إلا الله) مراتب وطبقات:
فأدناها: من قال لا إله إلا الله بلسانه، فهذا يحقن دمه، ويحرز ماله، وهذه درجة يشترك فيها المؤمن والمنافق، فمن نطق بهذه الكلمة نال بركتها، فإن طلب بها الدنيا نال بها الأمن والسلامة، وإن قصد بها الآخرة جمع بين الحظين، وأحرز بها السعادة في الدارين.
الطبقة الثانية: هي القول باللسان مع الاعتقاد بالقلب على سبيل التقليد لا العلم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
الطبقة الثالثة: الذين ضموا إلى الاعتقاد بالقلب معرفة الدلائل الإقناعية، لكن لم يبلغوا درجة اليقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
الطبقة الرابعة: الذين أكدوا تلك العقائد بالدلائل القطعية، إلا أنهم لم يكونوا من أرباب المشاهدات، ولا من أصحاب التجلي، فإن أعلى مقامات العبد بين يدي ربه أن يعبد الله كأنه يراهن، فإن لم يكن يراه فإنه يراه.
وهؤلاء قلة في الخلق، كما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإحسان فقال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
متفق عليه.
الطبقة الخامسة: أصحاب المجاهدات والمكاشفات، وعوالم المكاشفات لا نهاية لها، لأنها عبارة عن سفر العقل في مقامات جلال الله، ومدارج عظمته، وعظيم كبريائه، فهؤلاء كلما أظلمت عليهم سماء القلوب بسحاب الشهوات، سنح فيها لوائح الكشف والقرب، فرأت ربها بنوره الذي أشرقت له الظلمات، وتوالت عليها أنوار التجلي من غير انقطاع.
والقلب إذا امتلأ بأنوار التجلي استمر نهاره، وأشرقت أنواره: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
فهذه القلوب ترى ربها ببصائرها متجليًا بعظمته وجلاله وكبريائه، تراه ربًا عظيما له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وهذا المقام أعلى مقامات العلماء الربانيين، فلما كان في نهاية العلو كان الفتور فيه من أعظم الذنوب، وأصحابه أقل الناس في الناس، فدأبهم دوام الاستغفار، لمعرفتهم بالعظيم الجبار، وما يجب له، ورؤية تقصيرهم في العلم والعمل الذي لا يغسله إلا الاستغفار: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ولهذا كان النبي ﷺ يستغفر الله في المجلس الواحد سبعين مرة، وفي رواية «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» أخرجه مسلم.
• كلمة التوحيد معرفة إقرار وتسليم وإذعان.
البر هو التوحيد، فمن توجه إلى كعبة التوحيد، فهو من أهل التوحيد، ومن توجه إلى الجهات الأخرى، وانشغل بها عن ربه، فليس من أهل التوحيد: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
فلا إله إلا الله أفضل الأذكار، وافضل الأدعية، وأفضل الأعمال، وهي مفزع الخلق كلهم، فالعدو لما جاءته المحنة، فزع إلى هذا الذكر، والولي لما جاءته المحنة فزع إلى هذا الذكر، أما العدو فهو فرعون لما قارب الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠].
فقال الله ﷿: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١].
فلم يقبل إيمانه، لأنه في غير وقته، أما الولي فهو يونس ﷺحيث قالها في الظلمات، في ظلمة البحر، في ظلمة الليل،وفي ظلمة بطن الحوت: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
فاستجاب الله ليونس ﷺ لسبق معرفته بلا إله إلا الله، ولم يقبل من فرعون لعدم سبق معرفته بها، وعدم اعتقادها، وفرعون قالها لا للعبودية، بل لخلاص نفسه من الغرق، وأما يونس فقد قالها انكسارًا لربه، واعتذاراً إليه.
***
مختارات

