الخزانة السادسة..
• فضل الله، وعدل الله:
الله ﷿ أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته:
فمتى علم الله في قلب الإنسان خيرًا آتاه الخير، كما قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ [الأنفال: ٧٠].
ومن علم الله في قلبه الشر وكله إلى نفسه، وحال بينه وبين الخير، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
فمن اهتدى زاده الله هدى، ومن زاغ أزاغ الله قلبه،وحرمه مما ينفعه عقوبة له: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦].
فالله يعطي الفضل لمن شاء بسبب: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحج: ٥٤].
فالله ﷿ يعطي الفضل لمن شاء من عباده بسبب، ويحرمه من شاء بسبب: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
فالله حكيم عليم يضع الشيء في موضعه، ويعطي الفضل من يستحقه، ويحرمه من لا يستحقه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
اعتراضات الخلق:
اعتراضات الخلق ثلاثة أنواع:
الأول: اعتراض بعض الناس على أسماء الله وصفاته بالشبه الباطلة، فالعاصم من ذلك كله التسليم للوحي الذي يرى به العبد الحق صريحًا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢]
الثاني: اعتراض بعض الخلق على شرع الله وأمره، في العقيدة والأحكام.
الثالث: الاعتراض على أفعال الله، وقضائه وقدره.
وهذا اعتراض الجهال والسفهاء، وهو أنواع:
أحدهما: كاعتراض المشركين على اختيار نبينا محمد ﷺ في قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١].
رد الله عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
الثاني: واعتراض اليهود على أنه ليس منهم.
الثالث: الاعتراض على ما قضاه الله وقدره من النعم والمصائب.
والعاصم من ذلك كله التسليم لمن آمنا به بكل شيء، بتصديق أخباره، وتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].
والإنسان إذا فعل ما يستطيع مما أُمر ببذله أو فعله، وأخلفت الأمور فلم يتم ما أراد، فهذا الإنسان يفوض الأمر إلى الله الذي يفعل ما يشاء بحكمته ولا يختار لعبده إلا ما هو أصلح له في الدنيا و الآخرة، وهذا مأجور على فعل ما يقدر عليه، وفيما قدره الله حكمة ورحمة وإحسان.
فإذا بذل الإنسان الجهد، واستعان بالله، وسار الأمر على خلاف المطلوب ولم يتحقق ما يريد فلا يندم، ولا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فقد جرى ما قدر الله، ولو تفتح عمل الشيطان من الهم والحزن والضيق، وكم من إنسان كره وقوع شيء فصار في العاقبة خير له، كما قال سبحانه:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقال النبي ﷺ: «الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وفِي كل خير، احرص على مَا ينفعك، واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِنْ أَصَابَك شَيْء فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِنْ لَو تفتح عمل الشَّيْطَان» أخرجه مسلم.
• والاحتجاج بالقدر على قسمين:
الأول: الاحتجاج بالقدر ممنوع ومحرمُ، إذا أراد الإنسان أن يستمر على معصية الله، ليدفع اللوم عن نفسه، فإن هذا من عمل الشيطان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].
وقال الله ﷿: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨].
فمن احتج بالقدر على ما يفعله من المعاصي فقد ظلم نفسه، وقال على الله غير الحق، فمثلًا كأن تقول لمن يتهاون بصلاة الجماعة صلي مع الجماعة، فيقول: لو هداني الله لصليت.
هذا ليس بصحيح؛ لأنه يحتج بالقدر، ليستمر في المعصية، وهذا لا يجوز، فإن الله أعطى الإنسان الخيار بأن يؤمن أو يكفر، أو يطيع ويعصي.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩].
الثاني: إذا وقع الإنسان في معصية، أو خطأ وتاب إلى الله وندم على ما فعل وقال: هذا شيء مقدر علي، ولكن أستغفر الله، وأتوب إليه.
فهذا صحيح لا مانع منه، لأن الله كتب كل شيء: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٥٠].
وآدم ﷺ لما وقع في المعصية تاب إلى الله، فتاب الله عليه كما قال سبحانه عن أدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
فالله ﷿ حكيمُ عليم، يقلب الأحوال على العباد، ليستخرج منهم العبودية في حال السراء، وفي حال الضراء، ليشكروه على النعم، ويصبروا على البلاء، والله يحب الصابرين، والله يحب الشاكرين.
فالناس صنفان:
قوي وضعيف.
وغني وفقير.
وصالح وفاسد.
ومسلم وكافر.
وطيب وخبيث.
ومبتلى ومعافى.
والقوة والضعف كلاهما يجري على العبد بقدر الله، فقد يكون الإنسان ضعيفًا في بدنه، أو ضعيفًا في عقله، أو ضعيفًا في ماله أو ضعيفًا في جاهه ونحو ذلك.
وقد يكون الإنسان قويًا في كل ذلك، وكلاهما بمشيئة الله،فهو سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
والله حكيم عليم، بصير بالعباد، قد يجعل الإنسان ضعيفًا من وجه، لكنه قويًا عند الله من وجه أخر، يحبه الله لذلك ويكرمه، ويكون وجيهًا عنده في الدنيا والآخرة، وهذا هو المهم وهو المقصود.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أنه قال: مرَّ رجلٌ على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالسٍ: «مَا رَأَيُكَ في هَذَا»فقال هذا رجل من أشراف النَّاس، هذا والله حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفَّع، قال: فسكت رسول الله ﷺ ثم مرَّ رجُلٌ آخر، فقال له رسول الله ﷺ: «مَا رَأْيُكَ في هَذَا؟» فقال: يَا رسولَ الله، هذا من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب ألاّ ينكح، وإن شفع ألا يشفَّع، وإن قال لا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ: «هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْل هَذَا» أخرجه البخاري.
