الخزانة الثامنة..
• أقسام القدر الإلهي:
أقدار ﷿ الله تنقسم إلى قسمين:
أحدها: قدرُ مطلق مثبت؛ وهو ما في أم الكتاب اللوح، المحفوظ، الإمام المبين، فهذا لا يتبدل ولا يتغير ولا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له.
الثاني: قدر معلق أو مقيد؛ وهو ما في صحف الملائكة، فهذا الذي يقع فيه المحو والإثبات، كما قال سبحانه:﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]
والقدر: الذي هو علم الله ومشيئته وكلامه غير مخلوق.
وكذلك الشرع: الذي هو أمر الله ونهيه غير مخلوق لأنه كلامه.
أما المقدرات: من الآجال، والأرزاق، والأعمال، والأحوال، فكلها مخلوقة، وكذا الأفعال المأمور بها والمنهي عنها كلها مخلوقة.
فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع صفاتهم وأفعالهم مخلوقة:﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فعلى العبد أن يفعل ما أمره الله به، فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره فليتقبل قضاء الله بالرضا والطمأنينة والاستسلام؛ لأنه الأصل الذي كان مجهولًا له فكُشف الله عنه الستار: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢].
وعلى العبد كذلك أن يستعين بالله في فعل ما أمره الله به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر، ينظر إلى القدر في المصائب لا في المعائب، فيصبر على المصائب،ويستغفر من المعائب: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وهذان الأصلان يحصل بهما راحة القلب وطمأنينته لكل ما قدر الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وقد أمر الله ﷿ بالاستعاذة بكلمات الله التامات كل من نزل منزلًا كما قال النبي ﷺ: «إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْه» أخرجه مسلم.
وكلمات الله التي يُستعان بها نوعان:
كلمات كونية.
وكلمات شرعية.
والكلمات الكونية: هي التي كون الله بها الكائنات، لا يخرج عنها بَر ولا فاجر ولا أي مخلوق في الكون، فما من مُلك، ولا سلطان، ولا مال، ولا جمال، ولا علم، ولا حال، ولا تحريك، ولا تسكين، ولا تدبير، ولا تصريف إلا وهو واقع بمشيئة الله وقدرته وكلماته التامات.
ولكن من ذلك ما هو محبوب لله مأمور به، ومنه ما هو مكروه لله منهي عنه، فسبحان من له الخلق والأمر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
والطاعات والمعاصي كلها واقعة بقضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته، لكن الله ﷿ يحب الطاعات ويأمر بها، ويكره المعاصي ويحذر منها.
والقدر كما جرى بالمعصية جرى كذلك بعقابها، كما يقدر على العبد أمراضًا تُعقبه الألم، فالمرض بقدره، والألم بقدره، والعافية بقدره، فإذا قال العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب، كان بمنزلة قول المريض: قد تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم ولا أتعالج.
وهذا مع أنه جهل وسفه فإنه لا ينفع صاحبه، بل اعتلاله بالقدر ذنب ثانٍ يعاقب عليه؛ لأنه أذنب وكذب على الله، وإنما احتج بالقدر إبليس، وأما آدم فتاب، فتاب الله عليه.
فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم ﷺوزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
ومن أراد الله شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها، فأبى واستكبر وكفر، كما قال سبحانه عن إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فالقدر نؤمن به ولا نحتج به، ومن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولًا لقُبل من إبليس وغيره من العصاة، ولو كان القدر حجة للعباد على أفعالهم لم يعذب الله أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ولو كان القدر حجة لم تقطع يد السارق، ولا قتل قاتل، ولا حُد شارب، ولا أقيم حد، ولا جاهد أحد في سبيل الله، ولا أمر بالمعروف أحد، ولا نهى عن المنكر أحد.
والله سبحانه علم الأمور وكتبها على ما هي عليه.
