الخزانة العاشرة..
• ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر:
الله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو القادر على كل شيء، العليم بكل شيء: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
أما الإنسان فضعيف يجزع، وتستخفه الأمور والأحداث، حين ينفصل بذاته عن هذا الكون الكبير وما فيه، ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض، يصادم وجوده الصغير، وذلك لجهله بالله، وبملكه وسلطانه.
فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به، وتمر بغيره، والأرض كلها بما فيها من الذرات، وأن هذه الذرات كائنة في موضعها، في الصنع الكامل الدقيق، لازم بعضها البعض، وأن ذلك كله مقدر مرسوم، معلوم في علم الله المكنون: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
وأفعال الله ﷿ كلها مقرونة بالحكمة المطلقة، المقرونة بالخير المطلق، وحين يستقر هذا في تصور الإنسان وشعوره، فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء، لإيمانه بربه، ومعرفته بأسمائه وصفاته، فلا يأسى العبد على واقعة أسىً يؤلمه ويزلزله، ولا يفرح بحاصل فرحًا يستخفه ويذهله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
ولكن يمضي المؤمن مع قدر الله في طواعية ورضا، رضا العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي ويجب أن يكون، والله ﷿ لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهذه درجة عالية قد لا يستطيعها ولا يصل إليها إلا القليلون من البشر ممن رزقهم الله ﷿ كمال الإيمان، وكمال اليقين.
فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم أن لا يخرجهم الألم للضراء، ولا الفرح بالسراء، عن دائرة التوجه إلى الله وذكره بهذه وبتلك.
ولن يجد أحد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما كان لا بد أن يكون: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
ومن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه، ويفعل ما أمره الله به، فهو حسبه وكافيه، لأنه الغني القوي العزيز، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخير طلب العبد إلى الوقت المناسب.
فأمر الله لا بد من نفوذه، ولكن له وقت مقدر لا يتعداه،ولا يقصر عنه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق/ ٢ - ٣].
فالله ﷿ له الخلق والأمر وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالخلق قضاؤه وقدره وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جارية على خلقه قدرًا وشرعًا، ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري، وأما حكمه الديني الشرعي، فيطيعه الأبرار، ويعصيه الفجار: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وفائدة الإيمان بالقضاء والقدر عظيمة جدًّا؛ لأن الإنسان إذا علم أن الشيء لا بد أن يقع كما أمر الله استراح واطمأن، وكان دائمًا في سرورًا وانشراح؛ لأنه يعلم أن كل ما أصابه من الله، وأن الله أرحم بالعبد من نفسه، فإذا أصيب بضراء صبر، وقال: هذا من عند الله، وانتظر الفرج من الله، ولجأ إلى الله في كشف هذه الضراء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وإن أصيب بسراء شكر، وقال: هذا من عند الله، وعلم أن ذلك لم يكن بحوله وقوته، ولكن بفضل الله ورحمته:﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والإيمان بالقضاء والقدر هو مصدر الراحة والطمأنينة والسعادة لكل مسلم، فالمؤمن يعلم أن كل شيء بقدر الله، فلا يعُجب بنفسه عند حصول مراده، ولا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه؛ لأنه يعلم أن ذلك كله بقدر الله، وهو كائن لا محالة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ» أخرجه الإمام مسلم.
وقال رسول الله ﷺ: «عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَصَبَرَ، فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ حَتَّى يُؤْجَرَ فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ»أخرجه أحمد وعبد الرزاق بسند حسن.
• وبهذا تمت بفضل الله أركان الإيمان الستة، وهى:
١ - الإيمان بالله.
٢ - الإيمان بالملائكة
٣ - الإيمان بالكتب
٤ - الإيمان بالرسل
٥ - الإيمان باليوم الآخر
٦ - الإيمان بالقدر خيره وشره.
وكل ركن منها يثمر للمؤمن ثمرات نافعة، لا حد لها في الدنيا والآخرة.
• ثمرات الإيمان بأركان الإيمان:
الأول: الإيمان بالله ﷿ يثمر توحيد الله، والتوجه إليه في كل حال، والتوكل عليه في كل أمر، وعدم الالتفات إلى غيره، ويثمر محبة الله وتعظيمه، وشكره، وحمده، وعبادته، وطاعته، وخشيته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
الثاني: الإيمان بالملائكة يثمر محبة الملائكة على ما يقومون به من عبادة الله تعالى، والدعاء والاستغفار للمؤمنين، وحمد الله وشكره على عنايته ببني آدم، حيث وكل من الملائكة من يقوم بحفظهم، ونصرتهم، وكتابة أعمالهم،والدعاء لهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
والعلم بعظمة الله تعالى، وقدرته، وقوته، وحكمته، ورحمته، فقد خلق الملائكة الذين لا يعلم عددهم إلا الله، وجعل منهم حملة العرش، الواحد منهم مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة، فكيف بعظمة العرش العظيم؟ وكيف بعظمة من فوق العرش؟.
فسبحان من له الملك كله، والخلق كله، والأمر كله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٧].
الثالث والرابع: الإيمان بالكتب والرسل يثمر قوة الإيمان بالله، ومحبة الله، وشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومعرفة شرائع الله، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه الله وما يسخطه، ومعرفة أحوال الدار الآخرة، ومحبة رسل الله، وطاعتهم، والاقتداء بهم في نياتهم، وأقوالهم، وأعمالهم،وأخلاقهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الخامس: الإيمان باليوم الآخر يثمر معرفة قدرة الله، وعظمة ملكه وسلطانه، والرغبة في فعل الطاعات والخيرات، واجتناب المعاصي والمنكرات، وحسن الاستعداد ليوم المعاد: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
السادس: الإيمان بالقدر يثمر طمأنينة النفس، وسكونها، ورضاها بما قدر الله العزيز الرحيم.
وإذا تحقق الإيمان بأركانه الستة في حياة المسلم، أحياه الله حياة طيبة في الدنيا، وكان مؤهلًا في الأخرة لدخول الجنة، والنجاة من النار، وذلك لا يتم إلا بطاعة الله ورسوله في كل شيء، وذلك فضل الله وحده لا شريك له: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].
***
مختارات

