الخزانة الخامسة..
• أقسام أوامر الله ﷿:
أوامر الله ﷿ تنقسم إلى قسمين:
الأول: أوامر شرعية قد تقع من العبد، وقد يخالفها العبد بإذن الله
ومنها: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
فمن الناس من يؤمن، ومن الناس من يكفر، ومن الناس من يطيع، ومن الناس من يعصي، هذه الأوامر، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
الثاني: أوامر كونية لا بد من وقوعها، ولا يمكن للإنسان مخالفتها، وهي نوعان:
الأول: أمر رباني مباشر لازم الوقوع.
فكل ما أراد الله وقوعه فلا بد أن يقع لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
الثاني: أوامر ربانية كونية.
وهي السنن الكونية التي تتكون بإذن الله من أسباب ونتائج، يتفاعل بعضها مع بعض، ولكل سبب كوني نتيجة،ومن السنن الكونية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣].
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦].
ومن ذلك: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
وهذه السنن الكونية يمكن لإبليس وأتباعه محاولة تسخيرها، وجر الناس إليها، لتكون سببًا في هلاك بعض الناس، وقد شرع الله لنا الاستغفار والتوبة والدعاء للنجاة من ذلك.
والدعاء لجوء إلى الله الذي خلق السنن الكونية كلها كالماء، والنار وغيرهما، فهو القادر على إبطال مفعولها، أو تغيير نتيجتها، في أي وقت شاء وكيف شاء، كما أبطل مفعول النار على إبراهيم ﷺ فكانت بردًا وسلامًا وهي تشتعل:﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
أقسام الحسنات والسيئات:
الحسنات قسمان، والسيئات قسمان.
فالحسنات قسمان:
الأول: حسنة سببها الإيمان والعمل الصالح، وهي الطاعة لله ﷿ ولرسوله ﷺ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: حسنة سببها الإنعام الإلهي على الإنسان، بما يؤتيه الله من مال وأمن، وصحة وعزة ونحو ذلك: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والسيئات كذلك قسمان:
الأول: سيئة سببها الشرك والمعاصي، وهي ما يصدر من الإنسان من شرك ومعصية: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
الثاني: سيئة سببها الابتلاء، أو الانتقام الإلهي، كأمراض الجسم، وضياع المال، والخوف والجوع، والهزيمة ونحو ذلك:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فالحسنة: بمعنى الطاعة لا تنسب إلا إلى الله، فهو الذي شرعها للعبد، وعلمه إياها، وأمره بفعلها، وحببها إليه، وأعانه عليها، وأثابه عليها: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
والسيئة: بمعنى المعصية لله ورسوله، إذا فعلها العبد بإراداته واختياره، مؤثرًا المعصية على الطاعة؛ فهذه السيئة تنسب للعبد فاعلها، ولا تنسب إلى الله، لأن الله لم يشرعها، ولم يأمر بها، بل حرمها وتوعد عليها، كما قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
أما الحسنة: بمعنى النعمة؛ كالمال، والولد، والصحة، والنصر، والعزة.
والسيئة: بمعنى النقمة، والابتلاء كالنقص في المال، والأنفس والثمرات، والهزيمة وأمثالها.
فهاتان الحسنة والسيئة بهذا المعنى من عند الله وحده؛ لأنه ﷿ يبلوا عباده ابتلاءًا، وانتقامًا، ورفعة، تربية لعباده، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨].
سبل دفع عقوبة السيئات.
فالمؤمن إذا عمل سيئة فعقوبتها تندفع عنه بما يلي:
١ - إما أن يتوب إلى الله فيتوب الله عليه.
٢ - أو يستغفر الله فيغفر الله له.
٣ - أو يعمل حسنات تمحوها.
٤ - أو يدعوا له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له.
٥ - أو يهدوا له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.
٦ - أو يبتليه الله في الدنيا بمصائب تكفر عنه.
٧ - أو يبتليه في البرزخ بمصائب فيكفر بها عنه.
٨ - أو يبتليه في عرصات القيامة بما يكفر عنه.
٩ - أو يشفع فيه نبيه محمد ﷺ.