• فقه القدر الإلهي:
القدر الإلهي نوعان:
الأول: الأوامر الكونية التي يجريها الله في الكون، كالحياة، والموت والتصريف والتدبير، والتحريك والتسكين، والخلق والرزق، ونحو ذلك مما يجري في الكون، لنعلم به عظمة الله، وكمال قدرته، وسعة علمه، وعظيم إنعامه وإحسانه، فنطيعه ونعبده ولا نتعلق بأحد سواه، لما نراه من عظمة جلاله وجماله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا علمتم ذلك، تعلقتم بالله، وتوجهتم إليه، وآمنتم به.
الثاني: الأوامر الكونية المتعلقة بالإنسان، فالقدر الإلهي يجري على الإنسان بحسب إيمانه، وعمله الصالح، أو بحسب كفره، وعمله السيئ، فمن آمن وعمل صالحًا، أسعده الله في الدنيا، ثم تزداد سعادته عند الموت، ثم تزداد سعادته في القبر، ثم ينال كامل السعادة في الجنة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
ومن كفر وعمل السيئات، شقي في الدنيا، ثم ازداد شقاؤه عند الموت، ثم يزداد عذابه في القبر، ثم ينال كامل العذاب في النار يوم القيامة: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
وقال ﷿ عن الكفار: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
فيجري قدر الله على العبد من خير أو شر، أو نعمة أو نقمة، أو سعادة أو شقاوة، بحسب ما يصدر من الإنسان من عمل، فلكل إنسان من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة،بحسب ما يصدر منه من عمل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
فمن أحسن أحسن الله إليه، ومن أساء جنى على نفسه:﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
هكذا سنة الله في خلقه واحدة بواحدة: ﴿وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١].
فمن أطاع الله ورسوله، أكرمه الله في الدنيا بأكثر من ثلاثين كرامة ذكرها الله في القرآن، وذكرها النبي ﷺ في السنة.
وأكرمه في الآخرة كذلك بأكثر من ثلاثين كرامة، ذكرها الله في القرآن وذكرها النبي ﷺ، في السنة.
ومن عصى الله ورسوله، عاقبه في الدنيا بأكثر من ثلاثين عقوبة، ليعود إلى ربه، قد ذكرها الله في القرآن، وذكرها النبي ﷺ في سنته.
وعاقبه في الآخرة بأكثر من ثلاثين عقوبة، ذكرها الله في القرآن، وذكرها النبي ﷺ في السنة.
فكل قدر يجريه الله على الناس فإنما هو حسب ما يصدر منهم من خير أو شر، أو طاعة أو معصية، ولكن أكثر الناس لا يعلمون سر هذه الأقدار، ولهذا تجدهم يتوجهون إلى المخلوق في حلها، والحقيقة أن حلها بأيديهم، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١].
يغيروا الشرك بالتوحيد، والكفر بالإيمان، والمعصية بالطاعة، والإساءة بالإحسان فيغير الله أحوالهم إلى خير،والعكس بالعكس: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣].
• كرامات المؤمن في الدنيا والأخرة:
كرامات المؤمن في الدنيا كثيرة منها:
الحياة الطيبة.
معية الله.
محبة الله له.
النصر، والأمن.
الخلافة في الأرض.
ولاية الله له، والطمأنينة.
حصول الهداية، وعدم الضلالة.
مغفرة الذنوب، وقبول الله لتوبته.
النجاة من الهلاك، والفوز بكل خير.
رحمة الله له، والفلاح، وحصول الرزق.
التيسير في الأمور، والدفاع عن المؤمن.
مضاعفة الثواب على الطاعات.
تثبيت الله وملائكته له.
استجابة الله لدعائه.
رضا الله عنه، والأمن والطمأنينة عند الموت، وغير ذلك من الكرامات.
أما كرامات المؤمن في الآخرة فكثيرة منها:
دخول الجنة، وسماع كلام الله ﷿، ورضوان الله على المؤمنين، ورضاه عنهم ورؤيتهم له، والقرب من الله ﷿، والسلامة من الآفات، وملك القصور العظيمة، والخلود في الجنة، والأمن، والزوجات الطاهرات، والحور الحسان، والطعام اللذيذ بأنواعه، والشراب بأنواعه، والأنهار الجارية بأنواعها، والعيون بأنواعها، وغناء الحور العين وغيرها من الكرامات التي تزيد على ثلاثين كرامة.
أما عقوبات الله للكافر في الدنيا فكثيرة منها:
من أعرض عن دين الله عاقبه الله بالمعيشة الضنك، وعاقبه الله ﷿ بقارعة قبل يوم القيامة، والعذاب الكبير لمن ظلم، ومن زاغ عن الدين أزاغ الله قلبه، ومن عادى أولياء الله حاربه الله، ومن عمل سوءاً جزاه الله به، ومن كفر غضب الله عليه وأدخله النار.
أما عقوبات الكافر في الأخرة فكثيرة منه:
دخول النار، والخلود في النار، والعذاب العظيم، والعذاب الشديد، والعذاب الأليم، والعذاب الكبير، والذل والإهانة، والطعام الكريه، والماء الحار، وسخط الرب، ولعنته وغير ذلك من العقوبات التي تزيد على ثلاثين عقوبة.
نسأل الله السلامة والنجاة في الدنيا والأخرة.
وغير ذلك من الكرامات والعقوبات، في الدنيا والآخرة، وكلها مذكورة في القرآن والسنة.
***
مختارات

