الخزانة الخامسة..
• مشاهد اليوم الآخر:
وصف الله ورسوله اليوم الآخر، وما يجري فيه، وصفًا بينًا مفصلًا حتى كأنه رأي عين.
فالإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله ورسوله به مما يكون في ذلك اليوم العظيم من البعث والحشر، والحساب والميزان، والصراط، والجنة والنار، وغير ذلك مما يجري في عرسات يوم القيامة، ويلحق بذلك ما يكون قبل الموت من علامات الساعة وأشراطها، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيمه.
والإيمان بالله واليوم الآخر أعظم أركان الإيمان، وعليهما مع بقية الأركان مدار استقامة الإنسان وفلاحه وسعادته في الدنيا والآخرة، ولأهمية هذين الركنين يقرن الله بينهما كثيرًا في آيات كثيرة في القرآن، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
أما فتنة القبر:
فقال النبي ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ،فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ النبي ﷺ: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ».
متفق عليه.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، وفيه قال النبي ﷺ: «فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ.
فَيَقُولَانِ: ومَا دِينُكَ؟! فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ.
فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟! فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح.
• أما أنواع عذاب القبر، فعذاب القبر نوعان:
الأول: عذابٌ دائم لا ينقطع إلى قيام الساعة، وهو عذاب الكفار والمنافقين، كما قال سبحانه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٤ - ٤٦].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إليه يَوْمَ القِيَامَة».
متفق عليه.
الثاني: عذابٌ له أمد ثم ينقطع، وهو عذاب عصاة الموحدين من المؤمنين، فيُعذب بحسب جرمه ومعصيته، ثم يخفف عنه العذاب، أو ينقطع بسب رحمة الله، أو حصول مكفرات للذنوب من صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابن آدم انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عَمَلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
أخرجه مسلم.
وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَة».
متفق عليه.
ونعيم القبر للمؤمنين الصادقين، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠].
و قال النبي ﷺ: «فالمؤمن إذا أجاب الملكين في قبره يُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّة، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ».
أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح.
وينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه أمور كالشهادة في سبيل الله، والرباط في سبيل الله، ومن قتله بطنه ونحو ذلك.
مستقر الأرواح بعد الموت:
مستقر الأرواح بعد الموت إلى قيام الساعة مختلفة، فالأرواح في البرزخ متفاوتة تفاوتًا عظيماً، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء والرسل عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواحٌ في صورة طير يعلق في شجر الجنة وهي أرواح المؤمنين.
ومنها أرواح في أجوافِ طير خضر تسرح في الجنة، وهي أرواح الشهداء.
ومنها أرواحٌ محبوسة في القبر كالغال من الغنيمة.
ومنها ما يكون محبوسًا على باب الجنة بسبب دين عليه.
ومنها ما يكون محبوسًا في الأرض بسبب روحه السفلية.
ومنها أرواحٌ في تنور الزناة والزواني، ومنها أرواح تسبح في نهر الدم وتلقم من حجارة وهم أكلة الربا.
وقال النبي ﷺ: «فَلَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهُ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قالوا:نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّال، قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال».
أخرجه مسلم.
***
مختارات