١٠ - أو يرحمه أرحم الراحمين، والله غفور رحيم: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢].
• حكمة خلق الطاعات والمعاصي:
الله ﷿ حكيم عليم، خلق الماء والنار، وخلق الطاعات والمعاصي، لحكم عظيمة، الطاعات يحبها الله، والمعاصي يبغضها الله، وقد أمر الله الخلق بالطاعات، ونهاهم عن المعاصي، وأمرهم بالتوبة من الذنوب والمعاصي، وخلق الله الإنسان مختارًا يطيع ربه مرة، ويعصيه مرة، وربما أورثت الطاعة عند بعض الناس العجب والمنة.
فخلق الله المعصية التي ربما أورثت بعدها التوبة والذلة والانكسار بين يدي الرب، فسبحان الحكيم في خلقه وأمره وشرعه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: ٢ - ٥].
فقه الطاعات والمعاصي:
مقصود الله من خلقه: توحيده، والإيمان به، وطاعته، وعبادته بما شرع.
والطاعة: تولد المنفعة، وتثمر الأخلاق الحسنة.
والمعصية: تولد المضرة وتثمر الأخلاق السيئة.
فالشمس والقمر، والنبات والحيوان، والبر والبحر، أطاعت ربها فخرج منها منافع كثيرة لا يحصيها إلا الله ﷿.
والأنبياء والدعاة، والعلماء، لما أطاعوا الله، خرج منهم من الخير ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وإبليس وجنوده من الجن والإنس، لما عصوا ربهم، وأبوا واستكبروا عن طاعة الله، خرج بسببهم من الشر والفساد في الأرض ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وهكذا الإنسان إذا أطاع ربه خرج منه من الخير والمنافع له ولغيره ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وإذا عصى العبد ربه خرج منه من الشر والمضار له ولغيره ما لا يحصيه إلا الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
فللطاعات ثمرات، وللمعاصي عقوبات:
فقد جعل الله ﷿ للطاعات والحسنات آثارًا لذيذة طيبة محبوبة، لذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة، فكل طاعة يعقبها طمأنينة، وهداية، وأمن، وفلاح، وسعادة:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وجعل سبحانه للمعاصي والسيئات آثارًا وآلامًا مكروهة، تورث الحسرة والندم، والضيق والهم، والضنك والخسارة،وتُربي على لذة فعلها بأضعاف مضاعف: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
وما حصل لعبد حال مكروهة قط إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
والذنوب مضرة بالقلوب، مثل السموم مضرة بالأبدان، بل أعظم وأخطر: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والله خلق الإنسان على الفطرة حسنًا جميلًا، فإن تلوث بالذنوب والخطايا نُزع منه حسنه وجماله، وإذا تاب إلى الله عاد إليه حسنه وجماله، وبلغ كماله في الجنة، ورافق رسله وأنبياءه في الدنيا بإتباع السنة، وفي الآخرة بدخول الجنة:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وأفعال الله كلها في غاية الحكمة والرحمة، والعدل والإحسان، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، وهو الحكيم العليم، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته، وعذابه وعقوبته، وثوابه وعقابه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ [المائدة: ٤٠].
• فقه الهداية والإضلال:
الله ﷿ هو الهادي الذي له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، فالملك ملكه، والخلق خلقه، والأمر أمره: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
ومن رحمته سبحانه أن فطر الناس على التوحيد، وحب الخير، وبغض الشر، ثم أكرمهم بأن أرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، وأوضح السبل، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وبعد ذلك، فمن آثر الهداية، ورغب فيها، وطلبها، وعمل بأسبابها، وجاهد في سبيل تحصيلها، هداه الله إليها، وأعانه على تحصيلها وتكميلها، وهذا من رحمة الله بعباده، وفضله عليهم، وإحسانه إليهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن أثر الضلالة، ورغب فيها، وطلبها، وعمل بأسبابها، تمت له، وولاه الله ما تولى، ولم يجد من الله صارفًا عنها، وهذا عدل الله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
فقه القدر:
الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، هو الركن السادس من أركان الإيمان التي ذكرها النبي ﷺ في حديث جبريل حين سأله فقال: ما الأيمان؟
قال: «الإِيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» أخرجه مسلم.