الله سبحانه عليمُ بكل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون؛ لأنه وحده عالم الغيب والشهادة، فالله سبحانه علم الأمور كلها وكتبها على ما هي عليه، فتقع كما شاء وكما أراد، فهو جل وعلا قد كتب أن فلانًا يؤمن ويعمل صالحًا، فيدخل الجنة، لكمال عِلمه السابق، وفلانًا يكفر ويعصي ويفسق، فيدخل النار لكمال عِلم الله به قبل أن يُخلق: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
كما علم سبحانه أن فلانًا يتزوج فيأتيه ولد، ويأكل فيشبع، ويشرب فيروى، فمن ظن أنه يدخل الجنة بلا إيمان وعمل صالح كان ظنه فاسدًا وباطلًا، كمن اعتقد أنه يأتيه ولد بلا وطء، فالله قدر الأسباب والمسببات، وقد جعل الله لكل شيء سببًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
فللدنيا أسباب، وللجنة أسباب، وللنار أسباب، وللثواب أسباب، وللعقاب أسباب، والله سبحانه كتب أفعال العباد خيرها وشرها، وكتب ما يصيرون إليه من الشقاوة والسعادة؛ لكمال عِلمه بالشيء قبل وقوعه، لا أنه ألزم الناس به: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
فالله خلق الناس مختارين، يؤمنون أو يكفرون، يطيعون أو يعصون، لكنه سبحانه جعل الأعمال سببًا للثواب والعقاب، وكتب ذلك وعلمه، كما كتب الأمراض وجعلها سببًا للآلام، وكما كتب أكل السم وجعله سببًا للموت، فالله قدر وكتب هذا وهذا؛ لأنه الذي أحاط وحده بكل شيء علمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢].
وكذلك من فعل ما نهى الله عنه من الكفر والمعاصي، فإنه يعمل ما كُتب الله عليه، وهو مستحق لما كتبه الله من الجزاء لمن عمل ذلك.
فكل ما يجري في هذا الكون العظيم كائنُ بقضاء الله وقدره، وقد أمر الله ﷿ أن نزيل الشر بالخير، والباطل بالحق بحسب الإمكان، فنزيل الكفر بالإيمان، ونزيل البدعة بالسنة بإذن الله، ونزيل المعصية بالطاعة، ونزيل السيئة بالحسنة.
فيدفع المسلم ما قدره الله من الشر بما قدره الله من الخير مستعينًا بالله، كما يدفع المؤمن شر الكفار والفجار بالقوة ورباط الخيل، وكالدعاء والصدقة الذين يدفعان البلاء، وكالدواء الذي جعله الله سببًا للشفاء وهكذا.
وما يكون من الشر جعله الله محنة لنا وابتلاءًا، والله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق والعصيان، بل أمرنا أن نكره ذلك، وندفعه بحسب الإمكان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فندفع قدر الله بقدر الله وبما أمر الله، مع الصبر، والتوكل عليه، والاستعانة به في كل أمر، وهذا هو الابتلاء: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠].
والله ﵎ له الخلق والأمر، فهو الخالق لكل شيء ولكل ما يقع في هذا الكون، ولكل ما يقع للناس من أحوال، ولكل ما يقع من الناس من أعمال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فالناس يملكون بما أقدرهم الله عليه أن يتجهوا وأن يحاولوا، ولكن تحقق الفعل ووقوعه لا يكون إلا بإرادة من الله وقدر، فالإنسان قد يتجه ويحاول فعل الخير بالوسائل التي أرشد الله أنها تحقق الخير، ولكن تحقق الخير فعلًا يتم بإرادة الله وقدره فقط؛ لأنه ليست هناك قدرة غير قدرة الله تنشئ الأشياء والأحداث وتحقق ما يقع في هذا الكون العظيم من وقائع: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ [الأنفال: ١٧].
فإذًا يكون تحقق الخير بوسائله التي اتخذها الإنسان، وباتجاه الإنسان وجهده عملًا من أعمال القدرة الإلهية، فالله أقدره على الفعل فقدر، والله سدد رميته فأصاب.
