الخزانة التاسعة..
حكمة القدير في القدر:
إن كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون العظيم مخلوقة للرب بقدر، مدبرة بحكمة، فلا شيء جزاف، ولا شيء عبث، ولا شيء مصادفة، ولا شيء ارتجال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
قدر من الله يحدد وجود هذا المخلوق، وقدر يحدد حقيقته، وقدر يحدد صفته، وقدر يحدد وظيفته، وقدر يحدد مقداره، وقدر يحدد عمره، وقدر يحدد مكانه، وقدر يحدد زمانه، وقدر يحدد ارتباطه بما حوله من الأشياء، وقدر يحدد تأثيره في كيان هذا الوجود العظيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
فسبحان ربك الحكيم العليم الذي قدر كل شيء، قدر في كل شيء من مخلوقاته قدر يحدد الأبعاد بين النجوم والكواكب، وأحجام المخلوقات وكتلها، وألوانها وصورها، ونموها وتكاثرها، وسيرها وحركتها: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
قدر يحدد وضع الأرض التي نعيش عليها، لتكون صالحة لنوع الحياة التي قدر الله أن نكون فيها، فحجم هذه الأرض، وبعدها عن الشمس، وكتلة الشمس، ودرجة حرارتها، وميل الأرض على محورها بهذا القدر، ودورة الفَلك، وبُعد الشمس والقمر عن الأرض، وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض، ومهاب الرياح على هذه الأرض، واختلاف الفصول على هذه الأرض، إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديرًا دقيقًا، لو وقع الاختلال في أي منها لتبدل كل شيء: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
فسبحان العليم القدير الذي قدر هذه المقادير والأقدار:﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
والنسبة بين عوامل الحياة والبقاء، وعوامل الموت والفناء، في البيئة وفي طبيعة الأحياء من نبات، وحيوان، وإنسان،محفوظة دائمًا بالقدر الذي يسمح بنشأة الحياة وبقائها وامتدادها وانضباطها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فمثلًا الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد، قليلة التفريخ، ولا تعيش إلا في مناطق محدودة، وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار، ولو كانت مع عمرها الطويل كثيرة الفراخ تستطيع الحياة في كل موطن، لقضت على صغار الطيور وأفنتها على كثرتها، وكثرة تفريخها، أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة لطعام هذه الجوارح، وسواها من بني آدم، وللقيام بأدوارها الأخرى في هذه الأرض.
فسبحان من خلق كل شيء وقدره تقديرًا: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠].
وهكذا الماء موزون بأمر الله لو طغى لأفسد الأرض، ولو نقص لاختلت الحياة، ومات الأحياء من نبات وحيوان وإنسان: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
فلا إله الا الله، ما أعظم نعمه التي نسيها أكثر الخلق: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠].
وكذلك الهواء موزون بأمر الله، لو زاد وصار عواصف قوية لدمر كل شيء، وما استطاع أن يعيش حي، ولو نقص لاختل وضع الحياة والأحياء: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧].
فقدر الله عام شامل لجميع المخلوقات، وكل ما خلقه الله في هذا الكون من المخلوقات وما يجري فيه من الأحوال، من الحركات والسكنات، والحياة والموت، والتغيير والتدبير.
كل ذلك كائن بقدر الله القوي العزيز، تقديرًا في الزمان، وتقديرًا في المكان، وتقديرًا في المقدار، وتقديرًا في الأشكال،وتناسق مطلق بين جميع الكائنات والأحوال فسبحان الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
والله ﷿ هو الملك الحق، الذي خلق الخلائق، وقدر المقادير، وكون الكائنات: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فخلق كل شيء بقدر، وله حكمة معلومة للبشر، أو مطوية عنهم، فزواج يعقوب ﷺ من امرأة أخرى، هي أم يوسف وبنيامين، لم يكن حادثًا عارضًا، إنما كان قدرًا مقدورًا، ليحسد إخوة يوسف من غير أمه يوسف، ويأخذوه ويلقوه في الجُب، ليلتقطه بعض السيارة ثم يباع في مصر، لينشأ في قصر العزيز، لتراوده امرأة العزيز عن نفسه، ليستعلي على الإغراء، ليلقى في السجن، لماذا؟.