وقضاء الله وقدره كله خير ورحمة، وحكمة وإحسان، والقضاء يوصف بالخير والشر بالنسبة إلينا، فما قدره الله لنا، أو قدره علينا، فيه خير وشر، وحلو ومر؛ لأن أفعال الله ﷿ كلها حكمة، ورحمة، وخير، بل أفعاله كلها أخير من غيرها: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
فأثر قدر الله علينا بالنسبة إلينا:
منه ما هو حلو: من الصحة، والسلامة، والرزق، والأولاد.
ومنه ما هو مر: من الأمراض، والمصائب وهلاك الأموال، والأولاد.
وكل ذلك من الله خير وحكمة، فالله خلق الملائكة لحكمة، وخلق إبليس لحكمة، وأعطانا لحكمة، ومنعنا أمورًا لحكمة، فالخير كله بيديه، والشر ليس إليه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]
ولا يسلم توحيد العبد إلا باتقاء الشركين:
الشرك الأكبر
والشرك الأصغر.
ومن تساهل في الأصغر جره الشيطان إلى الأكبر: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
ومن أعظم الأشياء التي تخرم الإيمان عدم الرضا بالقدر خيره وشره، سواء وقع عليه، أو وقع على غيره، فالناس يتقلبون في أقدار الله من الغنى والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف، والربح والخسارة ونحو ذلك.
• فقه الابتلاء:
الناس عبيد لله ابتلاهم بأمرين:
أحدهما: التكليف، وهي الأوامر الشرعية.
الثاني: التقدير، وهو الأقدار الإلهية.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فكل إنسان مبتلى بأمرين:
بالتكليف
والتقدير.
فالتكليف: يكون بالأمر والنهي.
والتقدير: هو ما يجري على الإنسان من محبوب أو مكروه.
والله يوصينا في القرآن كثيرًا بالتقوى والصبر، فالتقوى متعلقة بالابتلاء بامتثال أوامر الله، والصبر متعلقُ بالابتلاء بالقدر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقال ﷿: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
فالمسلم مكلف بأمرين:
الأول: أفعال الله فيه، وهي القدر، والمطلوب منه الصبر والرضا والحمد.
الثاني: أوامر الله له، وهي التكليف، والمطلوب منه التقوى، وهي امتثال الأمر، واجتناب النهي، وهذان شقا التكليف، والابتلاء امتثال الأمر، والصبر على القدر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
فالله خلق الإنسان للابتلاء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
إما عملًا بالتكليف وهو الأمر والنهي، أو عملًا أمام التقدير بالصبر والرضا، فالإنسان في كل حال مبتلى؛ إما بالتكليف، أو مبتلى بالتقدير الذي يجري عليه، والتقدير من الله حلو ومر، والهلكة من الله حلو ومر، والهلكة بالحلو أكثر من المر كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
فمن آمن بالقدر، رضي عن الله، ورضي الله عنه، ورضي بما قسم الله له، ولم يتمنى إلا ما قدر الله له من حلو ومر: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
فالناس مبتلون بالتكاليف وهي الأوامر والنواهي، كما هم مبتلون بالمقادير حلوها ومرها، والواجب تقوى الله في التكاليف، والصبر على المقادير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
فالواجب تقوى الله في التكاليف، والصبر على المقادير:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
فإن قدر الله لك نعمة، فاشكر الله ولا تتمرد، وإن قدر الله عليك مصيبة فاصبر ولا تتسخط، فهذا عطاء، وهذا عطاء، والله يربي عباده بالسراء والضراء، وعلى العبد الرضا بهذا وهذا: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وهو سبحانه الحليم الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر:﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧].
والمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
فلا بد للناس من الابتلاء ليتبين الصادق من الكاذب، والابتلاء يكون بالمحبوب والمكروه، وبالحلو والمر،وبالعطاء والمنع: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وعلم الله سابق على كل شيء قبل وقوعه، ولكن الله يظهره ليطابق لما كتبه في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
***
مختارات