وكذلك الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء، ولكن وقوع السوء فعلًا لا يتم إلا بقدرة الله وقدر الله؛ لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأحداث والأشياء في هذا الكون غير قوة الله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس:/ ٣١ - ٣٢].
وفي الحالين يكون وجود الحدث هو تحققه من عند الله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨].
وكذلك الإنسان يسمع ويرى، ويعقل ويفهم، ويريد ويعمل ويحاسب على إرادته وعمله، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
أقسام الهداية:
الهداية قسمان:
الأولى: هداية الدلالة والإرشاد.
الثانية: هداية التوفيق والإلهام.
فهداية الدلالة والإرشاد: الله ﷿ هدى عباده إلى معرفة توحيده، وعظمته، ونعمه وإحسانه، بالآيات الكونية، والآيات الشرعية، وكذلك الرسول ﷺ وأتباعه، قاموا بهداية الناس إلى الحق، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]
أما هداية التوفيق والإلهام: فهي بيدِ الهادي وحده لا شريك له، كما أن الرزق بيد الرازق وحده ﷻ، والعلم بيد العليم وحده، فكذلك الهداية بيدِ واحد، ومفتاح الهداية بيدِ واحد، والهدى هدى الله، فمن هداه الله فهو المهتدي حقًا، ومن أضله فهو الضال حقاً، الخاسر حقًا، كما قال سبحانه:﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨].
وقال ﷿: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧].
والله سبحانه يهدي من يجاهد لطلب الهداية، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وكذلك يُضل الله من يبغي الضلال لنفسه، ويعرض عن دلائل الهدى، وموجبات الإيمان، ويغلق قلبه وسمعه وبصره بما دونها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
ومشيئة الله ﵎ التي يجري بها قدره في هذا الإنسان أنه خلق هذا الإنسان باستعداد مزدوج للهدى والضلال، والخير والشر، والطاعات والمعاصي.
مع إيداع فطرته إدراك حقيقة الربوبية، والاتجاه إليها:﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ومع إعطائه العقل المميز للضلال والهدى، ومع إرسال الرسل بالبينات لإيقاظ الفطرة إذا تعطلت، وهداية العقل إذا ضل.
وكذلك اقتضت مشيئة الله أن يجري قدر الله بهداية من يجاهد للهدى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وأن يجري قدر الله كذلك بإضلال من لا يستخدم ما أودعه الله من عقل، وما أعطاه الله من أجهزة؛ كأجهزة الرؤية والسمع، في رؤية وإدراك الآيات التي بثها الله في صفحات الكون العظيم، والآيات الشرعية التي جاءت في القرآن الكريم.
وفي كل الأحوال تتحقق مشيئة الله وحده، ولا يتحقق سواها، ويقع ما يقع بقدر الله لا بقوة سواه، وما كان شيء ليقع إلا يوقعه قدر الله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
وفي حدود هذا التقدير يتحرك الإنسان بنفسه، ويقع له ما يقع من الهدى والضلال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨].
وكثير من الجن والإنس مخلوقون لجهنم، وهم مهيئون لها، فما بالهم كذلك.
هناك اعتباران:
الأول: أن الله بعلمه الأزلي يعلم أن هؤلاء خلق صائرون إلى جهنم.
الثاني: أن هذا العلم الأزلي بأحوال العباد ومصائرهم ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم، إنما هم: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا، وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية، ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات الله المتلوة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ [ق: ٦ - ٧].
وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
لقد عَطلوا هذه الأجهزة وعاشوا غافلين، فهم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام لها استعدادات فطرية تهديها؛ تقبل إذا دعيت، وتنزجر إذا زُجرت.
أما الجن والإنس فقد زُودوا بالقلب الواعي، والعين المبصرة، والأذن السامعة، فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكلة إلى استعداداتها الفطرية الهادية: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فكفار الجن والإنس كل حيوان بهيم أهدى منهم، وهم أضل منه سبيلًا، فما أضل هؤلاء في الدنيا، وما أخسرهم في الآخرة: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
***
مختارات