ليلتقي في السجن مع خادمي الملك، ليفسر لهم الرؤيا، لماذا يتعذب يوسف هذا العذاب؟، ولماذا يتعذب يعقوب بفقد ابنه حتى عمي بصره؟، ولماذا يسام يوسف الطيب الزكي كل هذه الآلام والمتاعب؟، لماذا يمضي في هذا العذاب أكثر من ربع قرن؟؛ لأن الله يُعدَّه ليتولى أمر مصر وشعبها والشعوب المجاورة في سني القحط السبع، ثم ماذا؟ ليستقدم أبويه وإخوته إلى مصر، ليكون من نسلهم شعب بني إسرائيل، ليضطهدهم فرعون، لينشأ من بينهم موسى ﷺ، وما صاحب حياته من تقدير وتدبير وظهور آيات الله التي غيرت مجرى العالم كله، وتغير بعد ذلك ملك فرعون، وأورث الله بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها.
وزواج إبراهيم ﷺ جد يعقوب من هاجر المصرية بنت ملك المنوفية، لم يكن ذلك حادثًا شخصيًا عارضًا، إنما كان وما سبق في حياة إبراهيم ﷺ من أحداث، أدت إلى مغادرته موطنه في العراق، ومروره بمصر ليأخذ منها هاجر، لتلد له إسماعيل، ليسكن إسماعيل وأمه عند البيت المحرم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
لماذا؟ ليبلغ إسماعيل، ثم يتزوج ليكون من نسله محمد ﷺ، ليكون من ذلك كله ذلك الحديث الأكبر، ببعثة محمد ﷺرسولًا إلى البشرية كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
إن قَدر الله وراء طرف الخيط البعيد لكل حادث، ولكل نشأة، ولكل مصير، ووراء كل نقطة، وكل خطوة، وكل تبديل، أو تغيير في هذا الكون العظيم، إنه قدر الله النافذ الشامل، الدقيق العميق.
ولكن البشر أحيانًا يرون طرف الخيط القريب، ولا يرون طرفه البعيد، فلله حكمة في كل ما خلقه ودبره، وأحيانًا يتطاول الزمن بين البدء والمصير في عمرهم القصير، فتخفى عليهم حكمة التدبير والتصريف من الحكيم الخبير:﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فيستعجل الخلق ويقترحون، وقد يسخطون أو يتطاولون،والله ﵎ يعلمهم في القرآن أن كل شيء بقدر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
يعلمهم ليسلموا الأمر إلى صاحب الأمر، وتطمئن قلوبهم به، وتستريح إلى أقداره الحكيمة، ويسيروا مع قدر الله في توافق وتناسق، وفي أنس بصحبة القدر الذي قدره المولى الكريم الرحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
ومع التقدير والتدبير القدرة الإلهية التي تفعل أعظم الأحداث، بأيسر الإشارات: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠].
وبأيسر الكلمات: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
إنها إشارة واحدة، أو كلمة واحدة من الرب ﷻ، يتم بها كل أمر، الجليل والصغير سواء، وليس هناك كبير ولا صغير أمام قدرة الله، فهو الكبير وحده، وما سواه كله صغير، وهو الغني وحده وما سواه كله فقير، وهو الخالق وحده وكل ما سواه مخلوق له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والصغير والكبير من تقدير البشر، لا من تقدير الخالق، وليس هناك زمن ولا ما يعادل لمح البصر، إنما هو تشبيه لتقريب الأمر إلى حس البشر، فالزمن إن هو إلا تصور بشري، ولا وجود له في حساب الله المطلق من هذه التصورات المحدودة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فسبحان الملك الجبار، الواحد القهار، الخالق الباري، الذي يخلق ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء بكلمة واحدة: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠].
واحدة تنشي هذا الوجود العظيم الهائل، وواحدة أخرى تبدل فيه وتغير، وواحدة تذهب به كما يشاء الله، وواحدة تحيي كل حي، وواحدة تذهب به هنا وهناك، وواحدة ترده إلى الموت، وواحدة تبعثه في صورة من الصور، وواحدة تصعق الخلائق جميعًا، وواحدة تبعثهم جميعًا، وواحدة تجمعهم يوم الحشر والحساب، وواحدة لا تحتاج إلى جهد ولا تحتاج إلى زمن، واحدة من الرب العظيم تفعل كل شيء ومعها التقدير، وكل أمر معها مقدرًا ميسور: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
بواحدة كان خلق السموات والأرض، وبواحدة كان هلاك المكذبين على مدار القرون، قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، وقوم شعيب، فهل من يتذكر ويعتبر؟.
قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وكل حدث وكل عمل، وكل تدمير، مكتوب مرقوم: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥١ - ٥٣]
فما أعظم الله، وما أعظم قدرته، وما أوسع ملكه، وما أشمل تدبيره، وما أعظم بطشه بمن عصاه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]
الله ﷿ هو الذي خلق الخلق، وهو الذي يدبر الأمر في السموات والأرض، ولا يشغله شأن عن شأن، ينفذ أقداره وتدبيره في خلقه، في أوقاتها التي اقتضتها حكمته: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
فهذا الكون الكبير، وهذا الخلق العظيم، الذي لا تُعرف له حدود، ما نبصره وما لا نبصره، العالم العلوي، والعالم السفلي، عالم الغيب والشهادة، عالم الدنيا وعالم الآخرة، كلُ منوط بقدر الله سبحانه، متعلق بمشيئته وهو قائمُ بتدبيره سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وهذا التدبير العظيم، يتناول الوجود كله جملة، ويتناول كل فرد فيه على حدة، ويتناول كل عضو، ويتناول كل خلية، ويتناول كل ذرة، ويعطي كل شيء خلقه، كما يعطيه وظيفته: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
ثم يراقبه الرقيب وهو يؤدي وظيفته في مُلكه العظيم:﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ [الأحزاب: ٥٢].
هذا التدبير والتصريف، وهذه المراقبة والمتابعة، التي تتبع كل ما ينبت وما يسقط من ورقة وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض، وكل رطب ويابس، وكل حيوان وطائر، تدبير عظيم شامل، يتبع الطيور في جوها، ويتبع الأسماك في بحارها، ويتبع الحيوانات في أرضها، ويتبع الديدان في مساربها، ويتبع الحشرات في مخابئها، ويتبع الوحوش في غاباتها.
ويتبع كل بيضة، وكل فرخ، وكل جناح، وكل ريشة، وكل خلية في جسم حي، وصاحب الخلق والتدبير والتصريف لا يشغله شأن عن شأن، ولا يند عن علمه ظاهر ولا خاف،ولا يشغله المسموع عن المُبصر: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦].
ومن هذا شأن العباد وأعمالهم، من ملائكة في السماء، ومن إنس و جن في الأرض، يسمع سبحانه كلامهم، ويبصر أفعالهم، ويعلم أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم.
فسبحان من خلق هذه الخلائق العظيمة، وتولى أمرها بالتدبير والتصريف، وأحاط بها كلها، فلا يخفى عليه شيء منها: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
إن هذا الكون العظيم من الدقة والتدبير، بحيث لا يقع فيه شيء إلا وهو مقرر قبل خلقه محسوب زمانه، وزمان وقوعه، ومكان حدوثه، وحجم ذلك الحدث، لا مكان فيه للمصادفة، ولا شيء فيه جزاف: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
وقبل خلق الأرض، وقبل خلق الأنفس، كان في علم الله الشامل الكامل الدقيق، كل حدث سيظهر للخلائق في وقته المقدور: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وقال النبي ﷺ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيْرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ»أخرجه مسلم.
والله ﷿ بكل شيء عليم، وفي علم الله لا شيء ماض، ولا شيء حاضر، ولا شيء قادم، فتلك الفواصل الزمنية مخلوقة، إنما هي معالم لنا نحن أبناء الفناء، نرى بها حدود الأشياء، فنحن لا ندرك الأشياء بغير حدود تميزها، حدودًا من الزمان، وحدودًا من المكان، وحدودًا من الأحجام،فتبارك الله رب العالمين: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فالله سبحانه كامل الذات والصفات، وهو الحق الذي يطلع جملة على هذا الوجود بلا حدود ولا قيود ولا يند عنه شيء.
وهو الحق ﷻ، الذي يطلع جملة على ما في هذا الوجود العظيم بلا حدود ولا قيود، ولا يند عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]
وهذا الكون وما يقع فيه من أحداث، وأطوار منذ نشأته إلى نهايته، كان في علم الله جملة لا حدود فيه ولا فواصل، من زمان أو مكان.
ومعرفة القلب بهذه المقادير التي قدرها الله، يسكب فيه الطمأنينة والسكون عند استقبال الأحداث خيرها وشرها، فلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعًا وتذهب معه حسرات عند الضراء، ولا تفرح الفرح الذي تُستطار به، وتفقد الاتزان عند السراء، فكل شيء لا يكون إلا بأمر الله ومشيئته: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
***
مختارات

